الجزيرة.نت - 1/9/2026 5:07:49 PM - GMT (+3 )
Published On 9/1/2026
|آخر تحديث: 16:40 (توقيت مكة)
شارِكْ
في أحد أدراج العينات المحفوظة داخل معهد بوتانتان في ساو باولو، لمح الباحثون عنكبوتا صغيرا يبدو كأنه يرتدي عقدا من حبات لؤلؤ ملتفة حول جسده.
المشهد كان لافتا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة كان مخادعا تماما، فما بدا كزينة لم يكن إلا يرقات عث طفيلي يمسك بالعنكبوت ويمتص سوائله، حسبما أفادت دراسة نشرت مؤخراً في دورية "إنترناشونال جورنال أوف أكارولوجي" (International Journal of Acarology).
جُمعت العناكب المصابة من منطقة بينهيرال في ولاية ريو دي جانيرو في البرازيل، قرب مجموعة من الكهوف والمغارات، ولاحظ الباحثون أن اليرقات كانت تتطفل على عناكب فتية غير بالغة من ثلاث عائلات مختلفة، وهو ما يوحي بأنها ليست متخصصة.
تختار اليرقات نقطة لينة من جسم العنكبوت، فتتعلق بها وتبدأ بامتصاص سوائل الجسم من خلالها. تسمى هذه المنطقة "السويقة"، وهي نقطة ضيقة تربط الجزء الأمامي من الجسم، حيث العينان والفم والأطراف، بالبطن. هذه الوصلة تكون عادة أقل تدريعا، فتصبح أسهل للاختراق.
وبحسب الدراسة، يرجّح الباحثون أن استهداف العناكب الصغيرة قد يكون سلوكاً انتهازياً، لأن الصغار عادة أضعف في البنية والدفاعات، ومن ثم أكثر قابلية لأن ينجح الطفيل في التعلق بها والتغذي منها دون أن يُطرد أو يُقتل.
وللتوصل إلى تلك النتائج، قام العلماء بفحص العينات بالمجاهر وتقنيات تصوير متعددة، ليصفوا نوعًا جديدًا من العث يتطفل على العناكب في البرازيل، وأطلقوا عليه اسم "أرانيوثرومبيوم برازيلينيسيس".
وبحسب الدراسة، فإن هذا يعد ثاني نوع معروف من عث يتطفل على العناكب في البرازيل، وهو كذلك أول تسجيل لعائلة هذا العث في البلاد.
إعلان
بطول يقارب 500 ميكرومتر، أي نحو نصف مليمتر تقريباً، تعد اليرقات المكتشفة "صغيرة جداً" بالنسبة لمقاييس هذه الكائنات.
والأغرب في هذا السياق، أن العناكب نفسها ليست كبيرة أصلاً، حيث لا يتجاوز طولها بضعة مليمترات، ومع ذلك كان وجود اليرقات واضحاً للعين المدققة، لأنها بدت منتفخة بعد أن امتصت سوائل من العائل حتى ازداد حجمها بشكل ملحوظ، فبدت مثل خرزات متورمة متراصة.
نافذة صغيرةهذا الاكتشاف يفتح نافذةً صغيرةً على علاقات خفية داخل الشبكات البيئية، فنحن نعرف العناكب عادةً بوصفها مفترساتٍ للحشرات، لكن هنا نرى طفيلياً صغيراً يستغل العنكبوت نفسه.
والتطفل على العناكب ليس حكراً على العث، فأحياناً يكون الطفيل من الفطريات، وفي هذه الحالة لا يكتفي بسحب السوائل، بل قد يستخدم العنكبوت كوسيلة انتشار.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما يحدث في حالة عنكبوت "ميتيلينا ميريانا"، إذ يمكن لفطر ما أن ينتشر في جسده ويؤثر في سلوكه، ثم يدفعه، على نحو يشبه التحكم عن بعد، إلى التحرك نحو مكان مرتفع مكشوف مثل سقف كهف، وهناك يطلق الفطر أبواغه لتنتشر.
والأبواغ ببساطة هي وحدات تكاثرية صغيرة ينتجها الفطر ويحتاج إلى بعثرتها بعيداً، ويمكن تشبيهها بشكل تقريبي بحبوب اللقاح عند النباتات.
في هذا السيناريو يبدو العنكبوت كأنه "زومبي"، فهو ليس ميتاً، بل حي ويتحرك، لكن حركته بطيئة وآلية.
في النهاية، ما تكشفه مثل هذه الدراسات في هذا النطاق ليس مجرد حكاية غريبة، بل تذكير بأن الطبيعة مليئة بعلاقات دقيقة لا نلاحظها إلا بالمجهر والصبر.
إقرأ المزيد


