الجزيرة.نت - 1/4/2026 4:27:39 PM - GMT (+3 )
"من بين الأدوات كافة، يبقى الكتاب أعجب اختراع للإنسان"، بهذه المقولة المعبّرة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس تتجلى المكانة العميقة للقراءة، بوصفها فعلا يتجاوز الترف الثقافي ليغدو وسيلة للعبور إلى عالم الجوهر الصاعد، حيث تتلاقى الأزمنة وتتجاور التجارب الإنسانية في صفحات صامتة تنطق بالحياة.
فالقراءة ليست مجرد تراكم للمعرفة، بل تجربة تحول داخلي؛ إذ لا يخرج القارئ من كتاب كما دخله. ومع كل نص إبداعي، تتشكل طبقات جديدة في الوعي، وتُزرع بذور الأسئلة والدهشة، وتترك الكلمات آثارها الخفية في الذاكرة والوجدان. وحين نقرأ، نمنح أنفسنا فرصة عيش حيوات متعددة، ونختبر مشاعر وأفكارا لم تكن لنا لولا الحروف.
ومن هذا المنطلق، تبدو الكتب أشبه بتمائم سرية، ترافقنا في لحظات الصفاء والانكسار، وتمنحنا العزلة حينا، والضوء حينا آخر. وبعد عام كامل من القراءة والتأمل والتقاطع مع النصوص، ونحن نودّع سنة ونستقبل أخرى، يُطرح سؤال عن أجمل الكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة نخبة من الكتاب والمبدعين العرب في عام 2025، فضلا عن فعل القراءة وأثرها السحري في المبدع والإنسان عموما. فإلى الاستطلاع:
قراءة تأخرت 12 عاماأشارت الكاتبة والشاعرة الجزائرية المقيمة في مرسيليا بفرنسا حياة قاصدي، إلى أنها -كقارئة- اعتادت في كل عام أن تبحث عن الكتب كما يبحث المسافر عن المرافئ؛ لأن القراءة بالنسبة لها ليست ترفا، بل مركب يعبر بالإنسان من عوالم الغياب إلى عوالم الحقيقة، ليكتشف فيها أحيانا ذاته، وأحيانا الفلسفة، وأحيانا أخرى التاريخ، وأحيانا قضايا كان يمرّ بجانبها دون وعي.
وأضافت قائلة "في سنة 2025، قرأتُ أعمالا عديدة، من بينها رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس التي تركت أثرا جميلا في نفسي، غير أن الرواية التي أحدثت في داخلي أثرا أعمق كانت "ساق البامبو" للكاتب الكويتي سعود السنعوسي. وقد كنت أنوي قراءة هذه الرواية منذ سنوات، رغم صدورها عام 2013، لكن الفرصة لم تأتِ إلا هذا العام. وحين قرأتها، وجدت نفسي أنتقل بين عوالم التحدي، والبحث، والرغبة في اكتشاف الذات. الرواية لا تكتفي بسرد حكاية إنسان، بل تكشف بصدق قاس بنية المجتمع العربي، حيث تُقاس قيمة الإنسان بمكانته الاجتماعية لا بإنسانيته".
إعلان
وأوضحت أن ما شدّها في هذه الرواية هو تركيزها على أن الاعتراف الحقيقي لا يأتي من الآخر، ولا من الحب، ولا من المجتمع الطبقي، بل من الإنسان نفسه. وشددت على أن الرواية جعلتها تؤمن بأن الإنسان، ما دام موجودا، فهو القوة القادرة على تحريك عالمه وبناء ذاته، دون انتظار إذن أو اعتراف خارجي. واعتبرت أن "ساق البامبو" ليست رواية تُقرأ فحسب، بل تجربة تُعيد تشكيل الوعي، وتخاطب الذات قبل أن تخاطب العالم.
وخلصت حياة قاصدي إلى أن القراءة تعزز قدرة الإنسان على فهم الماضي والحاضر والتمكن من رؤية المستقبل، وهي الآلية التي تجذبه من قاع لا يتمكن وهو فيه من رؤية وجه الحقيقة؛ تجذبه بحلة الذكاء كي يكتشف عالمه الإنساني مرتديا العمق والجمال. وهكذا يتجول الإنسان في مكامن الوجود ليبدع ويتحرر ويولد من جديد بأفكار جديدة، ويوثق على الصفحات البيضاء ذاكرة الإنسان.
غذاء لمعنى الوجودمن جانبه، اعترف الكاتب العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي بأنه لم يكن من بين قراءاته، باللغتين العربية والإسبانية هذا العام، كتاب يمكن أن يعتبره متميزا جدا أو ترك أثرا حقيقيا في تفكيره أو رؤيته أو أسلوبه، واعتبر بهذا أن قراءاته كانت عادية يومية روتينية، باعتبار القراءة ذاتها جزءا جوهريا من حياته كإنسان وككاتب.
وأكد أنّ هذا لا يعني أن ما قرأه لم يكن جيدا أو أنه لم يستفد منه أو يستمتع به أو أنه نادم على بعض تلك القراءات؛ لأنه لا يندم على قراءة أبدا، بل يندم على عدم القراءة. لأن القراءة بالنسبة له هي فعلا غذاء لمعنى وجوده الشخصي، كما أنها مثل التمارين اليومية للرياضي والعازف والرسام وغيرهم.
وأضاف قائلا "أعترف بأنني قرأت القليل من الروايات هذا العام، وكانت الحصة الأكبر لقراءة القصص القصيرة والدراسات والحوارات الأدبية. قرأت عشرات المجاميع القصيرة والأنطولوجيات الكلاسيكية والحديثة، أي مئات إن لم تكن آلاف القصص القصيرة؛ عربية وروسية وأميركية وأفريقية ويابانية وصينية، وبالطبع قصصا كثيرة لكتاب من أميركا اللاتينية، وقد أعجبتني من بينها مثلا أنطولوجيا بعنوان (قصص لاتينوأمريكية جديدة) من إعداد وتقديم خوليو أورتيغا".
وأرجع سبب رجحان كفة القصص القصيرة في قراءاته عام 2025، لازدحام وقته بالانشغالات الوظيفية والعائلية والثقافية والسفر وغيرها. وأوضح محسن الرملي في ختام حديثه للجزيرة نت، أن من إيجابيات هذه القراءات أنها أعادته وحفزته إلى مراجعة مسودات سابقة من كتاباته لقصص قصيرة، وكتابة أخرى جديدة، ليختار في النهاية بعضها ويصدرها في مجموعة قصصية بعنوان "آخر القرويين"، وهي كما يقول مجموعة لها خصوصية عنده شكلا ومضمونا، ويعتبرها ناضجة ويعتز بها، وهو في النهاية راض عما قرأه وكتبه ونشره هذا العام.
من الاكتشاف إلى التغلغل في الوجدانبدوره، أشار الكاتب والناقد التونسي المقيم بالدوحة عامر بوعزة إلى أنه خلال عام 2025 قرأ كتبا كثيرة أغلبها في مجال السرد، وأن ثلاثة أعمال شدت انتباهه كثيرا لما تميزت به من تفرد وتوغل بعيد المدى في مناطق الإبداع وتفرد الرؤيا.
إعلان
ومن بين هذه الأعمال الإبداعية رواية "دفاتر الجيلاني ولد حمد" للكاتب التونسي الصحبي الكرعاني، التي وصفها بأنها رواية ملحمية وسيرة مكان، تقدم إضافة كبيرة لما أطلق عليه تسمية "رواية ريف القيروان"؛ ذلك أن في تجارب حسونة المصباحي والحبيب السالمي والمنصف الوهايبي والصحبي الكرعاني، مدونة تتصل بالمكان اتصالا وثيقا وتستمد من وهج الانتماء إليه وعمق جذوره مجالا سرديا يتراوح من الواقعية إلى الفانتازيا.
وأضاف أن مجموعة "تعال أيها السأم!" للكاتب التونسي وليد أحمد الفرشيشي أثارت اهتمامه، معتبرا أنها "مجموعة مربكة فعلا لأنها تقدم قراءة ساخرة وثائرة لواقعنا دون أن تتنازل عن الشرط الفني والجمالي"، وهي برأيه، من أهم الأعمال القصصية التي ظهرت في الآونة الأخيرة لا سيما من جهة مقاربتها الواقع الراهن وجرأتها في التهكم من أحداث اليوم.
ولفت بوعزة أيضا إلى عمل روائي بعنوان "الحدث" للكاتبة الفرنسية آني أرنو الحاصلة على جائزة نوبل للأدب عام 2022، التي تمتاز برؤية فريدة للرواية انطلاقا من فلسفة اجتماعية صاغتها من تجربة حياتها؛ فهي تؤمن بأنه لا وجود "لأشخاص بسطاء"، فكل شخص هو بالضرورة شخصية روائية، وانطلاقا من هذا بنت عالمها الروائي بعد هدم المسافة التي يقيمها النقاد بين الرواية والسيرة نهائيا. وأكد أن مثل هذه القراءات تغير نظرتنا إلى العالم وإلى الأشياء المحيطة بنا وإلى الأحداث التي نعاصرها، فكل قراءة ترقى إلى مستوى الاكتشاف تتغلغل في الذاكرة والوجدان.
أما المترجم السوري المقيم في فرنسا معاوية عبد المجيد فبيّن أنه في بداية عام 2025، خطر له أن يقرأ رواية "أربطة" للكاتب الإيطالي الكبير دومينيكو ستارنونه، الصادرة عن دار الكرمة، ومن ترجمة المترجمة المصرية القديرة والبارزة الراحلة الدكتورة أماني فوزي حبشي -رحمها الله- التي رحلت عن عالمنا في التاسع من ديسمبر/كانون الأول لهذا العام نفسه.
وأوضح أن المترجمة أماني فوزي حبشي أثرت المكتبة العربية بعدد كبير من الروايات الإيطالية، والكتب التي تُعنى بالثقافة الإيطالية بصورة عامة، معتبرا أن رواية "أربطة" حصلت على ثناء من قراء النخبة، المعنيين بقراءة الأدب ونقده واستلهامه، وشعبية لدى القراء أجمعين؛ وقد تحقق هذا في إيطاليا، بلد المنشأ، وفي العالم العربي على حد سواء.
وأضاف قائلا "تقع رواية (أربطة) في مئتي صفحة، وقد تُقرَأ في غضون يومين، لكنها ليست من الروايات الخفيفة، بل إن الأثر الذي تتركه لدى القارئ عميق وبالغ، لأنها تضع علاقاتنا العائلية والاجتماعية على المحكّ، وتجعل من عنوان الرواية نقيضا لمحتواها. فهذه الأربطة، التي يُراد منها تعزيز الأواصر بين الإخوة والأبوين، قد يكون مفعولها عكسيا، وتؤدّي إلى تهشم هذا الرباط المُقدس والذي لا غنى عنه، أو تُصوره وهو في أتعس حالاته على الأقل: فمثلما توحي صورة الغلاف، قد تعيق الأربطة حركتنا وسعادتنا إذا كانت معقدة بشكل سلبي وغير سليم".
وخلص عبد المجيد، الحاصل على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي التشجيعية عام 2018، إلى أن كل كتاب نقرؤه يضيف إلى ضميرنا شيئا ما، ونزداد بقراءته يقينا بأن الحياة صعبة، وأن إشكالياتها أعقدُ من العثور على حلول سحرية. إلا أننا نتبيَّن أن رؤيتنا صارت أوضح وأقوى، وأنها صارت مُعزَّزة بصوت يشير إلى العيوب المجتمعية، وينادي إلى حلّها، ويستشهد بما قرأناه أملا بتحويله إلى عبرة وقضية.
إعلان
في حين عدّت الكاتبة الفلسطينية ليانة بدر رواية "نصف شمس صفراء" لشيماماندا نغوزي أديتشي، رواية باهرة تحكي عن نيجيريا خلال حرب بيافرا، وتركت أثرا عميقا في حياتها. وقالت في حديثها للجزيرة نت "ظلت هذه الرواية في خاطري لأن ما وصفته من عذاب المدنيين وجنون القوة والتحطيم الأعمى للبلد من قبل طغمة عسكرية أبت أن ينال الشعب استقلالا جزئيا، ذكرني بما يدور في حرب الإبادة الجماعية في غزة من ظلم الاحتلال القائم على العنصرية والتعذيب؛ لم تغيرني الرواية بقدر ما تغلغلت في حياتي وكأنها تحكي الموازاة الجارية في الجوع والفقدان والتشتت والفقر".
وأكدت الكاتبة الحاصلة على جائزة فلسطين للأدب لعام 2024، أنها ارتاحت لأنها قرأت هذه الرواية، لأن دراسة في دورية صادرة عن جامعة أميركية قارنت بينها وبين روايتها "عين المرآة" باعتبار أن كليهما تدور حول الأرض الضائعة وتأثير الحرب على المرأة.
تنفس ولو من ثقب إبرةأما الشاعر الليبي سالم العالم فذكر أنه من الصعب في زماننا هذا أن تجد كتابا قادرا على إحداث أثر حقيقي، لكنه استذكر ثلاثيات الكاتب الفرنسي برنار فيربر بما فيها (ثلاثية النمل) و(ثلاثية القطط)، وباقي كتابات الكاتب التي صدرت كلها عن دار المدى والمرتبطة ببعضها في سردية خلابة.
وأشار إلى أن هذه الأعمال ما زالت تسكن ذاكرته وتحفز شغف القراءة لديه، وتستمر في إثارة الخيال وتحفيز التفكير في النفس البشرية وتعاملها مع الآخرين، والسبب هذا الكم المعرفي الذي احتوته هذه الروايات مع حبكتها الشيقة والمفيدة وتحليلها المعمق، وكذلك ربطها للفكر الإنساني عبر العصور، مع نظرة استشرافية للمستقبل. وشدّد على أن هذه السلسلة أعادت تشكيل آلية تعامله مع محيطه ومع الكثير من الأشياء وخاصة مع الكتب بصفته قارئا استشاريا في دار مسكيلياني للنشر.
وأكد العالم أنه بعد كل قراءة لأي كتاب تُضاف إلى ذاكرتنا ومخيلتنا معارف وصور ورؤى جديدة، وهذا برأيه مهم جدا للمشتغلين في حقل الكتابة الإبداعية وخاصة الشعرية. وأوضح أن القراءة بالنسبة له ككاتب وبالنسبة للمبدع عموما هي كالتنفس من ثقب الإبرة، واستحضر هذه الفاصلة الشعرية من ديوانه "محكيات"، التي يقول فيها "تنفس.. ولو مرة من ثقب إبرة../ واغرس أظافر رغبتك في الدنيا/ وانتزع لحظة تشكك من عمق اليقين/ اضحك على أفكار اليسار وع اليمين/ وانتصر/ خليك في عصر المذلة حر/".
خصومة الفلسفة والشعرمن ناحيته أشار الكاتب والشاعر اللبناني شربل داغر إلى أنه يفتقد في قراءاته المتعة الصافية من أي نفع، ما دامت بحوثه هي التي تستدعي قراءاته في الغالب. واستدرك قائلا "غير أن ما حصل معي في الأسابيع الأخيرة مختلف، إذ وجدتُ في مكتبتي -بالمصادفة- كتابا اشتريتُه قبل سنوات بعيدة من دون أن أُقلب أوراقه أبدا؛ إنه كتاب (الجمهورية) لأفلاطون، وفي ترجمة فرنسية متأخرة. وما إن أقبلتُ على القراءة فيه حتى تأكد لي بأنني لن أنقطع عنه، إذ إن ما تكشَّف لي فيه أثار متعتي كما معارفي، وحرضني على التساؤل والبحث في الشعر كما في الفلسفة".
ولفت إلى أن المدهش في المحاورة أنها صالحة للقراءة اليوم من دون عائق كبير، إذ إننا -لو وضعنا الإحالات إلى هوميروس وأوديسيوس وزيوس وغيرهم- لا نجد صعوبة في تتبعها: تجري كما لو أننا في محاورة حية تحت أسماعنا، وأكاد أقول: تحت أنظارنا، لما فيها من تمسرح باد وغير متقطع. وأوضح أنه لذلك يتفهم مساعي الفلاسفة الأوروبيين الثابتة والمتجددة بالعودة إلى هذا الكتاب: إنه بدء بناء الفلسفة في نظام، في نسق، كلي وجامع. وهو نظام، ما دام يتناول مأمولات العيش العادل في المدينة وانتظام الحُكم.
ولاحظ أن ما استوقفه في هذا الكتاب خاصة، هو هذه الخصومة التي تبدت بين هذا النظام وبين الشعر والشعراء في "تربية" حراس-حكماء المدينة "العادلة": الشعراء "يُفسدون" هذه التربية، ما عنى خصومة أولى -وفق التاريخ الفلسفي المعروف* مع خيارات القصيدة وتعبيراتها في المجتمع. وهي خصومة أولى، لكنها تشير إلى خصومات تالية، سواء في الشعر العربي، أو في الشعر الأوروبي المتأخر. إلا أن الأكيد هو أن أبا نواس وبودلير وجماعة "ملعوني" الشعر أينما كانوا أعادوا الشعر إلى المدينة، وجعلوه في برامج الدرس المدرسي والفلسفي، وأشاعوه في الذائقة العامة، في المجتمعات الحالية، بخلاف ما قاله الفيلسوف الحكيم.
إعلان
وخلص الشاعر الفائز بجائزة أبو القاسم الشابي في تونس عام 2024، إلى أن هذه القراءة محرضة له على غير صعيد، ولعلها ستحفزه في قادم الأيام على إنجاز ما يفكر فيه، ابتداء من هذا الكتاب، وهو "مصير" الشعر في القصائد وفي المجتمعات، ومنه في حاضرنا العربي.
إقرأ المزيد


