لماذا اختلفت نيويورك تايمز وواشنطن بوست حول قراءة هجوم فنزويلا؟
الجزيرة.نت -

في أبرز تجليات الانقسام بالولايات المتحدة إزاء العملية العسكرية في فنزويلا وخطوة الرئيس دونالد ترامب باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادرور وزوجته، تباينت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست الأميركيتين على نحو عميق في النظر إلى الحدث المفصلي.

وترى نيويورك تايمز أن تحرك ترامب مغامرة غير قانونية وخطيرة، وربما تتسبب في فوضى إقليمية، أما واشنطن بوست فاعتبرت اعتقال مادورو تفوقا وعملية جريئة تخدم المصالح الأميركية.

وللانقسام في الشارع الأميركي -الذي لا يستبعد مراقبون أن يتفاقم ويترك آثاره الوخيمة- أسباب متعددة، لكن ما جذر اختلاف التوجه بين الصحيفتين العريقتين؟

افتتاحية نيويورك تايمز

وتحت عنوان "هجوم ترامب على فنزويلا غير قانوني وغير حكيم" كتبت هيئة التحرير في صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية تحذر من عواقب عودة الولايات المتحدة إلى المنطق العسكري والحسم بالقوة في معالجة الملفات الخارجية.

وخلصت إلى القول "إذا كان هناك درس شامل من السياسة الخارجية الأميركية خلال القرن الماضي، فهو أن محاولة الإطاحة حتى بأكثر الأنظمة بؤسا قد تجعل الأمور أسوأ، فقد أمضت الولايات المتحدة 20 عاما ولم تنجح في إنشاء حكومة مستقرة في أفغانستان، واستبدلت ديكتاتورية في ليبيا بدولة ممزقة. ولا تزال العواقب المأساوية لحرب العراق عام 2003 تطارد أميركا والشرق الأوسط".

وربما الأهم -تابعت الصحيفة- أن الولايات المتحدة زعزعت استقرار دول في أميركا اللاتينية -بما في ذلك تشيلي وكوبا وغواتيمالا ونيكاراغوا- عبر محاولات إسقاط حكومات بالقوة.

ورأت الصحيفة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يقدم تفسيرا متماسكا لخطوته في فنزويلا، وقالت إنه يدفع البلاد نحو أزمة دولية من دون أسباب وجيهة.

وأشارت الافتتاحية إلى أن خطوة ترامب خالفت الدستور الأميركي الذي ينص بوضوح على التوجه للكونغرس، واشتراط موافقته قبل الإقدام على مثل هذه العملية.

إعلان

وسخرت نيويورك تايمز من مبررات ما وصفتها بـ"مغامرات الإدارة العسكرية"، والتي تركزت على تدمير "إرهابيي المخدرات"، مضيفة "على مرّ التاريخ، وصفت حكومات قادة دول منافسة بالإرهابيين، سعيا لتبرير التوغلات العسكرية بوصفها عمليات شرطية".

وأضافت أن التبرير يثير السخرية، نظرا لأن فنزويلا ليست منتجا ذا شأن للمخدرات التي هيمنت على وباء الجرعات الزائدة في الولايات المتحدة، كما أن الكوكايين الذي تنتجه يتجه في معظمه إلى أوروبا.

وقالت إن التفسير الأكثر ترجيحا للهجمات على فنزويلا موجود في "إستراتيجية الأمن القومي" التي نشرها ترامب مؤخرا، والتي زعمت حق الهيمنة على أميركا اللاتينية.

واقتبست الصحيفة من الوثيقة ما يشير إلى السبب الجوهري للهجوم الأميركي "بعد سنوات من الإهمال، ستعيد الولايات المتحدة تأكيد وتطبيق مبدأ مونرو لاستعادة التفوق الأميركي في نصف الكرة الغربي".

وخلصت نيويورك تايمز إلى أن فنزويلا أصبحت أول دولة تخضع لهذا الشكل المستجد من الإمبريالية، منوهة إلى أنه نهج خطير وغير قانوني لمكانة أميركا في العالم.

وأوضحت أن هجوم ترامب يوفر تبريرا لحكام سلطويين -وفق وصف الصحيفة- في الصين وروسيا وغيرها ممن يسعون للهيمنة على جيرانهم.

وأشارت إلى تناقض الرئيس الأميركي الذي انتقد حرب العراق ووصفها بالحماقة، وقال في عام 2024 "لن أبدأ حربا، وسأوقف الحروب"، مؤكدة تخليه عن هذا المبدأ.

وفصّلت الصحيفة في التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجم عن الهجوم عن فنزويلا، ومن بينها زعزعة أسواق الطاقة والغذاء العالمية، ودفع مزيد من المهاجرين عبر أنحاء نصف الكرة الغربي.

افتتاحية واشنطن بوست

أما صحيفة واشنطن بوست فقد عنونت افتتاحيتها بـ"العدالة في فنزويلا.. التحدي التالي هو تهيئة البلاد لنجاح طويل الأمد"، وقالت إن ملايين الأشخاص حول العالم، وفي فنزويلا على وجه الخصوص، يحتفلون بسقوط الديكتاتور -بوصف الصحيفة- نيكولاس مادورو.

ورأت أن إقدام ترامب على اعتقال مادورو يعدّ أحد أكثر قرارات الرؤساء الأميركيين جرأة منذ سنوات، واعتبرت العملية نجاحا تكتيكيا لا جدال فيه.

وأشادت الصحيفة بالقدرات العسكرية والاستخباراتية الأميركية ووصفتها بأنها "لا مثيل لها"، وقالت إن الهجوم يُعدّ نصرا كبيرا للمصالح الأميركية، مشيرة إلى أن العملية سبقها بساعات اجتماع ودي بين مادرور ومسؤولين صينيين داعمين، وكان مدعوما من روسيا وكوبا وإيران.

وقالت إن سقوط مادورو سيُعتبر فشلا إذا لم يؤدِّ إلى تقويض نفوذ خصوم أميركا في نصف الكرة الغربي، لافتة إلى أن سقوطه يبعث برسالة مهمة إلى من وصفتهم بـ"الطغاة الصغار" في أميركا اللاتينية والعالم.

وأوضحت أن الرئيس الفنزويلي الذي وصفته بـ"غير الشرعي" تمسك ببقائه في السلطة، رغم أن ترامب ألمح لأشهر إلى أنه لا يمكنه البقاء، وتساءلت "فما الذي يفكر فيه قادة إيران الآن وهم يدرسون كيفية التعامل مع احتجاجات واسعة ضد حكومتهم؟ وهل ينام الشيوعيون في كوبا بطمأنينة؟".

ثم ناقشت الافتتاحية سيناريوهات الهجوم الأميركي وتداعياته التي لم تستبعد احتمالاته السيئة، مبدية قلقها من المستقبل.

سرّ التباين بين الصحيفتين

ويمكن القول إن الاختلاف البنيوي في المعالجة الصحفية والنظر إلى الحدث السياسي الكبير بين صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست لا يعود إلى وصاية مباشرة وتحكم من إدارة ترامب، بل إلى مصالح كل من الصحيفتين والقائمين عليهما.

إعلان

وتستند نيويورك تايمز المملوكة لعائلة "سولزبيرجر" في مواردها إلى اشتراكات المتابعين، وتهتم بإرضاء جمهورها الذي يغلب عليه التوجه الليبرالي المناقض لسياسات ترامب والرافض لمنطق الحروب العسكرية غير القانونية في السياسة الأميركية.

أما واشنطن بوست المملوكة للملياردير جيف بيزوس، فإن تأييد العملية العسكرية في فنزويلا، يتسق مع "تاريخ الصقور" في مجلس تحرير الصحيفة، لكن الأهم بالنسبة لبيزوس هو دعم خطوات ترامب الذي يميل لاستخدام أدوات الدولة ضد خصومه، من أجل مصالح اقتصادية.



إقرأ المزيد