الجزيرة.نت - 1/5/2026 11:34:42 AM - GMT (+3 )
Published On 5/1/2026
|آخر تحديث: 11:01 (توقيت مكة)
شارِكْ
بيروت- في شوارع بيروت وأحياء مختلف المناطق اللبنانية، يلاحظ المواطنون مؤخرا حركة غير اعتيادية أمام المصارف وشركات تحويل الأموال، لا تعود إلى ازدحام موسمي أو نشاط سياحي، بل إلى إجراءات تنظيمية جديدة فرضتها السلطات اللبنانية على حركة النقد، بهدف تعزيز الرقابة المالية ومكافحة التدفقات النقدية غير المشروعة.
وبموجب هذه الإجراءات، يُطلب من المتعاملين تقديم حزمة من المعلومات الأساسية، من بينها إبراز إثبات الهوية، وتعبئة استمارات تفصيلية توضّح مصدر الأموال وطبيعة العمل وحجم النشاط ومصدر الدخل ومحل السكن. كما قد يُطلب إرفاق مستندات داعمة، مثل إيصالات تسديد الضرائب أو أي وثائق أخرى تُثبت مشروعية الأموال.
وأصبحت هذه القواعد إلزامية على المؤسسات المالية المرخصة، في محاولة لتقويم الأسواق المالية المتشابكة بين قانونية وغير قانونية، والالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال.
لكن في المقابل، يشعر كثير من اللبنانيين بأن هذه الخطوة تضيف عبئا جديدا إلى حياتهم اليومية، في بلد يعاني أصلا من أزمات اقتصادية متلاحقة.
ضغط وعملية معقدةفي منطقة الحمرا بالعاصمة، تنتظر ليلى عنتر، وهي مدرسة في إحدى المدارس الخاصة، دورها أمام نافذة إحدى شركات التحويل، وتقول للجزيرة نت "من الجيد أن تكون هناك رقابة على حركة الأموال، فهذا يمنع الفوضى المالية، لكن العملية معقدة وتستغرق وقتا طويلا، خصوصا عندما أحتاج إلى استلام مبلغ بسيط من عائلتي في الخارج".
وعلى الطرف الآخر من المدينة، يواجه حسن الخليل، صاحب محل تجاري صغير، صعوبات مماثلة، ويوضح للجزيرة نت "أصبح عليّ الاحتفاظ بالكثير من الأوراق والإيصالات، وأحيانا يرفضون صرف الأموال إذا لم تُستكمل كل التفاصيل، مما يعرقل أعمالنا ويزيد الضغط علينا".
إعلان
في المقابل، يرى سامر الأحمد، وهو موظف في أحد المصارف، أن هذه الإجراءات تمثل خطوة إيجابية من منظور قانوني ومالي، ويوضح في تصريح للجزيرة نت بالقول إن "معرفة مصدر الأموال ووجهتها تحمي المؤسسات المالية من المخاطر القانونية، وتجعل النظام أكثر شفافية".
إلا أن الواقع الميداني يشير إلى وجود ثغرات، خصوصا لدى الصرافين غير المرخصين الذين ما زالوا يمارسون نشاطهم خارج إطار القانون. ويقول علي مستو، صاحب محل صرافة تقليدية، إن على المواطنين التعامل بحذر، لأن أي خطأ قد يكلّفهم غرامات أو مشكلات قانونية، مشيرا إلى أن كثيرين يلجؤون إلى الصرافين غير النظاميين بسبب صعوبة الإجراءات الرسمية.
وبين التقدير لأهمية الرقابة المالية والانتقاد لما تسببه هذه الإجراءات من عراقيل يومية، يبدو أن لبنان يقف أمام مفارقة واضحة: تحقيق الانضباط المالي على الورق، مقابل تصاعد الضغط على المواطن العادي.
تحديات تدفق الأمواليرى الباحث الاقتصادي والسياسي اللبناني نبيل سرور -في حديث للجزيرة نت- أن القيود التي فرضتها السلطات اللبنانية على حركة الأموال وتحويلاتها تستحق دراسة دقيقة من زاوية التداعيات الاقتصادية.
ويؤكد سرور أن ضبط الأموال ومكافحة التحويلات غير المشروعة أو المشكوك في مصدرها أمر ضروري، خصوصا في سياق مكافحة غسل الأموال، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أهمية الأموال الخارجية، ولا سيما تحويلات اللبنانيين في الخارج، التي تشكل رافدا ماليا مهما للاقتصاد الوطني، وهي تساهم في تمويل مشاريع إنتاجية واستثمارية تنعش السوق المحلية.
ويشير إلى أن التشديد على هذه التحويلات، بما يشمل تقليل حركة الأموال النقدية عند المطار أو المعابر البرية، وإخضاع التحويلات للمساءلة القانونية، قد يحرم لبنان من موارد مالية مهمة، ويؤثر في الدورة الاقتصادية، ولا سيما في ظل شح السيولة وتراجع النشاط الاستثماري.
ويرى سرور أن الهدف الأساسي من هذه القيود قد يتركز على الحد من تمويل حزب الله من مصادر خارجية، لكنه يحذر من أن الإجراءات قد تطال أيضا المستثمرين اللبنانيين ورجال الأعمال الذين يسعون إلى تمويل مشاريع إنتاجية، مما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار المحلي وإضعاف الحركة الاقتصادية.
رقابة ماليةمن جانبه، يقول الخبير والباحث الاقتصادي عماد فران، للجزيرة نت، إن القرار الجديد يأتي بعد سلسلة تحذيرات من الهيئات الرقابية، وضغوط أميركية مباشرة للحد من تبييض الأموال، في ظل اتهامات سابقة وحالية للبنان ومصارفه، واعتبار التدابير التي يتبعها المصرف المركزي غير كافية لضبط الحركة المالية.
ويشير فران إلى أن الأبعاد السياسية للقرار لا يمكن تجاهلها، خاصة في ما يتعلق بالحد من تدفق الأموال إلى حزب الله، والاتهامات الموجهة للبنان باعتباره سوقا للتداول غير المعلن عبر الذهب والعملات المشفرة.
ويضيف أن هناك محاولات جادة للحد من الاعتماد على النقد، والتحول تدريجيا نحو التعاملات الإلكترونية، مع تشديد متطلبات الإفصاح عن مصادر الأموال المحوّلة، بما يعزز الرقابة المالية، ويرفع مستوى الشفافية، ويقلل المخاطر القانونية على المؤسسات المالية والأفراد.
تحكم ماليويرى الخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية والمصرفية علي نور الدين -في حديثه للجزيرة نت- أن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لتصنيف مجموعة العمل المالي، حتى لو كان الخطر محدودا حاليا، يفتح الباب أمام احتمالات تدهور التصنيف لاحقا إلى مستويات أكثر خطورة، في ظل انتشار اقتصاد النقد (الكاش) في البلاد نتيجة الأزمة المصرفية، مما يجعل لبنان بيئة خصبة لغسل الأموال.
ويضيف نور الدين أن القيود الجديدة التي طالت الصرافين وشركات تحويل الأموال والمؤسسات المالية المرخصة جاءت في هذا السياق، بهدف ضبط حركة الأموال ومراقبة مصادرها، وأما تأثير هذه الإجراءات على السوق النقدية، فيعتمد على مدى تشدد تطبيقها.
إعلان
- الأول: تبقى القيود على حركة الأموال محدودة ومقتصرة على التصريح عن مصادر الأموال، كما كان يحصل سابقا مع المبالغ الكبيرة، وهو السيناريو المرجح حاليا، ولن يؤثر على التوازنات النقدية في السوق.
- الثاني: تتحول الإجراءات إلى قيود صارمة تشمل مختلف عمليات القطع (الجرد المالي) والتحويل، مما قد يؤدي إلى تشوهات في السوق النقدية، شبيهة بما حصل في تجارب إقليمية سابقة، مع ظهور اختلالات في سعر الصرف، وتأثير على المعروض من الدولار.
ويستبعد نور الدين وصول الوضع إلى هذا الحد، مؤكدا أن الإجراءات الحالية تهدف أساسا إلى الامتثال للضغوط الخارجية، من دون المساس بالاستقرار النقدي في السوق المحلية.
إقرأ المزيد


