جريدة الأنباء الكويتية - 2/26/2026 3:12:42 AM - GMT (+3 )
- العقيلي: يتزامن رمضان مع ذكرى الاستقلال والتحرير فتعظم عبادة الشكر لله
- الشطي: رمضان هذا العام ليس كغيره إنه غنيمة الشتاء فاغتنموه قبل أن يفتنكم الوقت
- الناشي: رمضان في الشتاء موسم الغنيمة الباردة وصفاء العبادة
- العصيمي: الشتاء غنيمة العابدين وربيع المؤمنين فحري بك اقتناصها في شهر الصوم
- الخالدي: في هذا التوقيت تتقابل عبادة الصيام مع نعمة الدين وقيمة الوطن
- العتيبي: اعتدال الأجواء في رمضان يعين المسلم على طاعة الله ويكثر من الطاعات
في البداية، يقول الداعية يحيى العقيلي: مع بزوغ أول ليلة من ليالي رمضان، تخفق القلوب، وتتطلع النفوس، إلى ذلك النداء الرباني الخالد: «يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر».
فما أجمله من نداء، يفرح به المؤمنون، ويستبشر به المتقون، تعمر فيه المساجد وتتلى فيه المصاحف، تزكو فيه النفوس وتطهر فيه القلوب، توصل فيه الارحام وتسود المحبة والوئام، تكثر فيه الصدقات وتتوالى فيه الصلات ويأتي رمضان هذا العام في الشتاء فيطيب فيه الصيام ويهنأ المسلمون فيه بالقيام، كما يتزامن رمضان مع ذكرى الاستقلال والتحرير فتعظم عبادة الشكر لله تعالى على نعمة الأمن والأمان، وأعظم الشكر ما كان إقرارا بالقلب ونطقا باللسان وعملا بطاعة الله في الجوارح، قال تعالى: (اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور ـ سبأ: 13).
ومن أعظم بشارات هذا الشهر، عباد الله، وأوسع بركاته، أنه باب للمغفرة واسع، يكفر ما سبق من الذنوب. قال ژ «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري)، «إيمانا» بفرضية الصوم وسنية القيام، واحتسابا للأجر والثواب من الله سبحانه.. لا مستثقلا لصيامه ولا مستطيلا لأيامه، فمن جمعها فقد استجمع أسباب المغفرة والعتق من النار.
وعن أبي هريرة ÿ أن النبي ژ قال «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (رواه مسلم).
غنيمة الشتاء.. ودفء الإيمان
ويضيف د.بسام الشطي حين يقبل رمضان هذا العام في قلب فصل الشتاء، يعود الحديث القديم المتجدد عن «غنيمة الشتاء». ولعل من أبلغ ما قيل فيها حديث النبي ژ «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» (رواه الترمذي واحمد وصححه الالباني).
وهي غنيمة فريدة يجتمع فيها سهولة العبادة، وخفة المشقة، ووفر الأجر، حتى وصفها السلف بأنها هبة إلهية لا يتنبه لها الا من فتح الله بصيرته.
يمتاز صيام الشتاء بقصر نهاره وطول ليله، وهي فرصة ذهبية للصائم:
ان قصر النهار يجعل مشقة الإمساك اخف، فتزداد طاقة المؤمن للذكر وقراءة القرآن والعمل.
وايضا طول الليل يفتح أبوابا واسعة للقيام، والتهجد، وصلاة التراويح والوتر، وكلها عبادات شريفة تتضاعف بركتها في ليالي رمضان.
واعتدال الجو يخفف العطش والتعب، حتى قال عمر بن الخطاب ÿ «الشتاء غنيمة العابدين».
رمضان في الشتاء.. موسم استثنائي للعمل، الشتاء لا يمنح الصائم سهولة الصيام فقط، بل يدفعه دفعا إلى الإكثار من الطاعات:
والقرآن يتفتح في الليالي الطويلة، فعدد ساعات الليل يكفي لورد وافر من التلاوة، مع صفاء الذهن وهدوء الاجواء، وكذلك القيام يزدهر، والقيام في رمضان له شأن عظيم لقوله ژ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
وطول الليل يجعل هذه العبادة أيسر وأقرب للقلب. وكذلك الذكر والاستغفار في الليالي الباردة يتقوى حضور القلب، وقد كان السلف يحيون الاسحار بالاستغفار والدعاء، قال تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون).
والصدقة والإحسان في الشتاء، والبرد يوقظ معاني الرحمة، فالكسوة، والطعام الساخن، وكفالة الأسر المحتاجة هي من أعظم القربات، ولاسيما في رمضان.
ولطيف قدر الله ان يتزامن هذا الموسم الايماني مع احتفالات البلاد بذكرى الاستقلال والتحرير، تلك المناسبات التي تتجدد معها مشاعر الامتنان بنعمة الامن والاستقرار رغد العيش الذي نرفل به جميعا، في ظل قيادة حكيمة من لدن صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد وسمو ولي عهده الأمين الشيخ صباح الخالد، وفقهما الله، وسدد خطاهما، وأعانهما، وجعلهما رحمة لرعاياهما، ووفق لهما البطانة الصالحة التي تدلهما على الخير وتعينهما عليه ونسأله سبحانه ان يجعلهم مباركين اينما كانوا، مفاتيح للخير مغاليق للشر، وان يكفينا ويكفي ديارنا شر كل ذي شر من شياطين الإنس والجن، ومن شر الحاسدين والحاقدين والمفسدين، وان يديم على وطننا نعمة الطمأنينة والوحدة والازدهار.
رمضان في الشتاء..
موسم الغنيمة الباردة وصفاء العبادة
من جهته، قال الباحث الإسلامي م.سالم الناشي: لا شك ان موافقة شهر رمضان لفصل الشتاء تمثل فرصة ايمانية استثنائية، اذ يجتمع فيها فضل الزمان بشرفه وبركته، مع ميزة الموسم بما فيه من يسر وتخفيف، فيقل العبء الجسدي وتتعاظم الثمرة الايمانية، فهو موسم تتجلى فيه رحمة الله بعباده، حيث تيسر الطاعة، وتفتح ابواب القرب إلى الله بالطاعات دون الشعور بالمشقة والتعب.
من أبرز مظاهر هذا التيسير قصر ساعات النهار في الشتاء، ما يجعل زمن الامساك محدودا، فيسهل الصيام على مختلف فئات الناس، ولاسيما كبار السن واصحاب الاعمال الشاقة، كما ان برودة الجو تخفف من حدة العطش مقارنة بأيام الصيف اللاهبة، فينصرف ذهن الصائم عن معاناة الجوع والظمأ إلى استحضار معنى العبادة وحضور القلب مع الله تعالى، تحقيقا لمقصد الصيام الأعظم ألا وهو التقوى.
«الغنيمة الباردة».. دلالة نبوية بليغة
وقد عبر النبي ژ عن هذه المزية بتعبير بالغ الدقة حين سمى الصوم في الشتاء «الغنيمة الباردة»، أي الغنيمة التي تنال بلا قتال ولا عناء، ذلك ان الصائم لا يشعر فيها بشدة العطش، ولا يطول عليه النهار، بينما يمتد الليل مجالا رحبا للذكر وقيام الليل وتلاوة القرآن.
ولهذا المعنى كان السلف الصالح يفرحون بدخول الشتاء، ويهنئون الناس بقدومه.
كما أن فيه راحة العبادة وتجدد النشاط، فإن خفة الصيام في الشتاء تنعكس ايجابا على سائر العبادات، فيؤدي الصائم صلاته بخشوع اكبر، ويقبل على القرآن بقلب حاضر، ويجد في قيام الليل لذة وصفاء بعيدا عن الاجهاد الشديد، كما يشعر في نهاره بطاقة افضل وقدرة اعلى على العمل والانتاج لقلة فقد السوائل وبرودة الجو، فيجمع بين عمارة الدنيا وعمارة الآخرة في توازن محمود.
وأيضا فيه تنظيم النوم واستثمار الليل، فيمتاز الشتاء بطول الليل، ما يتيح فرصة ثمينة لتنظيم الوقت بين نوم كاف وقيام وذكر وقراءة، فإذا احسن الصائم توزيع ساعات ليله خفت آثار الارهاق في النهار، وتمكن من اداء واجباته الدنيوية والدينية باعتدال واستقامة، محققا مقصد الشريعة في رفع الحرج والتيسير على العباد.
وهكذا، يغدو رمضان في الشتاء مدرسة عملية في اغتنام «الغنيمة الباردة»: اجر عظيم، مشقة اقل، وروح تتزكى كلما احسن الصائم تنظيم وقته بين النوم والعمل والعبادة، ليخرج في الشهر وقد ربح الدنيا والآخرة معا.
غنيمة العابدين وربيع المؤمنين
من جهته، قال د.محمد ضاوي العصيمي موضحا غنيمة الشتاء: عن عمر ÿ قال «الشتاء غنيمة العابدين» (رواه أبو نعيم بإسناد صحيح)، قال ابن رجب: إنما كان الشتاء ربيع المؤمن، لأنه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه. ومن كلام يحيى بن معاذ: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك.
وعن ابن مسعود ÿ أنه قال: مرحبا بالشتاء، تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام.
وأضاف: قال رسول الله ژ «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» (رواه أحمد وحسنه الألباني)، قال الخطابي: الغنيمة الباردة أي السهلة، ولأن حرارة العطش لا تنال الصائم فيه، قال ابن رجب: معنى أنها غنيمة باردة أنها حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة بغير كلفة، فحري بك اقتناص هذه الغنيمة لاسيما في الأيام الفاضلة وهو شهر رمضان الذي يأتينا ولله الحمد في هذا الفصل.
أجواء باردة
ويقول د.فيصل علوش العتيبي: يفد إلينا هذا الشهر رمضان المبارك، ونحن ننعم بحمد الله وفضله بفصل الشتاء الذي يتميز ببرودة اجوائه وقصر نهاره وطول ليله، مما يعين المسلم فيه على ان يستغله بأداء الصيام وسائر العبادات، حيث يسهل على المسلم صيامه دون مشقة او تعب بخلاف صيامه في اجواء الصيف التي تتميز بشدة الحرارة، وهذا من فضل الله ورحمته بعباده.
وهذا حقيقة يجعل المسلم ينطلق نحو المسارعة والمسابقة نحو استثمار كل لحظة وثانية في طاعة الله، حيث انها فرصة كبيرة قد لا تتكرر في عام قادم، إذ قد يفاجئ الموت احدنا وهو لا يشعر.
إن كون رمضان في فصل الشتاء لهذا العام ليس تسهيلا لعبادة الصيام فحسب، بل ايضا تنعكس اجواؤه الجميلة على اداء الصلوات الخمس بما فيها صلاتا التراويح والقيام لما يتميز به ليل الشتاء من طول، حيث يستطيع المسلم ان يصلي ما يشاء ويطيل ما يشاء ويصل رحمه في الليل متى شاء ويقضي حاجاته وينام ما شاء، كل ذلك لأن ليل الشتاء طويل يعين المسلم على اداء مهامه وواجباته.
ان المتأمل لاختلاف الليل والنهار وتعاقب الفصول والأيام ليجد حكمة الله حاضرة في تجدد الاوقات وتغيرها حتى يستعين بها الانسان على شكر نعم ربه، فيستعين بها على طاعة الله، فاعتدال الاجواء في شهر رمضان يعين المسلم على ان يكثر من عبادة ربه وينوع بينها، والموفق من أعانه الله وسدده واستغل وقته ولحظته، يقول الله تعالى (والعصر إن الإنسان لفي خسر)، فيبين الله ان جنس الانسان في خسارة إلا من آمن وعمل صالحا وتواصى بالحق وتواصى بالصبر.
إن مما يعين العبد على استغلال شهر رمضان في هذه الاجواء الجميلة كونه في صحة وعافية وفراغ يستطيع من خلال عبادة ربه قبل ان يمرض او يشغل شغلا يصده عن طاعة ربه، يقول النبي ژ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري).
لذا، ينبغي بالعبد حقيقة ان يستغل أوقاته كون شهر رمضان لهذا العام في اجواء باردة، فقد لا يدرك العبد شهر رمضان في العام القادم.
دعوة للسكون
ويضيف د.خالد الخالدي: يحل رمضان هذا العام في برد الشتاء، ليقدم للصائمين موسما يخفف مشقة النهار ويمنحهم فسحة ارحب للعبادة، فالأجواء الباردة تدعو إلى السكون، وتفتح بابا اوسع للخلوة، وتعين على إطالة الوقوف مع القرآن والذكر، حتى تصبح ليالي الشتاء الطويلة فرصة لاستعادة الصفاء وتجديد الهمة. وفي مثل هذا الفصل يغدو الصيام غنيمة حقيقية، يجتمع فيها يسر الوقت مع حضور القلب، فيجد الصائم دافعا اقوى للاقبال على الطاعة والقرب من الله.
ويأتي الشهر متزامنا مع ذكرى تحرير وطننا الكويت، وهي محطة راسخة في الوجدان، تتجدد معها مشاعر الانتماء والولاء، ويستحضر فيها الكويتيون ما اولاهم الله من امن ونعمة واستقرار، وفي هذا التوقيت تتقاطع عبادة الصيام مع قيمة الوطن، فيجتمع في النفس شكران: شكر لنعمة الدين وشكر لنعمة الوطن الذي حفظ الله كيانه ورفعته، ويجد الصائم في هذه الذكرى دافعا للتأمل في مسؤولية الحفاظ على الكويت، وخدمتها، والوفاء لها بما يليق بمكانتها في القلب، وهكذا يطل رمضان محملا بنسيم الشتاء ودلالات الشكر، ليتحول موسما يبعث في الروح طاقة جديدة، ويجدد فيها الصائم صلته بربه، وانتماءه لوطنه، واستشعاره لنعمة الأمن التي تعين على العبادة وتستبقي للمرء حياته وكرامته.
إقرأ المزيد


