إسرائيل وتفكيك الجغرافيا الإسلامية
الجزيرة.نت -

في حفل افتراضي، وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن عرو، أعلنت إسرائيل، بصفتها أول دولة في العالم، اعترافها بهذا الكيان المعلن من طرف واحد، والذي يشكل جزءا من دولة الصومال.

وقد قوبل هذا الاعتراف، فور الإعلان عنه، بإدانات واسعة من دول إسلامية، من بينها تركيا، والسعودية، ومصر، وإيران، إضافة إلى منظمات إقليمية ودولية، مثل الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

ولم يغب هذا التطور اللافت في المنطقة عن أنظار محللي الشؤون الإستراتيجية، الذين بادروا إلى تقييم أهداف إسرائيل ومصالحها الكامنة وراء هذه الخطوة.

رحبت إسرائيل بانفصال جنوب السودان عن الدولة الإسلامية السودان، وكذلك انفصال تيمور الشرقية عن الدولة الإسلامية إندونيسيا، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بهذين الكيانين الانفصاليين وما نتج عنهما من دولتين ناشئتين

وفي هذا السياق، ركزت التحليلات على الأهمية الجغرافية للأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة إقليم أرض الصومال الانفصالي، ولا سيما قربها من مضيق باب المندب الإستراتيجي، وإشرافها على البحر الأحمر والمحيط الهندي، إضافة إلى موقعها القريب من اليمن، والسعودية.

إلى جانب هذا المنظور، يكشف التمعن في الخلفية التاريخية للقضية، والمنهج العام الذي يتبعه الكيان الصهيوني إزاء خريطة الدول الإسلامية، عن بعد آخر أكثر عمقا وأهمية.

فمن هذا المنظور، لا يعد الاعتراف بإقليم أرض الصومال الإجراء الأول الذي تتخذه إسرائيل بهدف تفكيك خريطة الدول الإسلامية. فقد سبق لإسرائيل أن دعمت، في مناسبات متعددة، مسارات مشابهة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك دعمها انفصال إقليم كردستان عن الدول الإسلامية، ولا سيما العراق وسوريا. وليس خافيا سجل الدعم السياسي والعسكري الإسرائيلي للحركات الانفصالية في كردستان العراق، إذ كانت إسرائيل الكيان الوحيد في العالم الذي أيّد علنا استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017.

وقبل ذلك، رحبت إسرائيل بانفصال جنوب السودان عن الدولة الإسلامية السودان، وكذلك انفصال تيمور الشرقية عن الدولة الإسلامية إندونيسيا، وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بهذين الكيانين الانفصاليين وما نتج عنهما من دولتين ناشئتين. كما أن الحركات الانفصالية في جنوب السودان حظيت، قبل الاستقلال، بدعم إسرائيلي واضح.

إعلان

وفي السياق المعاصر، يتجلى هذا النهج الإسرائيلي تجاه خريطة الدول الإسلامية في محاولات تفكيك الجغرافيا السورية عبر دعم النزعات الانفصالية الكردية والدرزية. فمن خلال مساندة هذه القوى، وتحت ذريعة الدفاع عن حقوقها والحكم الذاتي، تسعى إسرائيل إلى الحيلولة دون إعادة بسط سيطرة دمشق على كامل الأراضي السورية، ومنع إعادة ترميم خريطة الدولة السورية الرسمية.

ولا تقتصر التدخلات السلبية والمخربة لإسرائيل في خريطة الدول الإسلامية على هذه الحالات فحسب. ففي مراحل سابقة، حاولت إسرائيل الدفع باتجاه إقامة كيان ماروني منفصل في لبنان، أو وضع لبنان، أو جزء منه، تحت حكم دولة مارونية.

وقد سعت إلى تنفيذ هذا المخطط إبان غزوها للبنان عام 1982 واحتلالها جنوبه، لكنها أخفقت في تحقيق أهدافها. وفي شمال أفريقيا، تنظر إسرائيل على نحو مشابه إلى بعض المكونات، مثل الأمازيغ، باعتبارها قدرة كامنة على تفكيك الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة، غير أن هذه الرؤية لا تزال حتى الآن في إطار التصورات النظرية، ولم تتحول، على ما يبدو، إلى سياسة عملية معلنة.

وتبرز أهمية هذه التطورات عند النظر إلى أبعادها ووزنها الجغرافي والديمغرافي. فقد كان السودان، قبل انفصال جنوبه، أكبر دولة إسلامية من حيث المساحة، كما تعد إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان.

ومع ذلك، يمكن اعتبار أخطر مجالات اختراق إسرائيل خريطة الدول الإسلامية هو ملف كردستان، إذ إن انفصال هذا الإقليم واستقلاله يهددان بصورة مباشرة أمن وسلامة أربع دول إسلامية كبرى ومؤثرة، هي: إيران، وتركيا، والعراق، وسوريا.

وتشير هذه الحالات المتكررة والموثقة من التدخل الإسرائيلي في خريطة الدول الإسلامية، عبر دعم النزعات الانفصالية وتفكيك الكيانات القائمة، إلى عناصر يمكن إدراجها في إطار خطة شاملة تستهدف إعادة رسم خريطة العالم الإسلامي.

وتعزز نظرة سريعة إلى جغرافية إسرائيل وموقعها في الخريطة الراهنة للعالم الإسلامي هذا الاستنتاج. فمن هذا المنظور، تبدو إسرائيل كجزيرة صغيرة محاطة بطوق من الدول الإسلامية، يغلب عليه العداء ورفض وجودها واحتلالها في قلب الجغرافيا الإسلامية.

ومن الناحية الجيوسياسية، لا تشعر إسرائيل بالأمان ضمن هذه الخريطة القائمة، بل ترى في محيطها الإسلامي تهديدا دائما لوجودها.

ومن بين السبل الأساسية التي تعتمدها لتغيير هذا الواقع المقلق، السعي إلى العبث بخريطة الدول الإسلامية، عبر تشجيع النزعات الانفصالية، وتحويل الدول الإسلامية الكبيرة والقوية إلى كيانات أصغر وأضعف.

ورغم حساسية هذه الفكرة وطابعها السري، فإنها وجدت طريقها إلى كتابات عدد من منظري الفكر والإستراتيجية الصهيونية البارزين. وإلى جانب آراء المفكر اليهودي المعروف برنارد لويس، يمكن الاستشهاد بمقالة أوديد ينون المعنونة: "إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات" (A Strategy for Israel in the 1980s).

وينون، وهو من مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية ومستشاري أرييل شارون، أكد في هذه المقالة، التي نشرت عام 1982 في المجلة العبرية الفصلية «كيفونيم» (Kivunim) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية في القدس، على ضرورة تبني إسرائيل إستراتيجية تقوم على تفتيت خريطة الدول الإسلامية، ولا سيما العراق، وسوريا، ومصر، والسودان.

إعلان

وتوضح هذه الأطروحات أن المواقف الودية أو السلمية لبعض الحكومات الإسلامية تجاه هذا الكيان لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير نظرته التدخلية، المتجذرة في الأهداف الأيديولوجية للصهيونية واحتياجاتها الجيوسياسية.

ومن الطبيعي أن يتجنب الكيان الصهيوني الإعلان الرسمي عن اتباع مثل هذه السياسات، نظرا لما قد يترتب عليها من عواقب واسعة وغير متوقعة على مئات الملايين، بل على ما يقارب ملياري مسلم، وأكثر من خمسين دولة إسلامية حول العالم.

غير أن توافر الأسس النظرية والشواهد العملية على هذا النهج، والتي باتت أكثر وضوحا اليوم مع الاعتراف الرسمي بإقليم أرض الصومال، يجعل من الصعب إنكار وجود هذا التوجه.

إن هذا التهديد لا يقتصر على دولة بعينها، بل يطال جميع الدول الإسلامية، ولا سيما تلك الواسعة جغرافيا أو الكبيرة ديمغرافيا، أو التي تمتلك من القوة والإمكانات بما يؤهلها لتحدي أهداف الصهيونية في المنطقة.

وأمام الدول الإسلامية خياران:

  • إما تجاهل هذا الاحتمال والبقاء في موقع الصمت والجمود، بما يتيح تنفيذ هذه السياسة المعادية للعالم الإسلامي وتفتيت الأراضي الإسلامية تباعا.
  • أو اعتماد موقف مسؤول قائم على فهم دقيق لسلوك إسرائيل، يفضي إلى تنسيق الجهود والتكاتف من أجل تعطيل هذه السياسات التدخلية والمخربة.

ولا يزال هذا الخيار ممكنا، من خلال انتهاج مسار إسلامي ـ قومي واقعي وحكيم، كان الملك فيصل بن عبد العزيز، ملك السعودية الراحل، أحد أبرز رواده.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد