الجزيرة.نت - 1/8/2026 11:39:59 AM - GMT (+3 )
Published On 8/1/2026
|آخر تحديث: 11:29 (توقيت مكة)
شارِكْ
في عالم تقاس فيه القوة بالتماسك والقدرة على الاحتمال، يواجه الرجال الضغوط اليومية بصلابة، دون شكوى أو تذمّر. وهذه الصورة الخارجية تخفي، في حالات كثيرة، إرهاقا داخليا يتراكم بصمت، ويتحوّل إلى عبء نفسي وجسدي ثقيل لا يُرى ولا يُناقَش.
وتسمى هذه الحالة "الإرهاق الصامت"، ولا تقتصر على التعب الجسدي الناتج عن العمل المتواصل، بل تمتد إلى إنهاك نفسي طويل الأمد، تغذّيه ثقافة اجتماعية تُمجّد الصبر وتُجرّم الاعتراف بالتعب، خصوصا لدى الرجال.
منذ الطفولة يُربّى كثير من الرجال على رسائل متكررة مثل: "كن قويا"، "لا تُظهر ضعفك"، "الرجال لا يشتكون". ومع الوقت تتحول هذه العبارات إلى منظومة قيم كاملة تُعرف في علم الاجتماع بـ"الذكورية المهيمنة"، وهي ثقافة تشدّد على الصلابة والاستقلال العاطفي وتحمل المسؤولية دون طلب الدعم.
في هذا السياق لا يُنظر إلى التعب بوصفه حالة إنسانية طبيعية، بل لكونه "إخفاقا شخصيا" أو "تهديدا" لصورة الرجولة، لذلك يفضّل الرجل الصمت أو إخفاء إرهاقه خلف قناع الانشغال والقوة، حتى عندما يصبح التعب واضحا ومؤثرا على حياته.
على المستوى البيولوجي يطلق الجسد البشري -خصوصا في حالات الضغط المرتفع- دفعات من الأدرينالين تمنح طاقة مؤقتة تُعرف بـ"النفَس الثاني"، وهذه الاستجابة قد تجعل الرجل يبدو أكثر تركيزا وحدة وصلابة، بينما يكون في الحقيقة عند حافة الإنهاك.
لكن هذا الحل المؤقت له ثمن؛ فالإرهاق المزمن يرفع مستويات التوتر ويؤثر في جودة النوم ويُضعف المناعة، وقد يتجلّى في أعراض جسدية مثل الصداع المستمر وتوتر العضلات أو اضطرابات الهضم.
ومع تجاهل هذه الإشارات يتحول التعب إلى حالة مزمنة يصعب التعامل معها لاحقا.
لماذا لا يعترف الرجل بتعبه؟تشير دراسات نفسية إلى أن الرجال أقل ميلا من النساء لطلب الدعم النفسي أو الحديث عن مشاعرهم، ليس لغياب الألم، بل للخوف من "الوصم الاجتماعي". فالاعتراف بالإرهاق يُفسَّر في كثير من البيئات ضعفا أو تقصيرا.
إعلان
وإلى جانب الضغط الاجتماعي من أجل عدم إظهار الضعف، تشير أبحاث الصحة النفسية إلى أن الأعراف التقليدية للذكورة نفسها تشكّل عثرة أمام الاعتراف بالإرهاق والتعب، وتؤثر على سلوك الرجال تجاه صحتهم النفسية، وهذه القواعد الثقافية تتداخل مع الخوف من الحكم الاجتماعي، مما يزيد من ابتعاد الرجل عن الدعم الطبي والاجتماعي.
لذلك لا يقول الرجل "أنا منهك"، بل يستبدل بها جملا تبدو عابرة، لكنها تحمل بين طياتها إرهاقا عميقا، مثل:
- "أنا فقط مشغول قليلا هذه الفترة".
- "لم أنم جيدا الليلة الماضية".
- "أنا بخير، فقط أركّز على العمل".
- "أعمل أفضل تحت الضغط".
- "أستطيع تحمّل الأمر".
- "كان يوما طويلا لا أكثر".
- "دعني أنهي هذا الشيء فقط".
وهذه العبارات ليست إنكارا واعيا دائما، بل هي آليات دفاع تحمي صورة الذات وتؤجل مواجهة التعب بدل معالجته.
كما تُظهر أبحاث أخرى أن الرجال قد يعبرون عن التعب النفسي بطرق غير مباشرة تختلف عن التعبير اللفظي، مثل زيادة التوتر والانفعال الزائد أو اللجوء إلى العمل المفرط في محاولة لإلهاء الذات.
وتشير مستشفى "مايو كلينك" (Mayo Clinic) إلى أن الرجال غالبا ما يستخدمون أساليب تأقلم غير صحية -مثل الإفراط في العمل أو التدخين أو سلوكات أخرى مضرة- لإخفاء أعراض الاكتئاب أو الإرهاق، التي قد لا تُشخّص بسهولة لأنها لا تظهر على شكل حزن مباشر بقدر ما تكون أعراضا جسدية أو سلوكية.
وهذا النمط من التعبير عن الإرهاق يجعل من الصعب على الأفراد والمختصين التعرف على عمق الإرهاق الذي يعانيه الرجل، مما يفاقم مشكلته ويطيل أمدها دون تدخل مناسب.
الصراع الداخليمع تراكم الضغوط وغياب المساحة الآمنة للتعبير، يظهر الإرهاق الصامت في سلوكات غير مباشرة، مثل الانسحاب الاجتماعي أو الغضب المفاجئ أو البرود العاطفي أو الاندفاع المفرط نحو العمل هربا من المشاعر المؤجلة.
وقد يكون الرجل حاضرا جسديا لكنه غائب ذهنيا، يفي بالتزاماته كلها ويساعد الجميع، لكنه يعجز عن الاعتراف بأنه هو نفسه بحاجة إلى دعم.
الاعتراف بالإرهاق لا يعني التخلي عن المسؤوليات، بل هو إعادة حملها بطريقة أكثر إنسانية. وتشير المؤسسات الصحية والنفسية إلى أن الخطوة الأولى تبدأ بالحديث عن التعب، وفصل الرجولة عن الصمت القسري. ويتطلب كسر هذه الدائرة ما يلي:
- فتح حوارات مع الرجال بعيدا عن الأحكام، والإنصات دون محاولة "الإصلاح".
- تشجيع طلب الدعم المهني بدل الاكتفاء بالنصائح التحفيزية.
- إعادة تعريف القوة بوصفها قدرة على الوعي بالذات وطلب المساندة عند الحاجة.
وفي النهاية فإن الإرهاق الصامت ليس دليل قوة، بل هو علامة إنذار، والقوة الحقيقية لا تكمن في الصمود بلا توقف، بل في معرفة متى نتوقف ومتى نطلب العون ومتى نعترف بأننا -ببساطة- بشر.
إقرأ المزيد


