حضرموت بعد السيطرة الحكومية.. طريق التعافي محفوف بالتحديات
الجزيرة.نت -

فرضت التطورات الأخيرة والتغيرات المتسارعة في خريطة النفوذ العسكري والسياسي بمحافظة حضرموت شرقي اليمن تحديات كبيرة أمام الحكومة والسلطات المحلية لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والعسكرية والخدمية بعد استعادة المنطقة من سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

تبدلت خريطة السيطرة مرتين خلال أسابيع، فبعد سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظة مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي وخروج قوات المنطقة العسكرية الأولى من مديريات الوادي والصحراء، تمكنت مؤخرا "قوات درع الوطن" وقوات الطوارئ التابعتان للحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية من بسط سيطرتهما على المحافظة الإستراتيجية.

وفي ظل هذه التحولات الجديدة تبرز العديد من التحديات الأمنية والخدمية أمام الحكومة والسلطات المحلية.

مساحة مترامية

بين ساحل وهضبة ووادٍ وصحراء تتوزع جرافيا المحافظة الكبرى في اليمن بمساحة تقدر بـ193 ألف كيلومتر وتشكل ثلث البلاد، وبشريط حدودي بأكثر من 700 كيلومتر مع السعودية يمثل نصف حدود البلاد مع المملكة.

ويوجد في المحافظة منفذ الوديعة البري الذي يعد الشريان البري الوحيد مع السعودية منذ اندلاع الحرب في 2015 كما تتمتع بشريط ساحلي واسع على بحر العرب.

ويمثّل الهاجس الأمني أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة والسلطات المحلية في المحافظة المترامية الأطراف، التي تضم 28 مديرية موزّعة بين مناطق الساحل والوادي والصحراء.

وتكتسب حالة الاستقرار فيها أهمية محلية نظرا لمكانتها الاقتصادية وما تحتضنه من حقول نفطية تُعدّ رافدا أساسيا للاقتصاد، إلى جانب أهميتها الإقليمية لارتباطها بحدود مباشرة مع السعودية.

تشكيلات واستقطابات

خلال سنوات الحرب الماضية في اليمن، شهد ساحل حضرموت نشوء وتعدد تشكيلات عسكرية، أبرزها قوات "النخبة الحضرمية" و"قوات الدعم الأمني" التابعتان للمجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب قوات حماية حضرموت التابعة لحلف القبائل.

إعلان

وفي مديريات الوادي والصحراء، توجد قوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة للحكومة، التي انسحبت مع دخول قوات المجلس الانتقالي إلى حضرموت مطلع الشهر الماضي.
ومع المستجدات الأخيرة، دخلت على خط الأحداث "قوات درع الوطن" و "قوات الطوارئ"، اللتان أدّتا دورا في انتزاع السيطرة على المحافظة من قوات المجلس الانتقالي.

وخلال السنوات الماضية، كانت حضرموت من أبرز المناطق اليمنية التي نشط فيها "تنظيم القاعدة"، عبر تنفيذ عمليات استهدفت قيادات الدولة والمنتسبين للأجهزة الأمنية والعسكرية ومقارها، وقد بلغ حضور التنظيم ذروته بسيطرة مسلحيه على مدينة المكلا ومديريات الساحل مطلع أبريل 2015، قبل أن تستعيد الحكومة، بدعم من التحالف، السيطرة عليها في أواخر أبريل 2016، ثم شهدت السنوات القريبة الماضية خفوتا واضحا في نشاط التنظيم وعملياته.

كما مرّت المحافظة، خلال سنوات تصاعد سباق السيطرة عليها، بحالةٍ من الاستقطابات الحادّة، رافقها تشكيل وإنشاء مكونات سياسية وأمنية، بعضها بنسخ متوازية، في إطار صراع المشاريع السياسية والتنافس على تمثيل الثقل الذي تشكله المحافظة.

محطة كهرباء بترومسيلة (صفحة الشركة على فيسبوك)
أزمة الخدمات

وتعاني المحافظة النفطية من تدهور في عدد من الملفات الخدمية، لا سيما في قطاع الكهرباء، إلى جانب الحاجة لإعادة ضبط انتظام القطاعين التعليمي والصحي، اللذين يشهدان إضرابات متكررة بين الحين والآخر.

وساءت حالة المحافظة خدميا مع تصاعد الصراع وتوقف عمليات تصدير النفط منذ أكتوبر 2022 إثر هجمات الحوثيين على ميناء التصدير بالمحافظة واشتراطهم الحصول على نسب من العائدات لدفع مرتبات الموظفين في مناطق سيطرتهم، وفق قولهم.

وكانت الحكومة قد منحت حضرموت منذ 2016 نسبة تزيد على 20% من عائدات مبيعات النفط الخام تخصص لمشاريع التنمية في المحافظة.

مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية تتطلب مشاركة مجتمعية (السلطة المحلية بالمحافظة)
إعادة بناء

ويقول وكيل محافظة حضرموت المساعد لشؤون مديريات الوادي والصحراء عبد الهادي التميمي في تصريح للجزيرة نت إن المحافظة بعد تحريرها من قبل القوات التابعة للحكومة تواجه جملة من التحديات المعقدة والمختلفة.

وأشار إلى أن التحدي العسكري يأتي في طليعة التحديات، حيث يرى التميمي ضرورة لملمة القوات الموجودة في ساحل ووادي حضرموت وإعادة بناء المنطقتين العسكريتين الأولى والثانية وفتح المجال أمام التجنيد لملء الفراغات التي تركت فيها من أبناء المحافظة.

وفي المجال الأمني، يقول إن المحافظة تحتاج إلى تجهيز وتأهيل القوات الأمنية وإعدادها إعدادا مهنيا حتى تكون قادر على القيام بواجبها باقتدار.

وأكد أن تحقيق الأمن والأمان لجميع الناس ونشر ثقافة القبول بالآخر وإعطاء هامش مساحة لحرية الرأي والرأي الآخر، يجب التركيز عليه ويسبق كل الملفات الأخرى.

حوار مجتمعي

ويرى التميمي أن المجتمع في حضرموت تعرض لانتكاسة كبيرة، ولأضرار جسيمة في نسيجه الاجتماعي، نتيجة الانقسامات التي أفرزتها المشاريع القادمة من الخارج وما صاحبها من تباين في مواقف الناس حولها، مشيرا إلى أن ذلك يستدعي ترميم هذا النسيج، وإطلاق المزيد من الرسائل الإيجابية من أجل استعادة الثقة داخل المجتمع وبين المجتمع والسلطة المحلية.

التميمي: مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية تتطلب مشاركة مجتمعية (مواقع التواصل)

سياسيا، أكد التميمي أن المحافظة في الوقت الراهن تتطلب إطلاق حوار حضرمي شامل، برعاية السلطة المحلية، بهدف توحيد الرؤية والتوافق على موقف موحد يمكن أبناء حضرموت من مواجهة الأطراف الأخرى، وانتزاع حقوق المحافظة، وإقناع الآخرين بتطلعاتها، من خلال رؤية جامعة ومتفق عليها.

إعلان

وشدد التميمي على حاجة المكونات والقوى الحضرمية إلى ميثاق شرف يجمعها بمختلف تنوعها يقوم على الأهداف والقضايا المشتركة، وتأسيس خريطة طريق لمستقبل المحافظة ومواجهة التحديات الاقتصادية.

ويعتقد أن مواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية تتطلب مشاركة مجتمعية وشراكة في صنع القرار والبحث عن آليات من أجل رفع مستوى الإيرادات المحلية والتعامل الشفاف مع الداعمين الدوليين والإقليميين والصناديق الداعمة، لتحسين الخدمات والعمل على إعادة تصدير النفط للحصول على نسبة من المبيعات للتنمية وسد فجوات الضعف في الخدمات.

وتزخر حضرموت بتعدد القوى والمكونات المحلية، وفي مقدمتها حلف قبائل حضرموت ومرجعية القبائل ومؤتمر حضرموت الجامع ومجلس حضرموت الوطني، إلى جانب حضور قوى أخرى ذات امتداد جغرافي أوسع، من بينها المجلس الانتقالي الجنوبي والمجلس الموحد للمحافظات الشرقية، بينما تنشط الأحزاب السياسية التي تعمل على مستوى البلاد عموما، وهو ما يعكس حالة تنوع وتعقيد في المشهدين السياسي والاجتماعي داخل المحافظة خصوصا مع بقاء البلاد ميدانا للتفاعلات الخارجية.

الذهب يرى ضرورة دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارة الداخلية أو الدفاع (الجزيرة)
التحديات الأمنية

وحذر الخبير العسكري الدكتور علي الذهب في تصريح للجزيرة نت من خطورة تسرب السلاح وانتشاره بعد عمليات النهب والسطو التي طالت المعسكرات، مؤكدا أن ذلك تنشأ عنه الجريمة العادية والمنظمة والإرهاب والجريمة السياسية.

ويرى أن التحديات الأمنية في حضرموت حاليا تتمثل في حفظ الأمن واستتبابه وهو ما يتطلب وفق الذهب، تنفيذ قرارات رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي بهذا الخصوص والتعليميات الصادرة من وزير الداخلية للأجهزة الأمنية لممارسة نشاطها الاعتيادي يرافقه التعامل مع التهديدات الأمنية والتحديات المختلفة في إطار أوسع يستظل تحت مظلة حالة الطوارئ المفروضة لمدة تسعين يوما.

وأشار إلى أن القدرات البشرية والمادية بحاجة إلى إعادة ترتيب وبناء وتعزيز التدريب للتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها معركة موازية للمعركة العسكرية.

وبيّن أن تقسيم مهام واختصاصات التشكيلات المسلحة المختلفة يعد من أبرز التحديات، ويمكن تجاوز ذلك من خلال استيعاب الوحدات الموجودة في الوادي والصحراء ضمن مسرح عمليات المنطقة العسكرية الأولى وإعادة تأهيلها وتعيين قيادة لها ببنيتها البشرية والمادية وربطها بوزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة.

ويشمل مسرح عمليات المنطقة العسكرية الأولى (مقرها مدينة سيئون) مديريات الوادي والصحراء البالغ عددها 16 مديريات وترتبط حدودها بالمملكة العربية السعودية.

وفيما يخص المنطقة العسكرية الثانية يؤكد الذهب أهمية إعادة ترتيبها وبنائها على المستوى المادي والبشري، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة أن تأخذ "قوات حماية حضرموت" التابعة لحلف القبائل صفة رسمية وتعالج في إطار أمني يتبع وزارة الداخلية أو عسكري يتبع وزارة الدفاع.

والمنطقة العسكرية الثانية (مقرها مدينة المكلا) يشمل مسرح عملياتها منطقة ساحل حضرموت (12 مديرية) وتنتشر فيها ألوية "قوات النخبة الحضرمية" كما يغطي مسرحها أيضا القوات العسكرية في محافظتي المهرة وسقطرى.



إقرأ المزيد