الجزيرة.نت - 1/4/2026 5:08:18 PM - GMT (+3 )
Published On 4/1/2026
|آخر تحديث: 16:41 (توقيت مكة)
شارِكْ
بعد إغلاق تام لأكثر من عامين، فتح المتحف القومي السوداني في الخرطوم أبوابه مجددا أمام الزوار، ولكن بصيغة افتراضية، عقب إعادة تكوين دقيقة لمجموعاته الثمينة التي فُقِد القسم الأكبر منها، إذ دُمِّر وتعرض للنهب في الأشهر الأولى من الحرب التي تعصف بالسودان منذ أبريل/نيسان 2023.
وفي الموقع نفسه، لم يبقَ من القطع الأثرية التي كانت مخزنة في المتحف منذ إنشائه في خمسينيات القرن الـ20، والبالغ عددها نحو 100 ألف قطعة، سوى النزر اليسير، إذ لم يترك اللصوص سوى ما يصعب نقله، مثل جداريات المعابد التي نقلت أثناء بناء سد أسوان أو تمثال الفرعون الأسود "تهارقا" الضخم، حيث يقف الملك الذي حكم مملكة كوش القديمة طوال أكثر من عقدين، وحيدا في فناء متحف السودان القومي بالخرطوم، فلم يعد محاطا بزوار معجبين أو باحثين متأملين، بل بحطام تماثيل أخرى وزجاج صناديق عرض مهشمة.
وقالت رئيسة لجنة استعادة الآثار المنهوبة ومسؤولة المتاحف في الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية، إخلاص عبد اللطيف، لوكالة الصحافة الفرنسية، خلال الإعلان عن المشروع المدعوم من متحف اللوفر الفرنسي وجامعة درم البريطانية: إن "الخيار الافتراضي كان الوحيد الممكن".
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية، في المرحلة التي حصلت فيها أعمال النهب، شاحنات محمّلة بالكنوز تتجه نحو إقليم دارفور الواسع في الغرب، والخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع، غير أن الأبحاث بمساعدة "الإنتربول" لم تُسفر طوال هذه المدة إلا عن نتائج محدودة.
وفي مارس/آذار 2025، وطأت أقدام موظفي قطاع الآثار أرض المتحف للمرة الأولى منذ عامين، بعد أن استعاد الجيش السيطرة على وسط العاصمة. وكانت الصدمة تفوق كل تصور، إذ فوجئوا بحجم الدمار الذي شمل معروضات لا تقدر بثمن. وكانت الفاجعة الكبرى هي "غرفة الذهب" التي كانت تضم "مقتنيات لا تقدر بالمال.. قطعا من ذهب خالص من عيار 24، يعود عمر بعضها إلى نحو 8 آلاف عام".
إعلان
وذكّرت عضو الوحدة الفرنسية الدائمة للآثار في السودان، فايزة دريسي، بأن "متحف الخرطوم كان حجر الزاوية في صون التراث السوداني"، ملاحظة أن "الأضرار هائلة"، لكنها أكدت أن "الصيغة الافتراضية تتيح إعادة تكوين المجموعات المفقودة والاحتفاظ بذاكرة واضحة".
وعملت الباحثة وعالمة الآثار لأكثر من عام على إعادة تكوين المحتوى المفقود ضمن قاعدة بيانات، استنادا إلى قوائم رسمية مجتزأة، ودراسات منشورة لباحثين، أو صور ملتقطة خلال بعثات التنقيب. أما المصمم الغرافيكي "مارسيل بيري"، فحاول بواسطة الحاسوب إحياء أجواء المتحف، وهندسته المعمارية، وتأثيرات الإضاءة، وترتيب واجهات العرض فيه.
زيارات افتراضيةومنذ الأول من يناير/كانون الثاني، يتيح "المتحف الافتراضي للسودان" عبر الإنترنت استكشاف القطع المجمّعة من المواقع الأثرية في وادي النيل ضمن فضاء غرافيكي. وعلى المدى البعيد، ستجمع قاعات المتحف الثلاثية الأبعاد، المصمّمة ارتكازا على المخططات والصور الأصلية، أكثر من ألف قطعة أثرية من موروث الممالك الكوشية القديمة.
وفي أواخر عام 2026، ستُتاح زيارة "الغرفة الذهبية" الشهيرة للمتحف عبر الإنترنت، بما تضمه من حُلي وقطع من الذهب الخالص التي نهبها اللصوص.
اندلعت الحرب بين الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أبريل/نيسان 2023، لتقسم البلاد وتخلف عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين.
وفي خضم هذه المأساة، وجهت الحكومة السودانية اتهاما مباشرا لقوات الدعم السريع "بتدمير آثار ومقتنيات تؤرخ للحضارة السودانية الممتدة على مدى 7 آلاف عام"، معتبرة ذلك "جريمة حرب"، وهي تهم تنفيها قوات الدعم السريع.
هذا النهب الممنهج دفع منظمة الأمم المتحدة للثقافة (اليونسكو) في نهاية العام الماضي إلى إطلاق نداء عالمي، دعت فيه الجمهور إلى الامتناع عن الاتجار بالقطع الأثرية، مشددة على أهمية ما كان يحويه المتحف من "قطع أثرية مهمة وتماثيل ذات قيمة تاريخية ومادية كبيرة".
إقرأ المزيد


