الجزيرة.نت - 1/8/2026 2:02:39 PM - GMT (+3 )
Published On 8/1/2026
|آخر تحديث: 13:40 (توقيت مكة)
شارِكْ
كوكب زحل أحد أكثر كواكب المجموعة الشمسية جمالا وإثارة للإعجاب، بل إن كثيرين يرونه الأجمل على الإطلاق بفضل حلقاته المهيبة، التي أسرت أنظار البشر منذ مئات السنين. هذه الحلقات، التي بدت وكأنها اختفت تقريبا عن أنظار الأرض في 2025، تعود من جديد لتتألق وتزداد وضوحا ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026، في مشهد فلكي ينتظره الهواة والعلماء بشغف.
واختفاء حلقات زحل ليس حدثا حقيقيا، بل هو خداع بصري فلكي يعرف باسم عبور مستوى الحلقات (Ring-Plane Crossing)، يحدث هذا عندما تصبح حلقات زحل في وضعية الحافة تماما بالنسبة للأرض، بحيث نراها من الجانب لا من الأعلى.
يميل محور دوران زحل بنحو 27 درجة، ومع دورته حول الشمس، التي تستغرق حوالي 29.5 سنة أرضية، تتغير زاوية رؤيتنا للحلقات، كل 13.7 إلى 15.7 سنة تقريبا، تصطف الحلقات على استقامة واحدة مع الأرض، فتبدو مثل خط رفيع يكاد لا يرى.
في 2025 وصلت هذه الظاهرة إلى ذروتها مرتين: الأولى في مارس/آذار 2025 حين ظهرت الحلقات على الحافة تماما، والثانية حين بلغت نقطة ضيقة ثانية في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
ونظرا لأن سماكة الحلقات لا تتجاوز 10 أمتار، فإن رؤيتها من الجانب تجعلها غير مرئية تقريبا حتى عبر معظم التلسكوبات.
من "آذان" غاليليو إلى دقة التلسكوبات الحديثةفي القرن السابع عشر وصف العالم الإيطالي غاليليو غاليلي كوكب زحل بأن له "آذانا"، في إشارة إلى ما رآه عبر أدواته البدائية. ورغم محدودية الرؤية آنذاك، فقد أدرك غاليليو أن هناك شيئا غير مألوف يحيط بهذا الكوكب.
اليوم تكشف التلسكوبات الحديثة والمراصد الفضائية أن هذه "الآذان" ليست سوى ملايين الجسيمات من الجليد والصخور، تدور حول زحل في أقواس واسعة تعرف بالحلقات، وهي ليست مجرد زينة كونية، بل تمثل مختبرا طبيعيا لفهم قوى الجاذبية وحركة الأجسام في الفضاء.
إعلان
وتنقسم حلقات زحل الرئيسية إلى سبع حلقات تحمل الأحرف الأبجدية الإنجليزية، وبين الحلقتين الأولى والثانية تقع فجوة شهيرة تسمّى فجوة كاسيني أو فاصل كاسيني (Cassini Division)، ويبلغ عرضها نحو 4800 كيلومتر.
تتشكل هذه الفجوات نتيجة تفاعلات الجاذبية والحركات المدارية التي تخلي بعض المسارات من الجسيمات، والحلقات نفسها ليست صفائح صلبة، بل تتكون من قطع يتراوح حجمها بين حبيبات غبار وكتل بحجم الحافلات.
يدور زحل حول الشمس في مدار شبه دائري على مسافة متوسطة تبلغ نحو 9.5 وحدة فلكية، أي أبعد من الأرض بحوالي تسع مرات ونصف. ويستغرق إكمال دورة واحدة حول الشمس حوالي 29.5 سنة أرضية، وهو ما يعرف بالسنة "الزحلية".
ورغم ضخامته فإن زحل يدور دورانا سريعا حول نفسه؛ إذ يكمل دورة واحدة في نحو 10 ساعات و33 دقيقة فقط. هذا الدوران السريع يؤدي إلى تسطّح الكوكب عند القطبين، وانتفاخ واضح عند خط الاستواء، وتأثيرات جاذبية تساعد في استقرار نظام الحلقات. لكن هذا الدوران لا يؤثر على ظهور الحلقات من الأرض؛ والعامل الأهم هو ميل محور الكوكب.
يميل زحل ميلا محوريا يساوي 26.7 درجة، وهي زاوية قريبة جدا من ميل محور الأرض البالغ 23.5 درجة. وكما يتسبب ميل محور الأرض في تعاقب الفصول الأربعة، فإن ميل محور زحل يؤدي إلى ما يمكن تسميته فصولا زحلية، تتغير أثناءها زاوية إضاءة ورؤية الحلقات.
وبما أن الأرض نفسها كوكب مائل ويدور حول الشمس في مدار مختلف، فإن المنظور المتبادل بين الأرض وزحل يتغير باستمرار، فنكون أحيانا فوق مستوى حلقات زحل فنراها عريضة ومشرقة، وأحيانا نمر تقريبا عبر مستوى الحلقات نفسه، فتظهر مثل خط رفيع يكاد لا يرى.
وعندما تتزامن زاوية ميل محور زحل مع موقعه في مداره حول الشمس ومع موقع الأرض في مدارها تحدث ظاهرة عبور مستوى الحلقات، فيبدو وكأن الحلقات قد اختفت تماما، أو تكاد.
الأقمار ودورها في تشكيل الحلقاتيدور حول زحل حتى اليوم 274 قمرا، من بينها الأقمار الراعية التي تتحرك قرب حواف الحلقات. وتؤدي جاذبية هذه الأقمار دورا أساسيا في تثبيت جسيمات الحلقات والحفاظ على الفجوات والبنى المنتظمة.
أما القمر الأكبر تيتان (Titan)، فيعد عالما فريدا بحد ذاته، إذ يحيط به غلاف جوي كثيف غني بالنيتروجين، وهو من أكثر الأجرام إثارة للاهتمام في أبحاث الحياة خارج الأرض.
مع بداية 2026 أخذت حلقات زحل بالخروج تدريجيا من وضعية الحافة، لتعود إلى الاتساع والوضوح. وفي هذا العام ستبدو الحلقات أكثر بروزا ولمعانا مقارنة بعام 2025، مما يجعل رصد زحل تجربة أكثر إبهارا لهواة الفلك.
ومع أن الحلقات ستكون واضحة في 2026، فإنها لن تبلغ أقصى ميلها وتألقها إلا في 2032، حين تظهر في أبهى صورها. أما بعد ذلك، فلن تعود الحلقات إلى وضعية الحافة مرة أخرى إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2038.
منذ وصف غاليليو الغامض وحتى صور تلسكوب هابل والمسابير الحديثة، ظل زحل رمزا للدهشة الكونية. قد تتلاشى حلقاته مؤقتا عن أنظارنا، لكن ذلك يذكّرنا بأن ما يتغير هو زاوية رؤيتنا لا عظمة الكوكب نفسه.
ومع عودة الحلقات إلى الظهور في 2026، يتجدد الشغف برصد هذا العملاق الغازي، شاهدا على دقة القوانين الكونية وروعة النظام الشمسي، في انتظار المشهد الكامل الذي سيبلغ ذروته في السنوات القادمة.
إقرأ المزيد


