الجزيرة.نت - 1/10/2026 9:26:48 AM - GMT (+3 )
Published On 10/1/2026
|آخر تحديث: 09:07 (توقيت مكة)
شارِكْ
يتحرك الصحفي الكونغولي كابيا نيهيمي داخل المركز الإعلامي بمدينة مراكش بخطوات واثقة بين المكاتب المضيئة بشاشات النقل المباشر، محاطا بأجهزة البث التي لا تهدأ. وتتناغم أصوات المكالمات الهاتفية بلغات القارة المتعددة مع ضجيج لوحات المفاتيح، بينما يواصل متابعة نبض مباريات كأس أفريقيا للأمم الجارية حاليا.
يصف كابيا (29 سنة) تلك اللحظة الممتدة -في حديثه للجزيرة نت- قائلا "يشبه العمل هنا حدثا حيا، كل لحظة تحمل جديدا، والاحتكاك مع الزملاء من مختلف أنحاء القارة يفتح آفاقا جديدة، ويجعلني أعيش الحدث كما لو كنت جزءا من الحكاية نفسها".
ويضيف -معترفا بأن الواقع التنظيمي فرض نفسه بقوة على دفتر ملاحظاته- أنه "في جميع الملاعب يتملكك شعور بأنك في أوروبا، لقد استثمرت المملكة بقوة في البنية التحتية، وهو أمر يفسر لماذا أصبح المغرب اليوم مهدا للفعاليات الكبرى، لقد وضع المغرب السقف عاليا جدا".
تشهد النسخة المغربية من كأس أفريقيا للأمم لكرة القدم حضورا إعلاميا واسعا يقترب من أربعة آلاف صحفي ومصور ومراسل، وهو رقم قياسي لم يعكس جاذبية الحدث فحسب بل فرض تحديا لوجستياً كبيرا حاولت المدن المستضيفة أن تستوعبه بمرونة.
وتبدو الترتيبات داخل المراكز الإعلامية دقيقة مما يساعد الوفود الإعلامية على إنجاز تغطياتها بسلاسة، بعدما سخر المغرب إمكانات تقنية وضعت الصحفي الأفريقي أمام مسؤولية تحويل المسابقة من مجرد مباريات إلى حدث ثقافي واجتماعي بامتياز.
ويرى الإعلامي ودرا أوغو ساليفو (34 سنة) -القادم من بوركينا فاسو- أن التنظيم اللوجستي بات ضرورة مهنية سهلت مأمورية الفرق الإعلامية.
ويقول للجزيرة نت "بناء على ما عاينته، أرى أن المغرب رفع معايير كأس أفريقيا إلى مستوى آخر تماما، وهذا فخر لهذه البطولة، كما أن توفير حافلات وقطارات مخصصة للصحفيين أمر يستحق الإشادة".
إعلان
من جانبه، يوضح الإعلامي الإيفواري إيف بوريس (37 سنة) -في حديث للجزيرة نت- أن هذا الزخم أخرجه من دائرة الترقب إلى معايشة الحقائق الميدانية المباشرة، مبرزا أن الحضور الجماهيري الكبير والاستقبال الحار أعادا تعريف تجربته الميدانية، وفتحا نافذة لتلاقح الثقافات بين مختلف دول القارة.
توسعت تجربة الإعلاميين لتشمل المدن الست المستضيفة، حيث غادرت التغطية أسوار المدرجات لتستقر في قلب المجتمع المغربي الذي فتح قلبه للميكروفون الأفريقي بحفاوة بالغة، إذ وجد المراسل الأفريقي نفسه في "أستوديو مفتوح" وسط ترحيب عفوي من المغاربة وتلقائية بسّطت مهام التصوير والحوارات الميدانية.
كما كانت الرحلة عبر قطار "البراق" السريع لحظة فارقة للكثيرين مكنتهم من اختصار المسافات براحة تامة، وسمحت لهم بكتابة تقاريرهم أثناء السفر.
ويروي إيف بوريس عن هذه التجربة التي تداخلت فيها الرياضة مع دفء الهوية المغربية "عشنا ميدانيا نسخة مغربية اتسمت بالود وحفاوة الاستقبال وسط جمهور متحمس، كما شكلت البطولة فرصة حقيقية لتلاقح الثقافات من خلال الأنشطة الاحتفالية لمشجعي مختلف الدول".
بينما يؤكد ساليفو -من خلال جولاته المستمرة- حضور الهوية المضيافة التي رصدها ميدانيا بقوله "التقيت أشخاصا مضيافين وملهمين، ومن خلال المدن التي زرتها أستطيع القول إن المغرب بلد الكرم بامتياز".
تحول الخطاب.. سقوط الهواجس المسبقة أمام الواقعقبل صافرة البداية، حملت بعض الوفود الإعلامية تخوفات بشأن قدرة المدرجات على الامتلاء بمباريات لا يشارك فيها "أسود الأطلس"، لكن الواقع الميداني فرض روايته محطما كل الهواجس المسبقة مع توالي الجولات. وسمح هذا التحول للصحافة بالانتقال من مربع الترقب والحذر إلى توثيق تجربة حية تفرض نفسها مرجعا قاريا للجمهور والمهنيين على حد سواء.
ويعترف الإعلامي المخضرم إيف بوريس بأن الحقيقة الميدانية هي التي صححت مسار الخطاب الإعلامي، حيث "كان لدينا هواجس بشأن قدرة المغرب على جذب الجماهير للملاعب، لكن بمجرد وصولنا رأينا حضورا جماهيريا لافتا، خاصة في مباريات المنتخبات الكبرى مثل المغرب ونيجيريا والسنغال والجزائر".
ويوافق المصور الكاميروني إيفينا ماكوالا ميريل -في حديث للجزيرة نت- على هذا الرأي، مبرزا جودة الإدارة الرياضية التي لم تترك شيئا للصدفة، ويضيف "اكتشفت ميدانيا تنظيما أكثر هيكلة وتحكما لوجستياً فاق توقعاتي الأولية، مما عزز صورة المغرب كبلد مستعد تماما لاحتضان البطولات الكبرى".
في قلب هذا المسار التنظيمي، يواجه الإعلاميون إيقاعا تنظيما صارما يضعهم تحت ضغط الوقت والمهمة الإعلامية الشاقة، وهو ما يعكس الجدية في ضبط أدق تفاصيل الحدث العالمي.
ويشير ساليفو بوضوح إلى حدود هذا الانضباط الذي يتحول أحيانا إلى عبء مهني، فيقول "في المراكز الإعلامية -في مدن مثل الدار البيضاء ومراكش- كان يُطلب منا إخلاء المكان بعد 30 دقيقة فقط من نهاية كل مباراة أو مؤتمر صحفي، نحن نتفهم ونحترم قرارات اللجنة التنظيمية، بالرغم من أن ذلك يرفع وتيرة العمل ويفرضه بسرعة قياسية".
بينما يقول كابيا إن التنقل بين المدن الست كان هو التحدي المهني الأبرز، مما صعب المهمة على الإعلاميين في بعض الأحيان.
إعلان
وفي المقابل، يختصر المصور ميريل كل هذا التعب في درس إنساني، ويختم بقوله إن "رؤية مشجع يرتجف، يبكي، أو يصرخ فرحا أو غضبا، هي دروس في الحياة..، هذه الوجوه تحكي قصة الوفاء والأمل، وهي ما يمنح عملنا معناه الحقيقي".
إقرأ المزيد


