جريدة الأنباء الكويتية - 2/13/2026 12:22:36 AM - GMT (+3 )
سنؤجل ما يتصل بغزوة تبوك إلى مقال لاحق إن شاء الله، وسيكون موضوعنا هنا متعلقا ببدايات الدعوة إلى الإسلام، حيث نتناول طرفا من معاناة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم معه وصدّق به، ولقد أشرنا إلى أنواع من تلك المعاناة في المقال السابق، ولكن الأمر أكبر من ذلك، فلقد بدأ تيار الإسلام في الاندفاع بكثرة المسلمين، وتعاظم حنق أهل مكة على هؤلاء المسلمين، فهم يرون فيهم من يريد أن يؤثر على مكانتهم، لأن مما عرفوه أن الإسلام دين المساواة والعدل وهم لا يقبلون بذلك على أنفسهم، فقد غرتهم مكانتهم الأسرية وأموالهم حتى رأوا أن كل تغيير في سياق الحياة في مكة المكرمة سيكون له تأثير عليهم وسيفقدهم كثيرا مما حصلوا عليه في الماضي.
ولم يكن هذا الحال غائبا عن الرسول الكريم، وقد نال جزءا لا بأس به من ذلك الأذى، فلقد رأى ما يصيب المسلمين الذين اتبعوا الهدى وساروا على النهج الذي سار عليه، وأمرهم بسلوكه، ولم يكن يملك من القوة - آنذاك - ما يدفع عنهم ذلك البلاء. فاختار لهم صلى الله عليه وسلم النزوح عن مكة إلى بلاد يعيشون فيها آمنين على أنفسهم وعلى دينهم، فقال:
- «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق». وبين لهم أن ذلك النزوح إنما هو لفترة يعودون بعدها ظافرين، وكان مما قال: إن ذلك الذي اقترحه عليهم لن يستمر إلى الأبد، وإنما:
حتى يجعل الله لهم فرجا مما هم فيه.
وتقبل المسلمون الأوائل هذا الرأي الذي ساقه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت أول هجرة في الإسلام، وجاء في كتب السيرة النبوية ذكر ذلك تفصيلا، ومنه:
«وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة معه امرأته سهلة بن سهيل، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبدالرحمن بن عوف، وأبوسلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، وسهيل بن بيضاء، فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة.
ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه، فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا».
وكان وقع ذلك على قريش صاعقا، فقد خيل للقرشيين أن هؤلاء المهاجرين ستقوى شوكتهم وسينضم إليه آخرون، وربما انقضوا على الذين آذوهم وكلهم من كبار القوم لهم مكانتهم التي لا يتنازلون عنها. ومن أجل ذلك قرر كبار القرشيين إرسال رجلين لهما رأي وقوة حجة إلى النجاشي ملك الحبشة آنذاك لكي يطلبوا منه ردهم إلى مكة المكرمة، وقد وقع الاختيار على عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وزودوهما بما ينبغي أن يقولاه هناك، وأرسلوا معهما كثيرا من الهدايا التي يعرفون أنها تعجب النجاشي، فقد كانت لهم صلات قديمة به، وكان لهم تبادل تجاري مع الحبشة. ومن أجل ذلك فقد ظنوا أنه سيلبي طلبهم، ويعيد المسلمين إليهم حيث ينتظرهم الأذى والعذاب كالسابق أو أكثر.
وقد رويت حكاية هؤلاء الذين شردهم قومهم في مواضع كثيرة من كتب السيرة النبوية والتاريخ، وظهرت في المشهد الذي يصور هذا الحادث المهم في فيلم سينمائي مشهور هو فيلم «الرسالة» الذي أخرجه المخرج السوري الأصل مصطفى العقاد، وقد كان تصويرا رائعا وكأنه الواقع نفسه.
ولكن وصف أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها لما حدث كان وصفا دقيقا أمدنا بكل ما نريد أن نعرفه عن ذلك الموقف الذي وقفه النجاشي فحقق به نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال عنه: إنه لا يظلم عنده أحد.
كانت السيدة أم سلمة - آنذاك - مع زوجها أبو سلمة بن عبد الأسد وكان اسمها هند بنت أبي أمية. وهي التي صارت فيما بعد زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استشهاد زوجها دفاعا عن الإسلام، فأصبحت إحدى أمهات المؤمنين زوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
تقول أم سلمة: - عائدة إلى بداية ما حدث - أمر القوم مبعوثيهما بأن يقدما إلى الملك (النجاشي) الهدايا التي حملاها معهما أولا، ثم يقدما لحاشيته من رجال دينه (البطارقة) هداياهم قبل أن يتحدثا بشيء عما ذهبا إلى هناك من أجله، وهو مخاطبة الملك عنا. وعندما انتهيا من هذه الخطوة بادرا بالقول فذكرا السبب الذي أقدمهما إليه قائلين:
- أيها الملك إنه قد ضوى إليك (لجأ إليك) منا غلمان سفهاء، فارقوا قومهم ودينهم، ولم يدخلوا في دينك، بل إنهم جاءوا بدين جديد لا نعرفه، ولا تعرفه أنت، بل ابتدعوه من عند أنفسهم، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم، فهم أدرى بشأنهم، وأقدر على إعادتهم إلى ما كانوا عليه من قبل.
فأرسل النجاشي إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لكي يسألهم من أمرهم، وكان هذا أبغض شيء لدى هذين الرجلين اللذين ظنا أن الملك سيلبي طلبهما فور أن ينطقا به.
وكان اليوم التالي وحضر الجمع المسلم، وعند اكتمال المجلس بوجود النجاشي ومن معه والطرفين الآخرين اللذين يشكلان المسلمين الفارين بدينهم، والرجلين اللذين يمثلان كفار قريش.
تقول أم المؤمنين، أم سلمة: «سألهم - تعني النجاشي - فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين من أحد هذه الملل المعروفة؟
فتصدر للرد على سؤاله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال:
«أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم وسفك الدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة الصيام».
قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك!
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) (سورة مريم) قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته. وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليه! ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون!
قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم! فقال له عبدالله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد!
ثم غدا عليه من الغد فقال له أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلْهم عما يقولون فيه.
فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلُها قط. فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن!
فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول: هو عبدالله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود.
فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: «وان نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم! ما أحب أن لي دبرا من ذهب وأني آذيت رجلا منكم! ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها. فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا».
وهكذا أفسد النجاشي، بحجة المسلمين البينة محاولة قريش في إعادة هؤلاء الفارين بدينهم، واستتب لهم البقاء في أرض آمنين فيها، في ظل حاكم عادل لا يظلم عنده أحد، كما قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكن أزمة أخرى حدثت لهم كاد يكون عليهم بسببها أشد الأذى، وهي أزمة تتعلق بالنجاشي نفسه، تقول أم المؤمنين أم سلمة:
فوالله إنا لعلى ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حزنا حزناه قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا، قيل: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
قالت: فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه، وهو يقول ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي!
وأهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق، عليه أمر الحبشة. فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
واستقر أمر مهاجري الحبشة على الصفة التي ذكرتها أم المؤمنين أم سلمة (هند بنت أبي أمية)، ولكن قريشا لم يهدأ لها بال، وبقي من استمر في كفره وعصيانه منهم يبذل محاولة تلو أخرى من أجل جلب هؤلاء المهاجرين إلى مكة حتى يكونوا تحت السيطرة. ولقد اهتدى هؤلاء إلى حيلة فجة، ولكنها تدل على أنهم قد فقدوا المقدرة على مواجهة الدعوة إلى الإسلام التي رأوها وهي تتنامى بين ظهرانيهم وعبر جزيرة العرب كلها، وصاروا يرون المسلمين يزدادون - عددا - يوما بعد يوم. وكانت هذه الحيلة خبرا كاذبا أرسل من قبل كفار مكة في طريق ما إلى أولئك المهاجرين يبلغهم بأن قريشا قد اقتنعت بأكملها بالإسلام، وأنها قد أسلمت نتيجة لهذا الاقتناع. فكان هذا الخبر سببا في عودة عدد كبير من هذه المجموعة من الحبشة، وهذا هو ما أعاد البلاء القديم، بأشد مما كان عليه. ولكن ما صنعته قريش كان أحد الدوافع المهمة التي أدت إلى الهجرة الكبرى التي كان على رأسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت إلى المدينة المنورة. وسيأتي بشأنها حديث خاص.
٭ ٭ ٭
جرى أمر الهجرة إلى المدينة المنورة كما شاء الله، عز وجل، وكما فعل رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان انتقال المسلمين من مكة إلى هناك سببا في استقرار المسلمين وانتشار الإسلام، ثم عاد أولئك الذين آثروا البقاء في الحبشة، بعد أن تبين لهم كذب الخبر الذي جاءهم وأدى إلى عودة بعض منهم، فكان أن قدم هؤلاء جميعا إلى المدينة من أجل الالتقاء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وببقية أهلهم وأحبابهم، واستتب الأمر بذلك للجميع هناك، وكان الأنصار من سكان المدينة إخوانا للقادمين إليهم فعاشوا بينهم مطمئنين إلى مسيرة حياتهم، مؤدين واجباتهم الدينية، مدافعين عن حاضرة الإسلام التي صارت تستقطب عددا كبيرا من كافة أطراف جزيرة العرب.
وبدأت الأحاديث تتوارد من القادمين من مهجرهم في الحبشة، فقد كان تكبدهم مشقة السفر إلى هناك موضع إعجاب وتعجب في الوقت نفسه. ولكن أكمل حديث عن تلك الهجرة هو ما روته عنها أم المؤمنين: أم سلمة، كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، فقد روت تفصيلا لكل ما حدث هناك، فصار ما تحدثت به زادا تاريخيا لكافة الأجيال التي تواترت من المسلمين بعد ذلك.
ومن الجدير بالذكر أن النجاشي كان قد أسلم، ولكنه أخفى إسلامه عن قومه وبخاصة أن ذلك البلد في زمن النجاشي كان يحسب لسلطة الرهبان (البطاركة) ألف حساب.
وبقاء ملكه على حاله رغم إسلامه من أهم الأدلة على أن المسلمين لم يكن همهم الاستيلاء على البلدان بدليل بقاء الحبشة - آنذاك - على ما كانت عليه، بل وسيتبين في أحاديث قادمة السبب في خروج المسلمين إلى الجهاد في خارج جزيرة العرب وفي ذلك أكبر دلالة على أن الإسلام لم يكن دين هدم، ولكنه دين بناء، وقد ظهرت - للدلالة على ذلك - مظاهر كثيرة في أعقاب الفتوحات الإسلامية التي روى التاريخ لنا ما ترتب عليها من أمور غيرت - إلى الأفضل - أحوال كل المواقع التي خضعت للسلطة الإسلامية.
وفي شأن إسلام النجاشي رأينا دليلا قاطعا على ما مر ذكره عن الرجل وعن بلاده. وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقام عليه صلاة الغائب عندما علم بوفاته، تكريما له وإثباتا للخلق بأنه كان مسلما.
٭ ٭ ٭
انتقلت أم المؤمنين: أم سلمة من الحبشة إلى المدينة المنورة، مهاجرة إلى الله ورسوله، وكانت بصحبة زوجها، كما كانت قد انجبت وهي في مهاجرهما (الحبشة) ابنها عمر، وابنتيها درة وزينب.
أما زوجها أبو سلمة، فقد انشغل بالجهاد في سبيل الله منذ أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غزوة بدر الكبرى، ثم شارك في غزوة أحد التي خرج منها جريحا، وبعد علاجه، تماثل للشفاء فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجموعة من الشواذ الذين اعتادوا إلحاق الأذى بمن حولهم من المسلمين. فخرج إليهم - تنفيذا لهذا الأمر - بمائة وخمسين رجلا، وعاد منتصرا ظافرا، ولكن جرحه في غزوة أحد آلمه بعد عودته، ما ألزمه الفراش مدة طويلة، انتقل بعدها إلى رحمة الله.
وكان الرسول الكريم يرى أن أبا سلمة لجهاده الطويل في سبيل الله، ووفاته بسبب إحدى حادثات الحرب، ولأنه من المسلمين ذوي الهجرتين - الحبشة والمدينة المنورة، فإنه يستحق مكانة خاصة وتقديرا هو من أهله. ولذلك فإنه صلى الله عليه وسلم حضر جنازته وأمّ المسلمين في أداء صلاة الجنازة عليه، ولقد لاحظ أصحاب رسول الله الحاضرين أنه صلى الله عليه وسلم قد كبر على فقيدهم تسع تكبيرات على غير العادة في صلاة الجنازة وهي أربع تكبيرات، فقال بعضهم: يا رسول الله، أسهوت أو نسيت؟ فقال: لم أسه، ولم أنس. ولو كبرت على أبي سلمة ألفا لكان أهلا لذلك، وهذا دليل على مكانة هذا الرجل عند رسول الله، وعلى قدر إيمانه، ودفاعه عن الدين الحنيف منذ أسلم.
ومرت الأيام، وانتهت عدة أم سلمة بعد وفاة زوجها، فتقدم لخطبتها عدد من كبار قومها. ولكنها أبت الزواج منهم لأنها آثرت أن تتفرغ للقيام بتربية أولادها، ولكن الأمر اختلف بعد ذلك، وهو أمر يرويه كتاب صدر عن سيرتها تحت عنوان: «أم المساكين» وهو من تأليف لجنة أشرف على عملها الأستاذ محمد أحمد برانق ونص ذلك:
ولكن الله كان يدخر لأم سلمة مصيرا أكرم، ولأولادها راعيا أبر وأرحم.
وكان ذلك، فبعث رسول الله إلى أم سلمة يخطبها إلى نفسه، وترددت أم سلمة فيما تجيب به الرسول، على هذا الشرف الذي أرسل إليها ليوليها إياه وتحيرت فيما تقدمه إليه من أعذار. وأخيرا رأت أن تعتذر إليه بأنها تخطت الشباب، وتبين له حالها من كثرة الأولاد، وأن غيرتها شديدة صارمة، قد تسبب لها متاعب، وأنها ليس لها ولي يزوجها إذا رفض أولياؤها الموافقة على هذا الزواج. فكان رد النبي على ذلك:
أما أنها كبيرة السن فهو أكبر منها. وأما أولادها فعلى الله ورسوله، وأما غيرتها فإن الله يذهبها عنها، وإن أحدا من أوليائها لن يمانع في زواجها منه، سواء كان حاضرا أو غائبا فقبلت أم سلمة الزواج من رسول الله، وتولى زواجها من الرسول ابنها سلمة.
ولقد عاشت أم المؤمنين، أم سلمة، حياة طويلة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت حياة أخلصت فيها دينها لله وللرسول، وفازت بالذكر الحسن بين كل المسلمين الذين أكبروا فيها إخلاصها للمكانة التي وصلتها بتقدمها في الإسلام، وهجرتها في سبيل الله، ووفاءها للرسول الكريم، وحرصها على تقديم النصحية لمن هو في حاجة إليها، فكانت نصائحها علاجا لكثير من القضايا التي تثيرها بين الناس سنة الحياة الدنيا، فيهيئ الله عز وجل بها على لسان أم المؤمنين (أم سلمة) لمن يشاء من خلقه الحكمة المنشودة التي تسد الحاجة وتطفئ الخلاف، وتفتح الطريق إلى الحياة السعيدة البعيدة عن الأزمات، وقد وجدنا في السيرة الذاتية لأم المؤمنين أم سلمة ما يدل على ذلك في عدة مواقف تحسب لها.
وإضافة إلى ذلك، فإنها - من واقع خبرتها في الحياة وإدراكها لخفاياها - كانت تقدم النصح والمشورة لمن يلجأ إليها طالبا ذلك حرصا عليه، وقد كان لها الرأي الصائب في مواقف كثيرة.
ومن الأمور التي تذكر لها أنها كانت حريصة على رواية ما سمعته من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقد أثبتت كتب الحديث ثلاثمائة حديث عن الرسول الكريم من روايتها.
وانتقلت إلى رحمة الله - رضي الله عنها - في سنة 61هـ وهي آخر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاة.
٭ ٭ ٭
هذه هي أم المؤمنين وأم سلمة (هند بنت أمية) زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأيناها من المسلمات الأوليات اللاتي ألجأهن أذى قريش وبطشها إلى الفرار بالدين مرتين أولاهما الهجرة إلى الحبشة وثانيهما الهجرة إلى المدينة المنورة، وكانت لها مواقف مهمة في الإسلام، وكان زوجها الأول وهو أبو سلمة من أبطال المسلمين الذين خاضوا معارك الدفاع عن دين الله عز وجل، وكانت له مكانة عالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند كافة الصحابة الكرام، وقد نالت أم المؤمنين هذه حظوة كبرى، بزواج رسول الله منها، ودوام عيشها في بيت النبوة وفي كنف الرسول الكريم، وتوفيت مذكورة بكل خير عند كل عارفي فضلها، وهم خلق كبير، رضي الله عنها.
إقرأ المزيد


