الجزيرة.نت - 1/10/2026 12:08:34 AM - GMT (+3 )
عدن | حضرموت – تتزامن التحولات العسكرية المتسارعة في جنوب وشرقي اليمن منذ أيام مع مخاوف متزايدة من تداعيات أمنية خطيرة، عقب تسرب كميات من الأسلحة والذخائر من المعسكرات خلال تبدل خريطة السيطرة، في مشهد يثير تساؤلات حول قدرة الدولة على احتواء هذا النزيف قبل تحوله إلى تهديد واسع النطاق.
وخلال أيام قليلة، شهدت محافظات عدن وحضرموت والمهرة وشبوة تغيّرات لافتة في موازين القوى، مع سيطرة القوات التابعة للحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية على مواقع ومعسكرات كانت خاضعة لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، مما أعاد رسم خريطة النفوذ العسكري في معظم المحافظات الجنوبية.
وقد أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الخميس، أن عملية "استلام المعسكرات" في محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي البلاد، جرت بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، في حين أعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي انتصار الدولة بعد بسط السيطرة على المحافظتين.
اتهامات متبادلةويأتي هذا بعد أن رافق تلك التحولات اتهامات متبادلة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي بشأن عمليات نهب وتهريب واسعة للأسلحة من المعسكرات، قبل أو أثناء الانسحاب من عدد من المناطق في جنوب وشرق اليمن.
وقد اتهم وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، قوات المجلس الانتقالي بفتح مخازن السلاح وتركها عرضة لنهب منظم خلال الأحداث الأخيرة في محافظتي حضرموت والمهرة، واعتبر ما جرى "تصرفًا بالغ الخطورة" يهدف إلى إغراق المحافظات الشرقية في حالة من الفوضى المصطنعة، محذرًا من استغلال الجماعات المتطرفة لهذه الأسلحة.
وقال الإرياني، عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، إن هذه التطورات تزامنت مع تقارير وصفها بالموثوقة عن نقل قوات تابعة للانتقالي كميات كبيرة من المعدات العسكرية والأسلحة والذخائر من معسكرات في العاصمة المؤقتة عدن باتجاه محافظتي الضالع ولحج.
إعلان
بدوره، حذّر وزير الداخلية إبراهيم حيدان من أي عمليات نقل أو تخزين أو توزيع للسلاح خارج الأطر الرسمية، مؤكدًا أن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، ويقوض جهود الدولة في فرض سيادة النظام والقانون.
في المقابل، نفى المجلس الانتقالي الجنوبي تلك الاتهامات الموجهة إليه بشأن فتح مخازن السلاح في محافظتي حضرموت والمهرة، وقال إن عمليات النهب وقعت مع دخول مجموعات قبلية مسلحة، مدعومة – بحسب قوله – بتشكيلات تتبع مجلس القيادة الرئاسي.
وفي حين أصدر المجلس الانتقالي هذه البيان، لم يصدر عنه أي تعليق رسمي بشأن الاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة من عدن إلى محافظة الضالع.
وخلال اليومين الماضيين، نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة وصورًا قالوا إنها توثق عمليات نقل وتهريب للأسلحة الخفيفة والمتوسطة من داخل معسكرات كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي في عدن، وتظهر شاحنات محملة بالسلاح وهي تغادر المدينة مرورًا بمحافظة لحج باتجاه محافظة الضالع.
أهمية إستراتيجيةوتكتسب محافظة الضالع أهمية إستراتيجية خاصة لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي -الذي أعلن التحالف أنه هرب إلى الإمارات- إذ تُعد معقله العسكري والحاضنة الاجتماعية الأكثر تماسكًا له، ما يجعلها – بحسب مراقبين – موقعًا مفضّلًا لإعادة تموضع السلاح وتأمين مخزونات عسكرية بعيدًا عن الرقابة الحكومية، في سياق محاولات الحفاظ على النفوذ السياسي والميداني.
وأمام هذا الواقع، كثّفت الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية تحركاتهما لاحتواء عمليات تهريب الأسلحة واستعادتها إلى مخازن الدولة. وفي هذا السياق، شنّت طائرات التحالف، الثلاثاء الماضي، ضربات جوية وُصفت بـ"الاستباقية والمحدودة"، استهدفت مخازن أسلحة ومعسكرات وآليات ومدرعات وأسلحة ثقيلة في محافظة الضالع، قال التحالف إنه جرى تحريكها ونقلها من معسكري الصولبان وحديد في العاصمة المؤقتة عدن.
كما تداول ناشطون مقاطع مصورة قالوا إنها توثق استهداف التحالف لآليات عسكرية نُهبت خلال الأحداث الأخيرة، في مؤشر على جدية المخاوف من وصول السلاح إلى أطراف غير نظامية.
وقد أعلنت السلطات في حضرموت من جهتها، استعادة كميات من الأسلحة والذخائر التي نُهبت من معسكرات في مدينة المكلا، فيما حذّر قائد الفرقة الثانية لقوات "درع الوطن" العقيد فهد بامؤمن من خطورة بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، معلنًا مهلة زمنية لتسليمه، ومتوعدًا باتخاذ إجراءات قانونية وعسكرية بحق المتورطين.
وفي محافظتي المهرة وشبوة، أصدرت السلطات المحلية تحذيرات مماثلة، مؤكدة تشديد الإجراءات الأمنية ومنع مرور أي أسلحة منهوبة، مع التهديد بإحالة المخالفين إلى القضاء دون استثناء.
ويرى الصحفي في الشأن العسكري أحمد شبح أن تسرب السلاح من المعسكرات يمثل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة اليمنية، في ظل مخاوف حقيقية من وصوله إلى جماعات إرهابية أو شبكات تهريب، خصوصًا في مناطق ذات أهمية جغرافية وإستراتيجية متزايدة.
ويؤكد شبح للجزيرة نت أن جزءًا من هذه الأسلحة انتهى إلى أيدي مواطنين، فيما جرى تخزين جزء آخر لدى تجار سلاح وشبكات تهريب.
إعلان
كما يرى الكاتب الصحفي أمجد خشافة أن انسحاب قوات المجلس الانتقالي من المحافظات الشرقية خلق حالة من الفوضى الأمنية شجعت على نهب المعسكرات، مشيرًا إلى أن تنظيم القاعدة رغم ضعفه الحالي، قد يسعى -وفق رأيه- للاستفادة من هذه الظروف عبر شراء السلاح أو الاستيلاء عليه، دون أن يعني ذلك بالضرورة عودته للسيطرة الميدانية.
في المقابل، يقلل المحلل العسكري العميد عبدالرحمن الربيعي من حجم الخطر، معتبرًا في حديثه للجزيرة نت أن انتشار السلاح في اليمن ظاهرة قديمة.
غير أن باحثين يحذرون من أن خطورة السلاح المنهوب لا تكمن فقط في كميته أو حجم المخزون المسرب، بل في توقيت تسربه وسياق الصراع السياسي والعسكري المحتدم.
ويشير الخبراء إلى أن توزيع السلاح خارج الأطر الرسمية، وفي مرحلة حساسة كهذه، يجعل السيطرة عليه وإعادته إلى مخازن الدولة أولوية عاجلة للحفاظ على الاستقرار الأمني والاجتماعي.
جيوب متعددةويرى الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية الدكتور علي الذهب أن نقل الأسلحة من عدن إلى الضالع أو إلى مناطق أخرى لا يمكن اعتباره تحركًا محدودًا أو معزولًا، مرجحًا وجود "جيوب متعددة" داخل المجلس الانتقالي، على مستوى القيادة والوحدات العسكرية، تتحسب لمآلات المرحلة المقبلة.
ويؤكد الذهب للجزيرة نت أن هذه التحركات لا ينبغي توصيفها كخطوة "تكتيكية"، معتبرًا أنها أقرب إلى خطوة إستراتيجية استباقية قائمة على تحسبات مستقبلية، قد تتضح ملامحها خلال الأشهر الثمانية القادمة.
وأشار الذهب إلى أن الضربات الجوية التي نفذها التحالف أصابت جزءًا من الأسلحة التي جرى تهريبها، إلا أن ذلك لا ينفي – بحسب قوله – وجود عمليات تهريب سابقة واحتياطي عسكري لا يزال بحوزة المجلس الانتقالي، مخزن في مناطق نفوذ قياداته، سواء تعلق الأمر بالأسلحة أو الذخائر.
ويحذر الباحث في الشؤون العسكرية والإستراتيجية من أن خطورة هذه الخطوة ستظل قائمة ما لم تتحرك الحكومة، بدعم من التحالف، لحصر الأسلحة المهربة واستعادتها إلى مخازن الدولة، مؤكدًا أن الفشل في فرض حضور الدولة وتتبع هذه الأسلحة سيحوّل الملف إلى معضلة أمنية حقيقية في المستقبل، لا مجرد مشكلة عابرة، كما يقول.
إقرأ المزيد


