الجزيرة.نت - 1/16/2026 3:34:37 AM - GMT (+3 )
كاتبة وصحفية أميركية ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم".
Published On 16/1/2026
|آخر تحديث: 02:54 (توقيت مكة)
شارِكْ
يوم السبت 10 يناير/كانون الثاني الجاري، وبعد أقل من أسبوعين على اندلاع الاحتجاجات التي تجتاح إيران الآن، لجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منصته المفضلة على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسالة دعم قال فيها:
"إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم تفعل من قبل. الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة!!! الرئيس دونالد ج. ترامب".
وكما هو معتاد، فإن أسلوب ترامب في استخدام الأحرف الكبيرة، وإفراطه في علامات التعجب، يبدوان أقرب إلى أسلوب شاب لم يبلغ العشرين منه إلى قائد القوة العظمى العالمية. غير أن وعد "المساعدة" الأميركية يثير إشكاليات أعمق وأكثر خطورة بكثير.
مع وعود ترامب الأخيرة بتقديم "المساعدة"، يصعب عدم التساؤل عما إذا كان لا يستعير صفحة من دفتر السياسات القديم للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، مهندس "الحرب على الإرهاب"، وواجهة إدارة كرّست نفسها لنشر الأيديولوجيا النيوليبرالية الجديدة (النيومحافظة) التي طالما ادعى ترامب معارضتها بشدة
بادئ ذي بدء، لا تُعد "المساعدة" اختصاصا للولايات المتحدة أصلا، ولا سيما تحت قيادة الرجل الذي قصف إيران في الصيف الماضي، بعد وقت قصير من عودته إلى السلطة على أساس تعهد بإبقاء الولايات المتحدة خارج الحروب الخارجية.
إضافة إلى ذلك، يتحمل ترامب مسؤولية الإبقاء على نظام عقوبات خانق مفروض على الجمهورية الإسلامية، وهو ما أسهم في تغذية معدلات التضخم المرتفعة التي أشعلت الاحتجاجات الحالية من الأساس. وكما هو الحال دائما في مثل هذه الأشكال من الحروب الاقتصادية، فإن الفئات غير النخبوية في إيران هي التي دفعت الثمن الأكبر.
وفضلا عن كون عرض ترامب الأخير "مساعدة" الإيرانيين يعد خروجا على مجمل منطلق "أميركا أولا"، فإنه يمثل أيضا تحولا في الخطاب الرئاسي تجاه هذا البلد الذي طالما جرى شيطنته.
إعلان
ففي السابق، كان الخطاب الترامبي يركز أساسا على ما يُزعم أنه سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية وصواريخ باليستية مزودة برؤوس كيميائية وبيولوجية، وقد جرى تسويق كل ذلك بوصفه تهديدا خطيرا لا للولايات المتحدة فحسب، بل أيضا لأقرب أصدقاء أميركا وأبرز شركائها الإقليميين في الإبادة الجارية، أي دولة إسرائيل.
لكن ترامب الآن يبدو في وضعية "الإنقاذ"، إذ حذر هذا الشهر قائلا: "إذا أطلقت إيران النار (هكذا وردت) وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، كما هي عادتها، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستأتي لإنقاذهم".
وفي يوم الثلاثاء، طمأن ترامب المتظاهرين الإيرانيين بأن "المساعدة في الطريق"، من دون أن يوضح ماهية هذه المساعدة. وسارعت وسائل الإعلام الأميركية اليمينية إلى مواكبة الخطاب بعناوين مشجعة من قبيل: "ترامب أمام فرصة تاريخية للمساعدة في إسقاط النظام الإيراني المعادي لأميركا".
من جهته، انضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى هذا الخطاب، مؤكدا أن إسرائيل تدعم "نضال المتظاهرين الإيرانيين من أجل الحرية، وتدين بشدة عمليات القتل الجماعي للمدنيين الأبرياء" -وهو تصريح لافت صادر عن شخص يشرف منذ أكثر من عامين على إبادة الفلسطينيين.
ومع وعود ترامب الأخيرة بتقديم "المساعدة"، يصعب عدم التساؤل عما إذا كان لا يستعير صفحة من دفتر السياسات القديم للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، مهندس "الحرب على الإرهاب"، وواجهة إدارة كرّست نفسها لنشر الأيديولوجيا النيوليبرالية الجديدة (النيومحافظة) التي طالما ادعى ترامب معارضتها بشدة.
في جوهرها، تهدف (النيومحافظة) إلى إحداث فوضى عسكرية في أنحاء العالم، مستخدمة ترويج الديمقراطية وأفكارا تبدو إنسانية في ظاهرها كذريعة لتوسع إمبريالي دموي.
ورغم أن ترامب نجح في استمالة كثير من الناخبين الأميركيين عبر تعهده المزعوم بالتخلي عن مثل هذه المغامرات الخارجية، والتركيز بدلا من ذلك على الانكفاء الذاتي و"جعل أميركا عظيمة مجددا"، فإن النزعة (النيومحافظة)، على ما يبدو، يصعب التخلص منها.
بالتأكيد، تستحضر رئاسة ترامب رئاسة جورج دبليو بوش في أكثر من جانب. فكلا الرجلين يتسمان بسلوكيات هزلية، ناهيك عن علاقة لافتة مع قواعد اللغة الإنجليزية والإملاء، كانت لتكون مسلية تماما لولا حمامات الدم الواسعة التي أشرف كل منهما عليها في فترته.
وبالمثل، أبدى كلاهما حماسة مفرطة للاستناد إلى الله في مساعيهما التدميرية.
وعلى الرغم من معارضة ترامب المعلنة لسياسة تغيير الأنظمة، ولتدخلات حقبة بوش في العراق وأفغانستان- ضمن ما عُرف بـ"الحرب على الإرهاب" التي انتهت بمقتل ملايين البشر- فإنه، خلال عامه الأول بعد عودته إلى السلطة، تمكن من قصف مجموعة من الدول، فضلا عن اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو.
أما عضو الكونغرس عن ولاية فلوريدا راندي فاين، الذي قدم مؤخرا مشروع قانون يتيح لترامب ضم غرينلاند، فقد لجأ إلى منصة "إكس" ليقترح قائلا: "ربما ينبغي لنا أن نُـمَدْرِر خامنئي". وفي هذا السياق، يشير "خامنئي" إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بينما تُستخدم كلمة "مادورو" هنا كفعل جديد يعني اختطاف زعيم دولة ذات سيادة.
إعلان
لكن في الوقت الذي يعد فيه ترامب اليوم بأن الولايات المتحدة "مستعدة لمساعدة!!!" إيران، يجدر التوقف عند محطات سابقة من «المساعدة!!!» الأميركية في هذا البلد- مثل ما جرى عام 1953، حين دبرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) انقلابا أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق، وهو الانقلاب الذي مهد لعقود من حكم شاه إيران المعروف بممارساته الواسعة التعذيب، قبل أن تطيح به الثورة الإيرانية عام 1979.
والمفارقة أن نجل الشاه الراحل ينشط اليوم، من موقعه في منفى مترف خارج واشنطن العاصمة، في الدعوة إلى تدخل أميركي في إيران.
وفي الوقت نفسه، قد يكون ترامب قد أدرك فوائد "مساعدة" شعوب بلدان أخرى بوصفها وسيلة لصرف الأنظار عن حقائق لا ديمقراطية داخل الولايات المتحدة نفسها، من بينها تحولها إلى دولة بوليسية كاملة الأركان، يشعر فيها عناصر إدارة الهجرة بالحرية في قتل مواطنين أميركيين دون رادع.
ومع استمرار ترامب في استحضار بوش بشكل شبه مباشر، فإن آخر ما يحتاجه الإيرانيون اليوم، على الأرجح، هو أن "تأتي الولايات المتحدة لإنقاذهم".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


