قانون قيصر.. هل حانت لحظة محاسبة بشار الأسد؟
الخليج الجديد -

في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وقع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" على قانون حماية المدنيين بسوريا، المسمى بـ "قانون قيصر"، بدعم قوي من أعضاء الحزبين في الكونجرس.

ويهدف القانون لمحاسبة النظام السوري على الفظائع التي ارتكبتها قوات الأمن ضد المتظاهرين الذين طالبوا بإصلاحات سياسية.

وجاء هذا الإجراء بناء على تقرير أعدته مجموعة "سوريا" التابعة لمعهد السلام الأمريكي، بحجة أنه للحفاظ على أمنها القومي، يجب على الولايات المتحدة التوقف عن التقليل من دورها في تشكيل نتيجة الصراع السوري.

ورفض التقرير ادعاء "بشار الأسد" بأن حكومته انتصرت في الحرب وأنه يجب على العالم قبول شرعيتها باعتبارها الممثل الوحيد للشعب السوري.

وبدأ سريان قانون "قيصر" في وقت سابق من هذا الشهر، حيث بدأت خطوط المعارك المألوفة في الحرب تتلاشى.

وعززت روسيا وجودها البحري والجوي على طول الساحل السوري، بعدما توصلت إلى اتفاق مع تركيا لتخفيف حدة التوترات في شمال غرب سوريا.

ويسيطر الأكراد على معظم الشمال الشرقي، وانهزم تنظيم الدولة الإسلامية، وبقيت بقاياه تحت الأرض، وتم انتقاد الولايات المتحدة لأعوام لصمتها على جرائم "الأسد". ويعني قانون "قيصر" إصلاح ذلك، ليس فقط في سوريا ولكن أيضا في لبنان.

انقسام العلويين

تعد بدايات القانون قديمة قدم الصراع السوري نفسه. وفي يونيو/حزيران 2012، عقدت مجموعة العمل من أجل سوريا مؤتمرا للسلام في جنيف، أصدرت خلاله خارطة طريق للسلام دعت فيها إلى وقف فوري للعنف.

ولكن النظام السوري تجاهل كل ذلك. وفي وقت لاحق، تحديدا في عام 2015، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 2254، الذي أكد التزامه ببيان جنيف الصادر في يونيو/حزيران 2012، الذي دعا إلى إجراء انتخابات حرة، وشجع السوريين في المنفى على المشاركة في محادثات السلام.

كما منح البيان السوريين حق العودة الآمنة دون عوائق إلى مكان إقامتهم الأصلي في سوريا. ويعني قانون "قيصر" إجبار سوريا على الالتزام بهذه القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة.

ويعد قانون "قيصر" أكثر صرامة من جميع العقوبات التي سبقته لأنه يحتك بالدول التي تتعاون مع دمشق. ومع ذلك، فإنه يمنح دمشق خيار إنهاء حملة العقوبات شريطة أن تتخذ تدابير لا لبس فيها للتوصل إلى حل سلمي للصراع.

ويفعل القانون ذلك جزئيا باستهداف أنصار نظام "الأسد"، ودائرته العلوية، ومؤيديه الإقليميين. وبما أنه يمارس ضغطا غير مسبوق على النظام ومؤيديه الأجانب، فإن تأثير قانون "قيصر" على لبنان يهدد بتسريع الانهيار الاقتصادي الشامل للبلاد، ويضغط على نظامها السياسي المعيب بطبيعته.

ويمكن اعتبار تداعيات قانون "قيصر" على النظام السوري مذهلة. وستؤدي تلك التداعيات إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، إلى درجة أنها قد تؤثر فعليا على وسطاء النفوذ في المجتمع العلوي.

وقد تؤدي أيضا إلى تعميق الخلاف العائلي الجاري بالفعل في عشيرة "الأسد"، بما في ذلك التنافس بين "بشار الأسد" وابن عمه "رامي مخلوف".

وصدم هذا التنافس المجتمع العلوي، لأنه تجاوز التنافس على الموارد المادية بما يهدد السلطة السياسية للطائفة.

ويحرص "الأسد" على نقل السيطرة على الأصول الاقتصادية السورية من "مخلوف"، التي وضعته وزارة الخزانة الأمريكية تحت طائلة العقوبات، إلى عائلة زوجته "أسماء الأخرس"، التي لا تخضع للعقوبات.

وظل "مخلوف" لأعوام بمثابة واجهة الأعمال للنظام بعد أن تبنى الليبرالية الاقتصادية الجديدة والخصخصة، في مساعيه التجارية واسعة النطاق التي غطت مجموعة واسعة من المجالات.

ويمكن للمرء أن يتوقع من العلويين الأفقر، الذين قاتلوا وماتوا في مجموعات كبيرة من أجل "الأسد"، أن يعيدوا التفكير في ولائهم للحكومة المهووسة بالثروة الشخصية.

ومن الصعب على العلويين قبول فرض العقوبات بعد أن خدعهم النظام ليعتقدوا أنهم ربحوا الحرب، مما قد يزيد من خيبة أملهم تجاه النظام، خاصة بعد أن لقي أكثر من ثلث العلويين في الجيش السوري حتفهم منذ بدء الحرب.

ويواجه لبنان، وهو ركيزة أخرى لقوة "الأسد"، أخطر أزمة اقتصادية ومالية منذ استقلاله عام 1943. ويتعرض حزب الله لمزيد من الضغط للانسحاب من سوريا.

وأصبح عدد متزايد من اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، غير قادرين على تغطية نفقاتهم، حيث ينتمي غالبية عناصر وأنصار حزب الله إلى الطبقة العاملة الفقيرة.

وإذا استمر في دعم النظام السوري، سيضع "حزب الله" لبنان وجها لوجه مع الولايات المتحدة، التي تتوقع من بيروت أن تتخذ موقفا واضحا بشأن إغلاق حدودها مع سوريا.

ويمكن لقانون "قيصر" أن يجعل الوضع في لبنان يتحول من سيء إلى أسوأ. ويتوقع "الأسد" أن يستمر حزب الله في تزويد سوريا بالإمدادات التي تشتد الحاجة إليها.

وتعهد زعيم حزب الله "حسن نصر الله" بإبقاء خط الإمدادات مفتوحا لسوريا، قائلا: "أولئك الذين قدموا الشهداء لإبقاء سوريا متحدة والحفاظ عليها من السقوط في يد أمريكا و(إسرائيل) لن يسمحوا لها بالاستسلام لقانون قيصر".

وفي تصعيد مثير وغير مسبوق على ما يبدو ضد (إسرائيل)، أعلن "نصر الله" أن حزب الله لن يسمح لقانون قيصر بإيذاء لبنان، وهدد بقتال من يحاول تجويع شعبه.

شر أصغر

أضاف التدخل العسكري الروسي في عام 2015 لإنقاذ "الأسد" إلى تعقيد الصراع السوري. واستطاع الروس لعب دور اللاعب المهيمن في سوريا دون إزاحة إيران، التي أصبحت لاعبا من الدرجة الثانية.

وأدت الحرب إلى إضعاف نظام "الأسد"، وتحويل سوريا إلى ساحة معركة بالوكالة. لكن فقدان إيران للهيمنة في سوريا لا يعني أنها فقدت النفوذ الذي تمارسه في لبنان عبر "حزب الله".

وتشعر روسيا بخيبة أمل تجاه "الأسد" لأنه، بالرغم من إنقاذها نظامه من الانهيار، لم يطرد إيران وحزب الله من سوريا، وقاوم جهود إيقاف الحرب ضد المعارضة.

ولا يخفي الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" سخطه على "الأسد"، وصار يفضل خروجا سريعا من سوريا، خاصة بعد أن حقق أهدافه هناك. ويخشى أن تحول الإقامة الطويلة سوريا إلى أفغانستان أخرى للجيش الروسي.

وتفضل روسيا الآن التخلص من "الأسد"، لأنها تعتبره غير كفء، وغير قادر على إدراك أن إيران عامل تخريب في المنطقة.

ويرحب "بوتين" بشكل خاص بقانون "قيصر" لأنه لا يستهدف المصالح الروسية في سوريا، كما أن عواقبه على نظام "الأسد" لا تزعجه. ويتفهم "بوتين" فيما يبدو أنه يجب أن يعمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية للصراع السوري، ومن الواضح له أن قانون "قيصر" يمكن أن يضغط في ذلك الاتجاه.

ويدرك "بوتين" تماما أنه لكي تشارك الشركات الروسية في إعادة إعمار سوريا، تحتاج موسكو إلى إقامة تحالف مع واشنطن.

أما بالنسبة لإيران، فقد أوضحت الولايات المتحدة أنها لن تسمح لطهران باستخدام سوريا ولبنان كورقة مساومة لنشر نفوذها الإقليمي.

وتحقيقا لهذه الغاية، يبلغ قانون "قيصر" إيران بأن الولايات المتحدة، بالتشاور مع روسيا، قررت تحديد نفوذها في سوريا. ومن الواضح أن هذا لا يتلاءم مع القادة في طهران، الذين يبدو أنهم مصممون على المقاومة.

وفي 20 يونيو/حزيران، أصدر حزب الله مقطع فيديو أظهر إحداثيات أهداف في تل أبيب وأماكن أخرى في (إسرائيل)، ادعى أنها تقع ضمن مدى صواريخه.

وأثار تحدي حزب الله رد فعل فوري من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الذي كرر عزمه على منع إيران من تمكين حزب الله من تطوير تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة.

وليس هناك شك في أن إعلان حزب الله عن الصواريخ يهدف إلى إثارة رد فعل إسرائيلي. ويبدو أن ما يسمى بمحور المقاومة، أي إيران وسوريا وحزب الله، قد خلص إلى أن الحرب الإقليمية أقل شرا من الحصار الاقتصادي.



إقرأ المزيد