إذا ماتَ الفاسد... ضاعَت أموال الدولة المنهوبة!
جريدة الراي -

إذا ماتَ الفاسد... ضاعَت أموال الدولة المنهوبة! لا يمكن استردادها بلا حكم نهائي قبل الوفاة ومن الصعب ملاحقتها بعد انتقالها إلى الورثة

+ تكبير الخط   - تصغير الخط

الفيلي لـ «الراي»: 

- في حال عدم صدور حكم قضائي نهائي لا نستطيع تأكيد أن هناك استحقاقاً مالياً

مهند الساير لـ «الراي»: 

- جرائم الاعتداء على المال العام لا تسقط بالتقادم بأي حال من الأحوال

إيلاف الصالح لـ «الراي»: 

- إذا كانت التركة قد تحصّل عليها المورّث بصورة غير شرعية فلا تعد ملكاً له

بين ظاهرة الفساد واستباحة المال العام، وكيفية استعادته إلى كنف الدولة، جملة من الضوابط الشرعية والقانونية، واشتراط إصدار أحكام قضائية حتمية ونهائية لاسترجاع ما سُلب، استناداً إلى مبدأ أن أموال الفاسدين لا تورّث.
وعلى الرغم من أن القانون يضمن ملاحقة أموال الفاسدين لدى ورثتهم، بيد أن هذا الأمر واقعاً يصطدم بمشكلتين أساسيتين: الأولى أنه إذا مات الشخص المتهم بالفساد من دون صدور حكم نهائي بات فلا يمكن استرداد الأموال من تركته قبل توزيع الميراث، والثانية أنه إذا انتقلت الأموال إلى الورثة فإن استردادها مرهون بإثبات أن تلك الأموال المستولى عليها من الدولة آلت إليهم كورثة، وهذا أمر صعب جداً وأقرب إلى المستحيل، وبالتالي فإن الأموال نظرياً يمكن استردادها لكن عملياً تكون قد ضاعت بالوفاة.

حكم «التمييز»
ففي حكم صدر في الآونة الأخيرة، أكدت محكمة التمييز الجزائية أنه يحق للدولة ملاحقة الأموال العامة المُنتقلة إلى الورثة، في حال وفاة المتهم، ولكن بعد ثبوت أن تلك الأموال المستولى عليها من الدولة آلت إليهم كورثة.
وأوضحت المحكمة، في الحيثيات، أن وفاة المتهم لا تحول لأي سبب من الأسباب دون حق الجهة المتضررة في المطالبة برد الأموال محل الجرائم في قانون حماية الأموال العامة، والتعويض إن كان له مقتضى.

الفيلي
من جهته، قال الخبير الدستوري الدكتور محمد الفيلي إنه يجب أن نُفرّق بين أموال الفاسدين وبين استحقاقات قانونية موجهة لذمة مالية لشخص ما.
وأوضح الفيلي لـ«الراي» انه في حال وجود حكم قضائي نهائي ضد شخص ما وتوفي، فإنه يوجب انتزاع جزء من تركته لرد هذا المال المحكوم به أو لدفع غرامة، لأننا بصدد تطبيق قاعدة أنه «لا تركة إلا بعد استيفاء الديون» ويتم ذلك وفق الحكم القضائي الصادر بهذا الشأن.
لكن في حال عدم صدور حكم قضائي نهائي، «فإننا لا نستطيع أن نؤكد أن هناك استحقاقاً مالياً، وذلك استناداً للقاعدة الشرعية والقانونية أن (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)»، وفقاً للفيلي.

الصالح
من جهتها، قالت المحامية إيلاف الصالح إن دولة الكويت هي من أولى الدول التي سعت إلى مكافحة الفساد، فأقرّت تشريعات متعدّدة وأنشأت جهازاً خاصاً يتبع النيابة العامة تحت مسمى نيابة الأموال العامة.
وأضافت انه إذا كان احد الفاسدين قد توفاه الله قبل أن تسترد الدولة حقوقها، فإن ذلك لا يحول دون حقها في استصدار حكم يتم بموجبه التنفيذ على أمواله تحت يد ورثته، مشيرة إلى أنه تجوز ملاحقة أموال الفاسدين لدى ورثتهم، موضحة أنه «إذا كانت القاعدة العامة أنه لا تركة إلا بعد سداد الديون، فالأولى أنه إذا كانت التركة قد تحصل عليها المورث بصورة غير شرعية من دون وجه حق فلا تعد ملكا له، وبالتالي لا تعد تركة ولا تدخل ضمن أمواله التي يتم توزيعها على ورثته».
واضافت ان المشرع أكد في المادة (22) من القانون رقم (1) لسنة 1993 في شأن حماية الاموال العامة، أن جعل انقضاء الدعوى الجزائية لأي سبب من الأسباب (كوفاة الجاني مثلاً) لا يحول دون حق الجهة المتضررة في ملاحقة الاموال والمطالبة باستردادها، فضلاً عن التعويض إن كان له مقتضى في مواجهة الورثة والموصى لهم، وكل من أفاد فائدة جدية من الجريمة ليكون الحكم بالرد والتعويض نافذاً في أموال كل منهم بقدر ما استفاد به.
وأشارت إلى ما نصت عليه المـادة (940) من القانون المدني الكويتي، على أن تعيين الورثة وتحديد أنصابهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري عليها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها، وبالرجوع للمادة 291 من قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم 51 لسنة 1984 نجدها قد عددت ما يؤدّى من التركة بالترتيب، حيث جاء سداد ديون التركة في المرتبة الثانية بعد تجهيز المتوفى (المورث)، وفي حال عدم وجود ورثة أو وصية تؤول التركة، أو ما بقي منها إلى الخزانة العامة، كما أن أحكام التمييز أكدت قاعدة أن لا تركة إلا بعد سداد الدين، بأن تظل التركة منشغلة بمجرد الوفاة بحق عيني تبعي لدائني المتوفى، تخولهم تتبعها لاستيفاء ديونهم منها تحت يد أي وارث أو من يكون الوارث قد تصرف إليه، ما دام أن الدين قائم بما لازمه أن الوارث يكون مسؤولاً عن ديون المورث في حدود ما آل إليه من تركة مورثة، وطبقاً للترتيب الوارد بالقانون حول أولوية السداد من تركة المتوفى.

الساير
في السياق نفسه، أوضح المحامي مهند الساير أن للفساد صورا عدة، فهناك فساد إداري وسياسي ومالي، وأخطر الجرائم المالية هي جريمة الاعتداء على الأموال العامة، والتي في أصلها ملك للدولة، وقد حض الدستور الكويتي المواطنين على وجوب حمايتها والمحافظة عليها في المادة 17 (للأموال العامة حرمة وحمايتها واجب على كل مواطن).
وأضاف انه في ما يتعلق بمسألة ملاحقة سُرّاق المال العام وورثتهم في حال الوفاة، فإن جرائم الاعتداء على المال العام لا تسقط بالتقادم بأي حال من الأحوال، وذلك كي لا يفلت المتهم من العقاب، مشيراً إلى أنه للأهمية التي أولاها المشرع لحرمة الاعتداء على الأموال العامة، ولتوفير أكبر قدر من الحماية للأموال العامة، وفي حال وفاة المتهم بالاعتداء على المال العام في ظل وجود أحكام باتة ونهائية بإدانته، فإنه وفقاً لما جاء في قانون حماية الأموال العامة، أن يصدر الحجز على أمواله بصدور الحكم لرد الأموال العامة التي اكتسبها من دون وجه حق، للدولة، وأيضاً للمحكمة أن تأمر بالرد والتعويض في مواجهة الورثة.
وعن الطريقة القانونية لذلك، وهل تحجز الاموال قبل توزيعها على الورثة، وكيف تُحصّل بعد تقسيمها عليهم، قال الساير إن المشرع من خلال القانون رقم (1) لسنة 1993 في شأن حماية الأموال العامة، استثنى جرائم الاعتداء على المال العام من الخضوع لمدد التقادم الواردة في قانون الجزاء، وبالتالي فإن ملاحقة المتهمين بالاعتداء على الأموال العامة في أي مكان، سواء داخل أو خارج الكويت، واسترداد الأموال المختلسة يكون وفق ما هو مقرر بقانون حماية الأموال العامة، وهذا ما أوردته المادة 21 مكرراً المعدلة بموجب قانون 31 سنة 2004 (لا تنقضي الدعوى الجزائية عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بمضي المدة، ولا تسري عليها مدد سقوط الدعوى الجزائية أو العقوبة المحكوم بها، المبينة في المادتين «4، 6» من قانون الجزاء).
كما أن المادة 22 من ذات القانون نصت على أنه (لا يحول انقضاء الدعوى الجزائية لأي سبب من الأسباب دون حق الجهة المضرورة في المطالبة برد الأموال محل الجرائم المنصوص عليها في المواد 9، 10،11،12 من هذا القانون والتعويض، إن كان له مقتضى، وعلى المحكمة أن تأمر بالرد والتعويض في مواجهة الورثة والموصى لهم، وكل من أفاد فائدة جدية من الجريمة ليكون الحكم بالرد والتعويض نافذا في أموال كل منهم بقدر ما استفاد...).
وتابع الساير: لم يغفل المشرع عن منع التصرف بالأموال المسروقة أثناء فترة التحقيق وتداول القضية في المحكمة، من خلال الإجراءات التحفظية على الأموال، وهذا ما أورده نص المادة 24 من القانون (للنائب العام إذا تجمعت لديه دلائل كافية بالنسبة لاحد الاشخاص، على انه ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المواد 9، 10، 11، 12، 14 من هذا القانون، أن يأمر بمنعه من السفر ومن التصرف في أمواله وإدارتها، وأن يبادر باتخاذ ما يراه من الاجراءات التحفظية في هذا الشأن، وذلك بالنسبة للأموال التي تحت يد المتهم او يد غيره كلها او بعضها، من دون ان يخل ذلك بواجب الجهات المجني عليها المشار اليها في المادة الثانية من هذا القانون، في اتخاذ كل الاجراءات القضائية والتحفظية والقانونية والادارية من جانبها في داخل البلاد وخارجها، لمنع تهريب الاموال، ويجوز له ان يأمر باتخاذ تلك الاجراءات بالنسبة لاموال زوجه والاولاد القصر أو البلغ أو غيرهم متى كانت لتلك الاموال صلة بالجريمة....).
كما جاء في نص المادة 27 أنه (إذا حكم على المتهم بالإدانة لا يرفع قرار المنع من التصرف والإدارة أو غير ذلك من الإجراءات التحفظية على الأموال إلا بعد الانتهاء من تنفيذ العقوبات المالية المقضي بها على الجاني...).

تطوير القوانين وتوعية المجتمع

أكد المحامي مهند الساير أنه على «الرغم من القوانين القائمة وارتفاع أعداد البلاغات المقدمة للنيابة، إلا أنه من المؤكد أننا بحاجة لاستمرارية تطوير القوانين وتعديلها بما يتواءم مع تطورات العصر، ولمواكبة طرق الاحتيال على القانون واستغلال الثغرات أو القصور فيه، وهو ما نشهده في حفظ بعض البلاغات».
وأضاف «كما أننا بحاجة لنشر ثقافة حماية الأموال العامة بالمجتمع على مختلف فئاته العمرية، إذ إن الحملات التوعوية بين المواطنين والمقيمين لها آثار إيجابية في المساهمة بالحد من جرائم الاعتداء على الأموال العامة، وكذلك فإن رفع الوعي والثقافة القانونية بوجوب الإبلاغ عن مثل تلك الجرائم وإدراك الأفراد لعقوبات التستر على المتهمين وعدم الإبلاغ عنهم، أو الامتناع عن تقديم المستندات للجهات المختصة، قد يعرضهم للمساءلة القانونية ويضعهم تحت طائلة المشاركة في تلك الجريمة».

استرداد الأموال

في حال وفاة المورث بعد استصدار حكم قضائي ضده، يتم الحجز على أموال التركة، ومن ثم استكمال إجراءات التنفيذ ضد الورثة لاقتضاء الدين قبل توزيع التركة على الورثة، أما في حال تم رفع الدعوى بعد وفاة المورث، فإنه يتم اختصام جميع الورثة وكل مَنْ أفاد من التركة كالموصى لهم والتنفيذ على أموال كل فرد منهم بمقدار الحصة التي آلت إلى كل منهم من التركة.

مستندات لها علاقة



إقرأ المزيد