"بعد الصيد".. جوليا روبرتس في مواجهة أخلاقية مؤجلة
الجزيرة.نت -

Published On 4/1/2026

|

آخر تحديث: 16:31 (توقيت مكة)

شارِكْ

يُعد المخرج الإيطالي لوكا جوادنينو واحدا من أبرز الأصوات السينمائية المعاصرة، إذ ارتبط اسمه خلال العقد الأخير بأفلام مميزة جعلته حاضرا باستمرار في دوائر النقاش النقدي السينمائي.

في فيلمه الجديد "بعد الصيد" (After the Hunt) يواصل جوادنينو عمله على المناطق الرمادية أخلاقيا، لكن هذه المرة داخل فضاء أكاديمي مغلق، عبر قصة تتقاطع فيها الاتهامات والسلطة وصعود وهبوط حركة "أنا أيضا" (Me Too) النسوية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

الفيلم من بطولة جوليا روبرتس، وآيو إيديبيري، وأندرو غارفيلد، إلى جانب مايكل ستوهلبارج وكلوي سيفيني، ويقدم مواجهة درامية مشحونة بين أستاذة جامعية وطالبتها وزميل أكاديمي، وقد عُرض لأول مرة عالميا ضمن فعاليات مهرجان فينسيا السينمائي الدولي، قبل أن يُعرض في مهرجان نيويورك السينمائي، ثم على منصة برايم.

ألما: امرأة من جيل الصمت

تدور أحداث "بعد الصيد" داخل حرم جامعة "ييل" النخبوية، حيث تعيش أستاذة الفلسفة ألما (جوليا روبرتس) حالة من الاضطراب بعد أن تتهم طالبة شابة تُدعى ماجي (آيو إيديبيري) أحد الأساتذة -صديق ألما- هانك (أندرو غارفيلد) بالتحرش الجنسي، وهو الاتهام الذي لا يبقى في إطار شخصي، بل يتحول سريعا إلى أزمة مؤسسية تهدد سمعة الجامعة، وتضع كل الأطراف تحت ضغط أخلاقي وإعلامي متصاعد.

ومع تصاعد الأحداث، تجد ألما نفسها عالقة بين ولائها لصديقها هانك، ومخاوفها تجاه مكانتها العلمية وسمعتها التي قد تتدمر لو قامت بخطوة واحدة خطأ، وتعاطفها مع الطالبة، لتتحول القضية من سؤال حول إذا ما كانت الجريمة قد وقعت بالفعل، إلى نقاش أوسع حول السلطة والحدود الأخلاقية داخل بيئة يُفترض أنها قائمة على العقلانية والعدالة.

ورغم أن ضحية الاعتداء ماجي، التي حركت كل هذه المياه الراكدة في الحبكة، فإنها ليست الشخصية الرئيسية، بل ألما، بوصفها نتاجا لجيل مختلف تماما عن الجيل الذي تنتمي إليه ماجي، جيل نشأت فيه النساء داخل مؤسسات أكاديمية لم تكن تعترف بالاعتداء الجنسي بوصفه جريمة، بل باعتباره أمرا يمكن تجاهله أو التعايش معه حفاظا على المسار المهني.

إعلان

ألما نفسها خاضت معركتها الشخصية والأكاديمية في ظروف قاسية، واضطرت خلالها إلى الصمت والتنازل، إن لم يكن عن اعتداء جنسي، فكان عن تحامل ضدها بصفتها امرأة تعمل في حقل أكاديمي صعب، داخل منظومة لم تكن ترحب بالنساء أصلا، مما يجعل تجربتها الذاتية حاضرة بقوة في طريقة نظرها إلى اتهام ماجي.

لم يحول الفيلم ألما إلى شخصية شريرة، لكنه يضعها في موقع نفسي معقد، فهي تحمل داخلها تحاملا غير معلن -حتى أمام نفسها- تجاه طالبة ترى أنها تحظى اليوم بامتيازات وحماية لم تكن متاحة لها في الماضي، وفي الوقت نفسه تعجز عن الاعتراف بهذا الشعور خوفا على صورتها العامة وسمعتها الأخلاقية.

ألما، من هذا المنظور، ليست خصما مباشرا لماجي، بل شخصية عالقة بين ماضيها الشخصي، وتاريخ مجتمع كامل، وحاضر لم تستوعبه بعد، مما يجعل صراعها الداخلي أحد أكثر عناصر الفيلم ثراء وإشكالية.

"أنا أيضا" كإجراء شكلي

يطرح الفيلم قراءة نقدية واضحة لكيفية تحوّل خطاب "أنا أيضا" (Me Too) داخل المؤسسات إلى منظومة شكلية مفرغة من معناها، حيث تُرفع الشعارات وتُستدعى القيم الأخلاقية بوصفها واجهة أكثر منها ممارسة فعلية.

في عالم فيلم "بعد الصيد" تبدو آليات التعامل مع الاعتداء منظمة وقانونية ومليئة بالإجراءات، لكنها في جوهرها مصممة لحماية المؤسسة ومن يشغلون مواقع السلطة داخلها، لا لحماية الناجيات أنفسهن، فالاجتماعات واللجان وصياغة البيانات لا تُدار بدافع البحث عن العدالة، بل بدافع تقليل الخسائر، وتجنب الفضيحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وضمان استمرار النظام كما هو.

وبهذا يفصح الفيلم عن مفارقة قاسية: الاعتراف النظري بحقوق النساء لا يعني بالضرورة توفير أمان حقيقي لهن، بل قد يتحول أحيانا إلى عبء إضافي يُطلب من الناجية أن تحمله وحدها، بينما ينشغل المسؤولون والمسؤولات بإعادة ترتيب صورتهم العامة والنجاة الفردية من المساءلة.

يفتح "بعد الصيد" بابا مهما للنقاش حول التقاطعية (Intersectionality)، لا سيما تلك التي تجمع بين الجندر والعرق، فشخصية ماجي تؤديها الممثلة آيو إيديبيري -وهي امرأة سمراء- لا تواجه فقط الاتهام والتحقيق داخل إطار الفيلم، بل تصبح أيضا محور نقاشات خارج الشاشة حول تمثيل الأقليات.

فيلم "بعد الصيد"، على الرغم من أهمية موضوعه وحساسيته، يفتح عددا كبيرا من القضايا دفعة واحدة (آي إم دي بي)

هذا البعد يخرج بالفيلم من كونه مجرد دراما جامعية محصورة في مكان واحد، إلى نقطة تلاقٍ بين الخطاب الاجتماعي العام وما يعيشه الأفراد الذين يحملون هويات متعددة وحساسة في حياتهم اليومية.

تجسّد هذا التوتر أيضا في إحدى اللحظات الإعلامية المحيطة بالفيلم خلال عرضه في مهرجان فينسيا السينمائي الدولي، إذ أثارت مراسلة إيطالية جدلا واسعا خلال لقاء صحفي مع فريق العمل، عندما طرحت سؤالا عن حركات مثل "أنا أيضا" و"حياة السود مهمة" (Black Lives Matter)، ووجهته فقط إلى جوليا روبرتس وأندرو غارفيلد، مستبعدة آيو إيديبيري رغم أنها الممثلة الوحيدة في الجلسة التي تمثل تقاطعية الجندر والعرق التي يتعلق بها السؤال.

إعلان

ورغم استغراب روبرتس والممثلين الآخرين من صياغة السؤال، حاولت الصحفية تكراره بالطريقة نفسها، مما دفع إيديبيري إلى الرد طواعية على الرغم من استبعادها الظاهر؛ إذ قالت إنها لا تعتقد أن حركات مثل "أنا أيضا" و"حياة السود مهمة" انتهت، وإن العمل اليوم ما زال جاريا رغم انخفاض ظهوره الإعلامي، مؤكدة أن الجهود مستمرة في مكافحة الظلم والتمييز.

هذا الموقف ليس مجرد حادث عابر، بل يعكس الطريقة التي يتعامل بها البعض مع قضايا التقاطعية في الحوارات العامة، وانعكاسا لما حدث داخل أحداث الفيلم، كما لو أن الحياة الواقعية تقلد الفن بصورة غير واعية.

يمكن القول في الختام إن فيلم "بعد الصيد"، على الرغم من أهمية موضوعه وحساسيته، يفتح عددا كبيرا من القضايا دفعة واحدة، ويتعامل معها عبر حوار فلسفي مكثف يميل أحيانا إلى السفسطة أكثر من الاشتباك الدرامي الحاسم. الفيلم منشغل بالأسئلة الأخلاقية الرمادية أكثر من انشغاله بإجابات واضحة أو مواقف قاطعة، وهو خيار فني ليس بالضرورة سلبيا، بل قد يكون مقصودا في سينما تراهن على الجدل والتفكير.



إقرأ المزيد