توطين زراعة المانغروف... حماية لسواحل الكويت أم إفساد لنظامها البيئي؟
جريدة الراي -

شهدت الساحة البيئية جدلاً واسعاً في الفترة الأخيرة، حول جدوى زراعة نبات المانغروف (شجرة القرم) على شواطئ البلاد، بانقسام الآراء بين مؤيد يرى أن زراعة ذلك النبات ذي الجذور المتشابكة، هو «إضافة مهمة لحماية البيئة الساحلية»، مقابل من يعتقد بأنه «نبات دخيل، لا يتناسب مع النظام البيئي المحلي».

ويعتبر المانغروف من أكثر النباتات تحمّلاً للملوحة، على السواحل والمسطحات الطينية، ويشتهر بقدرته الفريدة على التأقلم مع ظروف المد والجزر، كما أنه ينتشر في العديد من الدول ذات السواحل الحارة، مثل الإمارات والسعودية والهند، ويلعب دوراً رئيسياً في تثبيت التربة ومنع تآكل الشواطئ.

منذ 11 دقيقة

منذ يوم

وبين الفوائد البيئية التي يقدمها هذا النبات والمخاوف من تأثيره السلبي، يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن للمانغروف أن يكون جزءاً من المستقبل البيئي للكويت؟

يجيب عن ذلك عدد من الخبراء البيئيين الذين استمزجت «الراي» وجهات نظرهم، وهي كالتالي:

شبيب العجمي: زراعته مهمة لمواجهة التغيّر المناخي

- أحد كبار السن حدّثني عن دوره في تعزيز التنوع الأحيائي

قال الخبير البيئي شبيب العجمي إن المانغروف نبات قديم في البيئة الكويتية، مشيراً إلى أن «أحد كبار السن حدثني عن وجوده في الماضي وكان له دور في حماية السواحل وتعزيز التنوع الأحيائي».

وأضاف العجمي أن زراعة المانغروف تُعتبر اليوم خطوة مهمة لمواجهة التغير المناخي، حيث يسهم في تنقية المياه، وتثبيت التربة الساحلية، وتوفير بيئة طبيعية للأسماك والطيور.

وشدد على أهمية التعاون بين الجهات البيئية والمجتمع المحلي، لإعادة إحياء هذا النبات والحفاظ على التوازن البيئي في الكويت.

راشد الحجي: زراعته بعشوائية تقود لمشاكل بيئية

- جزيرة بوبيان خيار ملائم لزراعة المانغروف

أفاد رئيس فريق عدسة البيئة راشد الحجي بأن تجربة زراعة أشجار المانغروف في الكويت أظهرت نتائج متباينة، حيث نجحت في بعض المواقع القريبة من مصادر المياه العذبة مثل مجارير الأمطار، بينما فشلت في مناطق أخرى بسبب طبيعة التربة وملوحة المياه.

وأوضح الحجي أن هذه النتائج تؤكد أن المانغروف لم يكن موجوداً تاريخياً في البيئة الكويتية، ما يعني أن زراعته يجب أن تتم في أماكن مدروسة بعناية.

وأضاف: «على الرغم من الأهمية البيئية للمانغروف عالمياً، إلا أن زراعته بعشوائية وفي الأماكن غير المناسبة، قد تؤدي إلى مشاكل بيئية غير متوقعة، مثل تجمع النفايات وظهور الحيوانات الضالة، كما حدث في منطقة الصليبخات».

واقترح أن تكون جزيرة بوبيان خياراً أكثر ملاءمة لزراعة المانغروف، حيث توافر المياه الأقل ملوحة والتربة الطينية المناسبة، ما يساعد على استقرار التربة وجذب الطيور المهاجرة، وتعزيز التنوع البيئي في المنطقة.

وأكد أهمية إجراء دراسات بيئية متعمقة، قبل تنفيذ أي مشاريع زراعية من هذا النوع، لضمان تحقيق الفوائد البيئية دون الإضرار بالنظام البيئي المحلي.

عبدالرحمن السرحان: لم يكن جزءاً من غطاء الكويت النباتي

- معلومات غير دقيقة عن انتشاره سابقاً بشواطئ كاظمة

شدد الخبير البيئي عبدالرحمن السرحان، على أن شجر المانغروف لم يكن جزءاً من الغطاء النباتي الطبيعي للكويت، مشيراً إلى أن بيئته الأصلية تتركز في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية القريبة من خط عرض 23، في حين تقع الكويت بين خطي عرض 29-30، ما يجعل مناخها غير ملائم لنمو هذا النوع من الأشجار بشكل طبيعي.

وأشار السرحان إلى أن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن المانغروف كان ينمو في شواطئ كاظمة وتم احتطابه حتى اختفائه من المنطقة، لكن هذه المعلومات قد تكون غير دقيقة، حيث يُرجح أن الشجر الذي تم احتطابه في تلك الفترة هو «الأشنان»، وهو نبات ينمو في الأراضي السبخة القريبة من الساحل، وليس المانغروف الذي يحتاج إلى بيئة أكثر حرارة ورطوبة.

وأضاف أن محاولات زراعة المانغروف في الكويت خلال السنوات الأخيرة، أظهرت عدم تحمله للبرد، حيث تموت فروعه العليا خلال فصل الشتاء، ما يؤكد أنه ليس في بيئته الطبيعية.

وأوضح أن نجاح زراعة المانغروف في قطر، التي تقع بين خطي عرض 24-25، يعود إلى أن مناخها أكثر اعتدالاً نسبياً، وأقرب إلى الظروف التي يحتاجها النبات للنمو.

وأكد أن زراعة المانغروف في الكويت تحتاج إلى جهود كبيرة للحفاظ عليه، من حيث توفير الحماية من البرد وتعديل البيئة المحيطة به، وهو ما قد لا يكون مستداماً على المدى الطويل. وأكد أهمية الاعتماد على النباتات المحلية المتكيفة مع بيئة الكويت، بدلا من محاولة زراعة أنواع غير مناسبة قد تتطلب موارد وجهوداً كبيرة دون تحقيق فائدة بيئية حقيقية.

سارة العتيقي: حرارة الكويت المرتفعة لا تُناسب نموّه

- نباتٌ مُدخل وليس أصيلاً... ونحتاج دراسات لفهم تأثيراته البيئية

أكدت الخبيرة البيئية سارة العتيقي أن زراعة المانغروف في الكويت «تتطلب دراسة علمية معمقة، لضمان توافقه مع البيئة المحلية وتجنب أي تأثيرات بيئية غير متوقعة».

وأشارت إلى أن هناك «جدلاً علمياً حول ما إذا كان المانغروف قد تواجد تاريخياً في الكويت، حيث لا توجد حتى الآن دراسات تثبت ذلك».

وأوضحت أنه «في حال الرغبة في إثبات وجود المانغروف في الكويت في حقبة زمنية سابقة، فهناك حاجة إلى إجراء دراسات تعتمد على تحليل عينات التربة العميقة (Core Sampling)، والتي يمكن من خلالها الكشف عن بقايا حبوب اللقاح أو أي آثار أخرى تدل على وجوده في الماضي».

وأضافت أن المانغروف الذي تتم زراعته حالياً في الكويت هو «نبات مُدخل وليس أصيلاً في البيئة المحلية، ما يعني أنه يحتاج إلى متابعة ودراسة شاملة لفهم تأثيره على المنظومة البيئية»، كما شددت على أن «إدخال أي كائن حي إلى بيئة جديدة يجب أن يخضع لدراسات دقيقة لتقييم آثاره المحتملة، خصوصاً أن المانغروف يشكّل نظاماً بيئياً متكاملاً قد يؤثر على الأنظمة البيئية المحلية مثل أعشاب (السيغراس) البحرية، التي تعد موطناً مهماً للحياة البحرية، بما في ذلك السلاحف المهددة بالانقراض».

وأشارت العتيقي إلى أن الكويت «تتميز بدرجات حرارة متطرفة، قد لا تكون مناسبة لنمو المانغروف، ما قد يؤثر على فرص نجاح زراعته على المدى الطويل»، لافتة إلى أن شجرة الكونوكاربس، المزروعة بكثافة في شوارع الكويت «تعد نوعاً من المانغروف المدخل من بيئات أخرى، ومع ذلك لم يتم الاعتراف بها كجزء من منظومة تخزين الكربون، رغم انتشارها الواسع».

وأكدت أهمية التركيز على النباتات المحلية ودعمها، بدلاً من إدخال أنواع قد تؤثر سلباً على البيئة، مشددة على ضرورة إجراء دراسات بيئية متكاملة قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بإدخال أنواع جديدة، لضمان استدامة النظم البيئية في الكويت.

نوف الحشاش: توخي الحذر قبل التوسع في زراعته محلياً

- تجارب كويتية عديدة لزراعة المانغروف... لم تحقق نجاحاً كبيراً

قالت رئيسة فريق «حياة» التطوعي لحماية الحياة الفطرية والباحثة نوف الحشاش إن نبات المانغروف يعد من النباتات التي تنمو في البيئات الساحلية، وهو منتشر في جميع دول الخليج، باستثناء الكويت، التي قامت بتجارب عديدة لزراعته، لكنها لم تحقق نجاحاً كبيراً.

وأشارت الحشاش إلى أن الكويت استوردت شتلات وبذور المانغروف سابقاً من سلطنة عمان والإمارات، وفي الآونة الأخيرة، تمت زراعته في محمية الجهراء، وأظهرت التجربة نجاحاً أولياً لا يمكن تعميمه، لأن المحمية بيئة استثنائية بمياه معالجة تختلف في ملوحتها عن بقية المناطق الساحلية في الكويت.

وحول الأقوال التي تشير إلى وجود نبات المانغروف في الكويت سابقاً، قالت: لا توجد دراسات علمية موثوقة أو أبحاث تؤكد ذلك، وكل ما يتم تداوله بهذا الشأن هو مجرد أقاويل من بعض كبار السن لا يمكن الاعتماد عليها كدليل علمي.

وأضافت أنه حتى لو كان هذا النبات موجوداً في الكويت في العشرينات أو الثلاثينات ثم انقرض، فلابد أن هناك أسباباً بيئية وعوامل طبيعية أو بشرية أدت إلى عدم استمراره، سواء بتغير طبيعة البيئة الساحلية أو الظروف البحرية التي لم تعد ملائمة له.

وبيّنت أنها تعارض إدخال نبات المانغروف بشكل عشوائي دون هدف واضح أو دراسة علمية دقيقة، لاسيما أن البيئة الساحلية بيئة حساسة، وأن إدخال هذا النبات في غير بيئته الأصلية قد تكون تأثيراته سلبية.

وشددت على ضرورة إجراء دراسات معمقة قبل زراعة أي نبات غير فطري في الكويت، وأكدت أن نجاح زراعة المانغروف لا يمكن تقييمه في فترة قصيرة، بل يحتاج إلى عشر سنوات من المراقبة والتقييم لضمان استدامته البيئية، مع إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتسريع تحليل الفرضيات وتحديد مدى ملاءمة النبات للبيئة المحلية.

وأكدت أن زراعة أي نبات جديد، خصوصا الأشجار، يجب أن تخضع لدراسات علمية دقيقة لضمان عدم حدوث تأثيرات بيئية سلبية، ما يستدعي توخي الحذر قبل التوسع في زراعة المانغروف بالكويت.

4 فوائد بيئية

يرى مؤيدو زراعة المانغروف العديد من الفوائد البيئية المهمة، منها:

1 - حماية الشواطئ من التآكليعمل المانغروف كحاجز طبيعي ضد الأمواج والتيارات البحرية القوية، ما يساعد في الحفاظ على السواحل من الانجراف.

2 - تعزيز التنوع البيولوجييوفر بيئة غنية للحياة البحرية، حيث يعتبر موئلاً للعديد من الأسماك والقشريات والطيور التي تعتمد عليه في غذائها وتكاثرها.

3 - تحسين جودة الهواء والمياه:

يمتص المانغروف ثاني أكسيد الكربون بكفاءة عالية، ما يساهم في تقليل آثار التغير المناخي، كما يساعد في تنقية المياه البحرية من بعض الملوثات.

4 - دعم الاستدامة البيئية:

يمكن أن يكون المانغروف جزءاً من استراتيجية الكويت لتعزيز المساحات الخضراء ومكافحة التصحر في المناطق الساحلية.

مخاوف وانتقادات

على الرغم من الفوائد المحتملة، إلا أن هناك أصواتاً معارضة تشير إلى بعض المشكلات التي قد تنجم عن زراعة المانغروف في البيئة، منها:

• عدم كونه نباتاً محلياً: يشير المعارضون إلى أن المانغروف لم يكن موجوداً تاريخياً في الكويت، وبالتالي قد يكون إدخاله غير متوافق مع الظروف البيئية المحلية.

• حجب الرؤية عن الساحل: قد يتسبب شيوع زراعة المانغروف في تقليل المشهد الطبيعي للساحل، خصوصاً في المناطق السياحية التي تعتمد على جمال البحر والمناظر المفتوحة.

• زيادة أعداد الكلاب الضالة: هناك مخاوف من أن تتحول غابات المانغروف المحتملة، إلى ملجأ للكلاب الضالة والحيوانات الأخرى، ما قد يؤدي إلى مشكلات بيئية وصحية.

• احتمالية تأثيره على التربة والمياه: قد يحتاج المانغروف إلى كميات كبيرة من المياه المالحة، ما قد يؤثر على التوازن البيئي في بعض المناطق الساحلية، إضافة إلى احتمالية تأثيره على الرواسب البحرية.

مشاريع تجريبية

في ظل الجدل الذي يدور بشأن المانغروف، يؤكد الخبراء أهمية إجراء دراسات علمية دقيقة قبل التوسع في زراعته، حيث يجب تقييم مدى توافقه مع الظروف البيئية الكويتية وتأثيره على النظام البيئي المحلي، وقد يكون الحل الأمثل هو تنفيذ مشاريع تجريبية في مناطق محددة لمراقبة النتائج وتحديد مدى نجاح النبات في التأقلم مع البيئة الكويتية.



إقرأ المزيد