الجزيرة.نت - 1/10/2026 2:12:27 AM - GMT (+3 )
بحلول شتاء عام 2025، بدأ المجتمع الدولي يقر بواقع جديد قاتم: لم يدخل النظام العالمي الذي نشأ بعد عام 1945 في فترة انحدار فحسب، بل انهار بشكل نهائي.
شكل عام 2025 الفصل الأخير من حقبة الليبرالية الدولية، وهو نظام تميز في السابق بالتعددية الشاملة، وانتشار المعايير، وإدارة التجارة من خلال مؤسسات قائمة على القواعد.
وحل محله "عالم بلا دفة" يتسم بالمراجعة الشاملة، حيث بدأت كل قوة عظمى – بما في ذلك الولايات المتحدة التي أنشأت النظام – في السعي بنشاط وراء أجندات توسعية، وتفكيك البنية التحتية للنظام القديم نفسه.
أولا: زوال البنية التحتية الليبراليةكان انهيار النظام القديم في عام 2025 مدفوعا بتحول جذري في الحسابات الإستراتيجية للولايات المتحدة. ففي ظل إدارة ترامب الثانية (2025-)، تحولت واشنطن من كونها الضامن الرئيسي للنظام الدولي الليبرالي إلى أقوى مزعزع له، فيما بات يعرف بـ "المراجعة الجديدة".
وقد تم تقنين هذا التحول في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، والتي وصفت صراحة نظام ما بعد الحرب بأنه "سلاح" يستخدم ضد المصالح الأميركية.
تخلت هذه الإستراتيجية عن الافتراض الذي ساد بعد عام 1945 بأن الهيمنة العالمية الدائمة والحفاظ على نظام قائم على القواعد يصبان في مصلحة الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، أعطت الأولوية لـ "واقعية مرنة" سعت إلى إزالة "الأعباء العالمية" التي لا ترتبط ارتباطا مباشرا بتعريف ضيق للمصلحة الوطنية، مما يعني التخلي عن "بناء الديمقراطية"، و"تعزيز حقوق الإنسان" كمحركين للسياسة الخارجية.
بدأت الإدارة تنظر إلى الحلفاء التقليديين ليس كشركاء في مجتمع قائم على القيم، بل كـ "دول تابعة" أو "متطفلين"، ضماناتهم الأمنية مشروطة بتنازلات مالية وسياسية.
وبحلول أواخر عام 2025، كانت المؤسسات التي سهلت التعاون العالمي في حالة شلل تام؛ فمجلس الأمن الدولي كان عالقا في دوامة "الفيتو"، ومنظمة الصحة العالمية واجهت أزمة عقب انسحاب واشنطن، وأصبحت منظمة التجارة العالمية عاجزة عن العمل مع استمرار الولايات المتحدة في عرقلة التعيينات في هيئتها الاستئنافية. أدى هذا الانهيار المؤسسي إلى فراغ سمح لسياسات القوة بالعودة إلى صدارة الشؤون الدولية.
ثانيا: "مبدأ دونرو" وإحياء العصا الغليظةأشار إعلان الرئيس ترامب عن "ملحق ترامب" لمبدأ مونرو لعام 1823 – والذي أطلق عليه البعض اسم "مبدأ دونرو" – إلى عودة إستراتيجية القرن التاسع عشر الجيوسياسية المدعومة بأسلحة القرن الحادي والعشرين. تعلن هذه العقيدة أن نصف الكرة الغربي منطقة ذات امتيازات خاصة بالمصالح الأميركية، حيث يحرم المنافسون (وتحديدا الصين) من القدرة على نشر القوات أو السيطرة على الأصول الحيوية.
إعلان
تتميز هذه الحقبة بالتوسع الإقليمي الفعلي والمطالبات التوسعية؛ ففي عام 2025 بدأت الإدارة في المطالبة بأراضٍ خارج البر الرئيسي للولايات المتحدة، شملت:
- غرينلاند: أعلن ترامب أن الاستحواذ على الجزيرة "ضرورة مطلقة" للأمن القومي، وكلف وكالات الاستخبارات بتحديد المؤيدين للولايات المتحدة داخل الإقليم الدانماركي، ونقل الجزيرة إلى القيادة الشمالية للجيش الأميركي (NORTHCOM).
- كندا: اقترحت الإدارة ضم كندا لتصبح "الولاية الحادية والخمسين"، وربطت هذا الاقتراح بحل اختلالات الميزان التجاري وأزمات الهجرة.
- قناة بنما: تعهدت واشنطن بإعادة فرض سيطرتها على القناة، مشيرة إلى تكاليف العبور غير العادلة والتوسع الصيني، مع نشر جنود في قواعد عسكرية أعيد إحياؤها.
تعكس هذه الادعاءات تحولا إلى عالم تحكمه "مجالات النفوذ المتنافسة"، حيث تعتزم الولايات المتحدة أن تكون "القوة المقيمة" الوحيدة في الأميركتين، مستخدمة مزيجا من التعريفات الجمركية والتهديدات و"دبلوماسية السفن الحربية" لتطهير "فنائها الخلفي".
ثالثا: عملية العزم المطلق: مخطط لسياسة الدولة المستقبليةيمثل القبض على نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026 النموذج الأمثل لمستقبل انخراط الولايات المتحدة في عالم متشرذم. شملت العملية أكثر من 150 طائرة، وفرق النخبة من قوات "دلتا"، الذين نجحوا في التشويش على شبكة الكهرباء الفنزويلية، واجتياح دفاعاتها الجوية.
وعلى عكس التدخلات السابقة، تجاوزت الإدارة مجلس الأمن تماما وتجنبت التشاور مع الكونغرس أو الحلفاء. إن العالم المستقبلي، كما تشير إليه هذه العملية، هو عالم تستخدم فيه الولايات المتحدة ثقلها العسكري والاقتصادي لتحقيق "إعادة الاستثمار" في الصناعات الأجنبية، ولا سيما قطاع الطاقة.
أوضح ترامب أن شركات النفط الأميركية ستشارك "بشكل كبير" في السيطرة على البنية التحتية لفنزويلا، مما يعني استعداد واشنطن لتولي الحكم الفعلي للدول الأجنبية لتأمين الموارد الإستراتيجية.
علاوة على ذلك، استغلت العملية ثغرة "الإرهابي المرتبط بتجارة المخدرات"، حيث جردت القيادة الفنزويلية من الحصانة الدبلوماسية عبر تصنيف الحكومة كمنظمة إجرامية. إن "تجريم السيادة"- كما أطلق عليه أحد المراقبين- يشكل سابقة خطيرة للمستقبل، حيث يمكن استهداف الجهات الحكومية بالقوة الحركية تحت ستار إنفاذ القانون.
رابعا: سيناريو "الأرض الحرام" والحوكمة العالميةلم يعد العالم مجتمعا من الدول تحكمه قواعد مشتركة، بل مجموعة من الكيانات السيادية التي تخوض ركودا جيوسياسيا
أدى انهيار عام 2025 إلى تحويل العالم إلى "أرض حرام"؛ حقبة تتسم بسيولة التحالفات، وتمتع الفاعلين الحكوميين بـ "حرية مطلقة". ومع ذلك، لا تطبق هذه الحرية بالتساوي؛ فهناك تسلسل هرمي واضح للقوة يكون فيه هامش المناورة أكبر للقوى الرائدة: (أميركا، الصين، روسيا)، بينما تصبح الدول الصغرى أكثر عرضة للخطر والتهميش.
في هذا المستقبل، يتم استبدال المؤسسات العالمية بـ "تجمعات نمطية" أو "تعددية جانبية"؛ مثل مجموعات (بريكس+، كواد، I2U2)، و"تحالفات الراغبين والقادرين"). تتميز هذه الصيغ بمرونة أكبر، لكنها تزيد من تجزئة المشهد العالمي.
كما أصبحت الإستراتيجية الجيوسياسية مدفوعة بـ "الضرورة التكنولوجية"، حيث تعامل القدرات الرقمية كموارد إستراتيجية موازية للطاقة، مما أدى لظهور مجالين تكنولوجيين متميزين تهيمن عليهما واشنطن وبكين، وأجبر الدول على السعي لتحقيق "السيادة الرقمية" لتجنب التحول إلى "مستعمرات رقمية".
خامسا: المواجهة الجيواقتصادية وتسليح التجارةيتحدد شكل العالم المستقبلي من خلال "توريق" الاقتصاد العالمي؛ حيث لم تعد التجارة تخضع لمبادئ السوق المفتوحة، بل للمنافسة بين التكتلات الجيوسياسية. استخدم فرض تعريفات جمركية شاملة- مثل تعريفات "يوم التحرير" التي فرضها ترامب- لإجبار الدول على تغيير سياساتها في قضايا لا علاقة لها بالتجارة، كالهجرة والرقابة السياسية.
إعلان
أدى ذلك إلى "سباق دعم" عالمي، وتحول من الإنتاج "في الوقت المناسب" إلى الإنتاج "في حالة الطوارئ" لتحقيق الاكتفاء الذاتي. كما أصبح التنافس على المعادن الحيوية جبهة جيوسياسية جديدة، حيث تستخدم سلاسل التوريد كسلاح لانتزاع التنازلات.
سادسا: الانهيار الإنساني وعصر الفوضىمن العواقب المأساوية للانهيار ما يسمى "ركود المساعدات الكبرى"؛ فالتفكيك المفاجئ لوكالة (USAID) وخفض ميزانيات المساعدات في عام 2025 خلق فراغا دفع الأمن الغذائي والصحة العالمية إلى نقطة حرجة، حيث انخفض عدد متسلمي المساعدات المنقذة للحياة بمقدار 25 مليون شخص.
ويتفاقم هذا الانهيار بتحول الجهات الحكومية إلى مهاجمين لعمال الإغاثة، مما يسقط السلطة الأخلاقية للنظام الدولي. هذه الفوضى هي الأرض الخصبة التي تزدهر عليها "الوحوش"، مثل شركات الحرب الخاصة، والجماعات المتطرفة في منطقة "الساحل" التي باتت تستخدم الطائرات بدون طيار لشن حرب اقتصادية.
سابعا: التوجه المستقبلي: التعددية القطبية المجزأةمع حلول عام 2026، يعاد تشكيل النظام العالمي بفعل أربعة صراعات ومسارات رئيسية:
- تحولات أوراسيا: توجه روسيا لاقتصاد الحرب ونفوذها في دول الاتحاد السوفياتي السابق، مقابل اضطرار أوروبا لتسليح نفسها لمواجهة عالم واقعي.
- تحالف "CRINK": التعاون الأمني بين الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية ككتلة مضادة للغرب، مما يسرع التخلص من الدولار.
- صعود "الدول المحورية": ممارسة قوى مثل الهند، والبرازيل، وتركيا، والسعودية "التحالف المتعدد" لتعظيم استقلاليتها.
- الانتشار النووي: دخول "الحقبة النووية الثالثة" مع انهيار معاهدات الحد من التسلح، وسعي دول مثل كوريا الجنوبية، واليابان، والسعودية لامتلاك قدرات ردع خاصة.
أكدت أحداث عام 2025 وأوائل عام 2026 أن "السلام الطويل" الذي وُعدنا به بعد الحرب الثانية لم يكن سوى فاصلة تاريخية. لم يعد العالم مجتمعا من الدول تحكمه قواعد مشتركة، بل مجموعة من الكيانات السيادية التي تخوض "ركودا جيوسياسيا"، حيث تكتسب الشرعية من توفير الأمن والنمو لا من الالتزام بالقيم.
يعد اعتقال الرئيس الفنزويلي إعلانا قاطعا عن هذا النظام الجديد الذي يتسم بالتدخلات عالية المخاطر، وتوظيف الترابط كسلاح، و"تأصيل" السياسة الخارجية على أسس ثقافية/حضارية على غرار بوتين.
في هذا العالم الذي يفتقر إلى الدفة، يكون المستقبل ملكا لمن يمتلكون المرونة الإستراتيجية، والبراغماتية القائمة على المصالح، والأهم من ذلك كله: السلاح الأقوى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


