أسباب تجدد العنف العشائري في دولة جنوب السودان
الجزيرة.نت -

Published On 8/1/2026

|

آخر تحديث: 11:48 (توقيت مكة)

شارِكْ

جوبا- مع حلول موسم الجفاف في جنوب السودان، تتجدد موجات العنف العشائري التي تحصد عشرات الأرواح، وتزيد من هشاشة الوضعين الأمني والإنساني في بلد لا يزال يعاني من آثار صراعات طويلة الأمد، ويُعد هذا العنف الموسمي أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود الاستقرار وبناء السلام في الدولة الفتية.

ويمتد موسم الجفاف عادة من ديسمبر/كانون الأول إلى مارس/آذار، وخلاله تتحرك المجتمعات الرعوية، خاصة من قبيلتي الدينكا والنوير، نحو مناطق المستنقعات المعروفة محليا بـ"التوج"؛ بحثا عن المراعي والمياه لأبقارها، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد والمعيشة في هذه المجتمعات.

بيد أن هذا الانتقال الموسمي غالبا ما يتم في ظل غياب تنظيم واضح أو آليات تنسيق فعّالة بين المجتمعات المختلفة، ما يؤدي إلى احتكاكات متكررة حول ملكية المراعي وحق الانتفاع منها.

العنف العشائري بجونقلي يجبر الالاف على الفرار إلى مقرات البعثة الاممية ( بعثة الامم المتحدة – أرشيف)
عنف ومواجهات

ومع انتشار المعسكرات المؤقتة وتداخل مناطق الرعي، تتحول الخلافات سريعا إلى مواجهات مسلحة، تنتهي في كثير من الأحيان بغارات لنهب الأبقار، وتغذي دوامة من العنف والانتقام المتبادل.

ويربط مراقبون تصاعد العنف العشائري في جنوب السودان بجملة من العوامل المعقدة والمتشابكة، يأتي في مقدمتها الانتشار الواسع للسلاح في أيدي المدنيين، إذ أصبح الحصول على الأسلحة أمرا يسيرا في العديد من المناطق الريفية، ما جعل النزاعات المحلية أكثر دموية واتساعا مقارنة بالماضي.

وفي هذا السياق، قال دانيال ماوين، الباحث في مركز دراسات السلام بجامعة جوبا، في حديثه لـ"الجزيرة نت"، إن "تصاعد العنف العشائري يعود إلى عدة عوامل رئيسية، من بينها انتشار السلاح وسط المدنيين، الأمر الذي يحوّل الخلافات التقليدية إلى مواجهات دامية، فضلا عن غياب خطط تنموية فعالة في المناطق الريفية".

إعلان

وأضاف ماوين أن ارتفاع معدلات الفقر والأمية، إلى جانب انعدام الفرص الاقتصادية، يدفع أعدادا متزايدة من الشباب إلى الانخراط في أعمال العنف، في ظل شعور متنام بالتهميش وغياب الأفق.

أسباب تصعيد العنف

ولا تقف الأسباب عند هذا الحد، إذ يشير الباحث نفسه إلى أن التمزق الاجتماعي الناتج عن سنوات من الحرب الأهلية الطويلة أدى إلى تآكل الثقة بين المجتمعات المحلية، وعزز من الاستقطاب العرقي، ما يجعل تسوية النزاعات بطرق سلمية أكثر صعوبة.

إلى جانب النزاعات بين القبائل الرعوية، يتفاقم العنف نتيجة الصراع المتكرر بين الرعاة والمزارعين، خاصة في مناطق مثل ولاية واراب جونقلي والبحيرات والاستوائية  الوسطى، فالرعاة خلال موسم الجفاف يتجهون بأبقارهم نحو الأراضي الزراعية بحثا عن المياه والمراعي، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع المزارعين الذين يعتمدون على هذه الأراضي كمصدر أساسي للغذاء والدخل.

وتؤدي هذه المنافسة الحادة على الموارد الطبيعية إلى تصعيد العنف، لا سيما في ظل غياب تشريعات محلية فعّالة تنظم استخدام الأراضي والمياه، وضعف التنسيق بين السلطات المحلية، الأمر الذي يترك المجتمعات في مواجهة مباشرة دون أطر قانونية واضحة.

من جهته، يرى أدموند ياكاني، المدير التنفيذي لمنظمة تمكين المجتمع للتنمية، أن السنوات الثلاث الماضية شهدت "زيادة غير مسبوقة في موجات الاقتتال القبلي والعشائري"، مشيرا، في إفادته للجزيرة نت، إلى أن "التسييس المستمر للنزاعات، إلى جانب انعدام فرص العمل أمام الشباب في المناطق القروية، يُعد من أبرز أسباب تفجر العنف".

وأوضح ياكاني أن الشباب غالبا ما يتحولون إلى وقود لهذه الصراعات، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية قاسية، وغياب برامج حقيقية لتمكينهم وإدماجهم في مشاريع تنموية مستدامة.

مجموعة من المواطنين يغادرون قراهم إثر تجدد الاقتتال العشائري بولاية واراب ( بعثة الامم المتحدة – أرشيف) (الجزيرة)
آثار وتداعيات

ولا تقتصر آثار العنف العشائري على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وتشير تقارير إنسانية إلى أن أكثر من 300 ألف شخص نزحوا من مناطقهم خلال عام 2025 بسبب هذه الصراعات، ما فاقم الضغوط على المجتمعات المستضيفة، وزاد من أعباء المساعدات الإنسانية.

كما أدى تدمير الممتلكات الزراعية والحيوانية، خاصة نتيجة غارات نهب الأبقار، إلى فقدان آلاف الأسر لمصادر رزقها، في وقت يعاني فيه البلد أصلا من معدلات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.

وتسببت أعمال العنف المستمرة في إغلاق عدد كبير من المدارس والمراكز الصحية في المناطق المتضررة، ما أعاق وصول السكان إلى الخدمات الأساسية، وعمّق من دائرة الفقر والأمية.

مجموعة من المدنيين الفارين جراء الاقتتال العشائري بولاية أعالي النيل ( راديو تمازج)
الحاجة لحل مستدام

ويرى ناشطون وخبراء أن معالجة ظاهرة العنف العشائري تتطلب مقاربة شاملة تعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.

ويرى أوكيلو بيتر، الناشط في المجتمع المدني والمتخصص في فض النزاعات المجتمعية، في تصريح للجزيرة نت، أن العنف العشائري بات يشكل تهديدا وجوديا لاستقرار البلاد، مؤكدا أن الحل يكمن في تعزيز الحوار بين العشائر، وتوفير بدائل حقيقية للشباب بعيدا عن الانخراط في العنف.

إعلان

ويُجمع الخبراء على أن تعزيز الوساطات المجتمعية، وتفعيل سيادة القانون، وإطلاق إصلاحات تنموية مستدامة في المناطق الريفية، إلى جانب تنظيم استخدام الموارد الطبيعية، وزيادة حضور الدولة والأجهزة الأمنية، تمثل ركائز أساسية لأي مسعى جاد نحو السلام.

ورغم تعقيد التحديات، يظل الأمل قائما في أن يؤدي تضافر الجهود الحكومية والمجتمعية، وتوفر الإرادة السياسية، إلى كسر دائرة العنف الموسمي، ووضع جنوب السودان على طريق الاستقرار والسلام المستدام.



إقرأ المزيد