ماذا خسرت فلسطين برحيل سادن تراث فلسطين حمزة عقرباوي؟
الجزيرة.نت -

Published On 2/1/2026

|

آخر تحديث: 11:00 (توقيت مكة)

شارِكْ

نابلس- فوجئ الفلسطينيون مع نهاية 2025 بخبر نزل ثقيلا على قلوب كثيرين منهم، رحيل الحكواتي والباحث الفلسطيني حمزة ديرية العقرباوي (41 عاما)، الذي وصفه محبوه بـ"حارس الذاكرة والموروث الشعبي" و"حكواتي فلسطين"، إثر حادث غرق في نهر النيل بمصر خلال زيارته الأخيرة لها.

ولم يُوارَ الجسد الثرى، حتى انهالت العشرات من المنشورات على مواقع التواصل التي تستحضر "حمزة"، وتحكي عن الأثر الذي تركه والفراغ الذي سيخلفه غيابه. وللمفارقة، فلطالما حكى حمزة بشجن عن غدر البحر وعن أولئك الذين "أخذتهم الميّة (الماء)"، حتى غدره النهر وأخذته مياه النيل.

من بلدة عقربا قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، حيث ينحدر حمزة، كانت البداية مع مشوار التوثيق، ومن هناك انطلق ليجوب كل بقعة تمكّن من الوصول إليها في فلسطين، فلم يُبقِ خِربة (قرية صغيرة) أو تلة أو جبلا إلا وثّقها وروى تاريخها.

رحيل حمزة عقرباوي خسارة للذاكرة الفلسطينية والتاريخ الشفوي الذي يعد أبرز أعمدته (الجزيرة)
"رجلٌ بمؤسسة"

في حساب الأيام والسنين، لم يعش حمزة طويلا، ففي عُرف الناس تُعدُّ الأربعون عاما عمرا قصيرا، لكن ما فعله حمزة بهذا العمر كان أكبر من ذلك بكثير. كان مهتما بالتراث والموروث الشعبي وتوثيقه، من حكايات، وأمثال، وما يُعرف بالتراث الثقافي غير المادي، كالخُرافات والقصص والأهازيج.

ولم يقف جهده عند هذا الحد، بل اتسع ليصبح توثيقا شاملا لذاكرة الأرض والإنسان، فوثّق حكايا المقاومة، وسِيَر الفدائيين (الثُوّار الفلسطينيين)، وتجارب الأسرى، ومعاناة التجمعات البدوية في يطّا بمدينة الخليل، موليا اهتماما خاصا بالأغوار والمناطق المهددة بالاستيطان، حيث حمل على عاتقه رسالة نشر الوعي حولها، وحث الناس على زيارتها ميدانيا لإعادة اكتشافها والارتباط بها.

ويقول أحمد عز الدين، صديق حمزة، الذي عمل معه في مؤسسة الدراسات الفلسطينية لسنوات "حمزة كان يعمل بجهد يوازي مؤسسة كاملة، بل إنه بحد ذاته كان أرشيفا ومكتبة متنقلة تفوق في عطائها بعض المؤسسات الرسمية والجامعات".

إعلان

ويشير إلى أن حمزة لم يكن ماديا، رغم أن هذا العمل في "التوثيق" كان مصدر رزقه الوحيد بعد أن ترك وظيفته في إحدى الشركات قبل نحو 13 عاما ليلحق بشغفه ويتفرّغ له، فإن المال لم يكن من أولوياته، إذ "كان يعمل لأجل فلسطين، والثقافة والتراث، ولكتابة كل ما يتعلق بهويتنا وذاكرتنا".

وما يميز حمزة -يواصل أحمد- أنه بينما اهتم البعض بالتراث بطريقة فلكلورية، أخرج حمزة التراث من سياق "المتحف" والجمود، مضيفا "عندما كان يتحدث عن الثوب أو العقال أو القمباز (أزياء تقليدية فلسطينية)، لم يكن يتناولها كأشياء توضع في المتحف ولا علاقة لها بحياتنا، بل كانت فكرته الأساسية أن هذا جزء أصيل من هويتنا وممارستنا الثقافية اليومية".

وكان حمزة مرجعا في كل ما يتعلق بالتراث والاستيطان والأغوار، وعمل مع العديد من المؤسسات الفكرية والبحثية والعلمية، منها جامعة بيت لحم ومؤسسة الدراسات الفلسطينية. ومع حجم المعلومات الهائل الذي يمتلكه، لم يكن يبخل على أحد، فكان معطاء بمعلوماته ومصادره وكتبه، يقول أحمد.

الراوي والحكواتي حمزة عقرباوي يستمع لأحد كبار السن في قرية دير بلوط بالضفة الغربية خلال تجوال له هناك (الجزيرة)
من يُعوّض الغياب؟

ويستذكر أحمد موقفا دالا قائلا "لقد شرح موسوعة ‘دلمان’، التي صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كاملة عندما تُرجمت للعربية، واشتراها بمقايضتها بتنكة من زيت الزيتون (16 كيلوغراما) لأنه لم يملك ثمنها، مما يدل على بساطته وتضحيته لأجل المعرفة".

ويلفت أحمد إلى أن حمزة، وقبل وفاته بأسبوع واحد فقط، أنجز 13 مقابلة مع أسرى محررين في صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، متجاوزا العدد المطلوب، "وكأنه كان يُسدد التزاماته البحثية قبل الرحيل"، حيث وثّق قصصهم من الخليل إلى جنين، تاركا إرثا مهما سيصدر في كتاب.

من جهته، يرى الباحث علي حبيب الله، الذي يتقاطع مع حمزة في اهتمامه بالتراث الشفوي والأدب الشعبي، أن الروايات والحكايات التي نقلها "عقرباوي" أسهمت في سد فجوات أساسية في التاريخ الفلسطيني، بمسارات كثيرة ومختلفة.

حيث عمل حمزة على إنتاج "المعرفة غير المسطورة"، تلك التي تُنتج في سياق التجربة وبحكم ممارسته وعلاقته مع المكان، فكان يصيغ معرفته الخاصة.

ويقول حبيب الله "من النادر جدا أن نجد شخصا يعمل في الأرض ومشغولا بأسئلتها البحثية في آن واحد، كان حمزة فلاحا بكل ما تعنيه الكلمة، ومن خلال تجربته وفلاحته للأرض كان ينتج أسئلته ويجيب عليها".

تاريخ متنقل

ويوضح حبيب الله أن هذه المعرفة لم تكن بحثا أكاديميا جافا، بل كانت وجدانية تتعلق بالعشق والانتماء الحقيقي لدى العقرباوي الذي "كان يستكشف المكان بالتجوال، فلا يوجد حجر إلا وقلبه ليعرف ما تحته، في محاولة لاستنطاق هذا التاريخ الصامت الذي مورس عليه الطمس والإسكات لأكثر من قرن".

وفي السياق نفسه، حافظ حمزة على قاموس من التعابير والمصطلحات التي كانت دائرة على ألسنة الناس، وهو ما أسماه حبيب الله بـ"المعجم الاجتماعي"، قائلا "أعتقد أن حمزة كان الأقدر في هذا المجال بلهجته الريفية الجبلية الأصيلة. هذا المعجم ليس مُجرّد كلمات، بل تعابير تحيل إلى مفاهيم عميقة حول رؤية الجد الفلسطيني للأرض والمكان والنظام الرمزي من حوله (الطير، والنبات، والماء)".

إعلان

ويشير إلى دور العقرباوي في تثبيت الهوية الفلسطينية بمواجهة النسيان والطمس، فكان حارسا لما أسماه "الرزنامة الاجتماعية"، حيث واجه النسيان باستحضار هذا القاموس والتقويم، معيدا الاعتبار للجغرافيا والزمن الفلسطيني ما قبل الحداثة والاستعمار.

الأغوار الفلسطينية لم تسقط من أجندة حمزة العقرباوي ومحاولاته لحمايتها من الاستيطان (الجزيرة)

ويقول حبيب الله "كان حمزة يطل علينا ليذكرنا كيف يقسم الفلاح ساعات نهاره، ومسميات الفصول، وأيام الشتاء، ومواسم الزراعة". ويتابع أن الحكاية الشعبية هي أداة مقاومة ثقافية، وقد مثّلها حمزة الذي أدى مهمة استنطاق المهمشين واستعادة صوت المغلوبين على أمرهم، وأرشف صوت الناس في هذه البلاد.

وأجمع حبيب الله مع أحمد عز الدين على وصف رحيل حمزة بـ"النكبة" و"الخطر على الذاكرة الوطنية"، فحمزة لم يكن باحثا تقليديا يرى فلسطين كموضوع بحث، بل كان يراها قضية ووجدانا.

ويختتم حبيب الله حديثه "رحيل حمزة ليس مجرّد خسارة، بل هو ‘نكبة’ بكل ما تعنيه الكلمة للمعرفة والثقافة والتراث الفلسطيني. لا أحد يستطيع أن يملأ مكانه، لأنه لا أحد يمتلك ذلك الشغف والدافعية لملاحقة المعلومة والقصة والحجر كما كان يفعل، لقد رحل مبكرا، ومشروعه قُطع في منتصف الطريق. حمزة، الفلاح الحقيقي والقاص البارع، ترك فراغا كبيرا".



إقرأ المزيد