آثار اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال على القرن الأفريقي
الجزيرة.نت -

إن كانت هناك ميزة إيجابية واحدة لقرار إسرائيل الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي كدولة مستقلة، فهي انكشاف مخططاتها في المنطقة بصورة جلية كما لم يحدث من قبل.

ولعل تغريدة الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين على منصة "إكس" لخصت جوهر المشروع الإسرائيلي في هذه اللحظة من التاريخ، إذ يقول: "من يظن أن شوية مفرقعات للألعاب النارية التي سقطت في ميناء المكلا قبيل ليلة رأس السنة سوف تنهي مشروع إعادة دولة الجنوب، فهو أبله، دولة الجنوب ودولة الفاشر ودولة الجفرة وسرت ستقوم وإن رغمت الأنوف الراغمة، تأكدوا من هذه الحقيقة".

إن الفهم الصحيح لقرار إسرائيل الخاص بإقليم أرض الصومال ينطلق من استيعاب طبيعة مشروعها الصهيوني التوسعي في المنطقة، والذي يرى أن حدود إسرائيل هي بين النيل والفرات، كما أنه يؤكد أن الدولة العبرية ماضية في تنفيذ واحدة من أخطر وثائقها، وهي وثيقة كيفونيم، التي تسجل رؤيتها لتقسيم دول المنطقة وتجزئتها.

ولذلك فإن خطوة الاعتراف بإقليم أرض الصومال يجب أن تُقرأ في هذا الإطار الواسع الذي يستهدف الدول العربية بصورة جماعية وفردية، كما أنه تجب قراءته من منظور خطورة مترتباته على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر وعلى الدول التي تقع في هذا المجال الحيوي من العالم، إذ إن هذا الاعتراف سيؤسس لسابقة خطيرة في هذه المنطقة الموبوءة بالصراعات الإثنية والدول الهشة في بنيانها الاجتماعي وتماسكها الوطني، وسيفتح الباب للجماعات المتمردة، لا سيما في السودان، ليبيا، اليمن، وحتى إثيوبيا، وكينيا، أن تعلن استقلالها، ومن ثم تجد من يعترف بها دون النظر للقوانين الدولية واحترام المؤسسات الناظمة لأعضاء الأسرة الدولية.

على الرغم من أن التواصل بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال ليس حدثا جديدا، فإن إسرائيل ترى في اللحظة الراهنة فرصة كبيرة للتقدم خطوة نحو مشروعها الكبير في المنطقة

أرض الصومال.. الموقع والأهمية

يحتل إقليم أرض الصومال موقعا إستراتيجيا في البحر الأحمر على خليج عدن، بساحل يبلغ طوله 460 ميلا، كما أنه يقع على مدخل مضيق باب المندب الذي يتحكم في 12% من حجم التجارة الدولية بما يصل إلى 790 مليار دولار، و40% من التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، بما في ذلك النفط الخليجي، ويمثل ميناء بربرة الذي يقع في عاصمته هرجيسا رئة اقتصادية مهمة في المنطقة، باعتباره أكبر الموانئ على خليج عدن.
هذه الأهمية الإستراتيجية هي التي جعلت بريطانيا تحتل هذه المنطقة منذ العام 1887 إلى العام 1960 حين استقلت جمهورية أرض الصومال، التي توحدت لاحقا مع الصومال الذي كان تحت الاحتلال الإيطالي، ولكن سوء الإدارة، وتسلط نظام الرئيس سياد بري وقتها خلقا نوعا من اليأس تجاه الوحدة الطوعية، وهو ما انتهى إلى إعلان الإقليم استقلاله من طرف واحد حين انهارت الدولة المركزية في العام 1991، ومنذ ذلك الوقت ظل إقليم أرض الصومال الانفصالي يبحث عن اعتراف دولي يجعله دولة مستقلة عن الصومال الفدرالي.

إعلان

من ناحية أخرى، امتلك إقليم أرض الصومال جاليات نشطة في الخارج، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، ظلت تعمل بدأب كبير من أجل نيل الاعتراف، وقد كان لافتا ورود الاعتراف بما يسمى (جمهورية أرض الصومال) ضمن مشروع 2025 الذي أعدته نخبة من الجمهوريين المحافظين المقربين من الرئيس ترامب إبان حملته الانتخابية، بإشراف من مؤسسة هيريتيج فاونديشن.

وعلى الرغم من أنه تبرأ من ذلك المشروع وقتها، فإن التجربة تثبت حاليا أن كثيرا مما ورد فيه يشكل جزءا من تحركات الرئيس ترامب واهتماماته.

فقد نادت الأكاديمية كارين كيه بأهمية الاعتراف باستقلال إقليم أرض الصومال، وذلك "لأن مكافحة النشاط الصيني (الخبيث) في القارة ينبغي أن يشمل تطوير جهود دبلوماسية عامة قوية. والاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، هو تحوط ضد تدهور موقف الولايات المتحدة في جيبوتي".

وتطورت هذه الرؤية لاحقا إلى مشروع قرار قدمه إلى الكونغرس النائب سكوت بيري يدعو فيه للاعتراف بإقليم أرض الصومال، وفقا للتبريرات الآتية:

  • استقرار الإقليم على مدى ثلاثة عقود.
  • أهميته الإستراتيجية والأمنية.
  • التزامه بالديمقراطية.

هذه المبررات التي قدمها عضو الكونغرس الأميركي، هي ذاتها التي تقدمها النخبة الإسرائيلية كأسباب لاعتراف إسرائيل بهذا الإقليم، فقد كتب الصحفي الإسرائيلي نادان فيلدمان مقالا في صحيفة "هآرتس" يقارن فيه بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال، وجاء فيه: "كلتاهما ديمقراطيتان صغيرتان ضعيفتان تقعان في مناطق تعج بالأنظمة الاستبدادية والحروب القاتلة، كما تعاني كل منهما من مشاكل بالسيادة في مواجهة المجتمع الدولي، وكل منهما لديها أعداء يسعون إلى تدميرها".

وفي يناير/كانون الثاني من العام المنصرم، شارك رئيس إقليم أرض الصومال السابق في فعالية أكاديمية في هيريتيج فاونديشن بواشنطن، وبعدها قدم النائب الجمهوري جيم ريتش مشروعا للاعتراف باستقلال الإقليم عن الصومال، مررته هذه المرة لجنة العلاقات الخارجية بدعم من الحزبين.

وحتى الآن لا يمكن الجزم بما إذا كانت إدارة الرئيس ترامب ستعترف بالإقليم أم لا، من واقع التعقيد الذي يحيط بالملف، حيث سيؤثر اعترافها تأثيرا مباشرا على حلفاء أقوياء للولايات المتحدة، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، بينما تعمل إسرائيل عبر آلياتها المؤثرة لحمل الإدارة على اتخاذ ذلك القرار.

تداعيات الاعتراف

يمكن قراءة نوايا ودوافع إسرائيل من اتخاذ هذا القرار من واقع ما أفرزته تجربة حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول من حقائق مؤلمة لإسرائيل، فقد شكلت صواريخ الحوثيين مصدر قلق أمني كبير للدولة العبرية.

وعلى الرغم من أن التواصل بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال ليس حدثا جديدا، فإن إسرائيل ترى في اللحظة الراهنة فرصة كبيرة للتقدم خطوة نحو مشروعها الكبير في المنطقة.

فمن ناحية هي مطمئنة إلى أن الانقسام في الجسم العربي قد بلغ مرحلة تمكنها من اتخاذ أصعب القرارات دون أن تخشى ردود الفعل، ومن ناحية أخرى تحظى بدعم غير مسبوق من الإدارة الأميركية الحالية، وفي ظل سعي حكومة نتنياهو الحثيث لتغيير المعادلة في المنطقة عبر تغيير النظام في إيران وتطويق الحدود السعودية بالمخاطر الأمنية، وإرسال رسالة للمتمردين في السودان وليبيا، فإنها أقدمت على هذه الخطوة مدفوعة بهواجس أمنية وأحلام توسعية.

إعلان

إذ من الواضح أن إسرائيل ستسعى إلى تطوير بنية استخباراتية تمكنها من مراقبة الممرات المائية في المنطقة بل والتحكم فيها، خاصة إذا اكتمل بناء القاعدة العسكرية التي سبق أن تحدثت عنها صحيفة معاريف، وقالت إنها ستبنى بدعم من "أطراف إقليمية".

وبالتأكيد شكلت هذه الخطوة تهديدا مباشرا لدول كثيرة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تركيا، الصومال، إريتريا، مصر، والصين، بجانب السودان.

وحدها إثيوبيا -في هذه المنطقة- التي يمكن أن تنخرط في الترتيبات الجديدة التي تريدها إسرائيل وتعاونها فيها أطراف إقليمية.

ولكن ما تغفله إثيوبيا، مدفوعة برغبتها الملحة في الوصول إلى المنافذ البحرية، هو أنها شأنها شأن السودان، وكينيا ودول أخرى، تعاني من انقسامات داخلية، ويمكن أن تشجع هذه الخطوة أطرافا داخلية عندها للمطالبة بالانفصال أو تقرير المصير.

فهناك إقليم أوغادين، الذي ينتمي تاريخيا للقومية الصومالية، وظلت علاقته مع الدولة الإثيوبية محل اضطراب دائم، بجانب إقليم تيغراي، الذي يغلي بعدما حسمت الحكومة المركزية انتفاضته بالقوة المسلحة.

وبالنسبة للمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، يبقى التهديد الإستراتيجي لهما متعلقا بأمن الممرات الدولية وتأمين محيطهما الإستراتيجي.

ودخول إثيوبيا كلاعب مؤثر سيزيد من التوتر الحادث أصلا بينها ومصر فيما يتعلق بملف مياه النيل. وهناك إيران وحليفها الحوثي، اللذان يعلمان علم اليقين أن هذه الخطوة موجهة ضدهما بصورة مباشرة.

أما الصين وتركيا، فإنهما تنظران إلى الخطوة باعتبارها تهديدا مباشرا لاستثمارهما الطويل في هذه المنطقة الحيوية، حيث تحتفظ كلتا الدولتين بقواعد عسكرية وعلاقات متينة في الصومال.

لقد خطت إسرائيل خطوة كبيرة باتخاذها هذا القرار، ومهما كان حجم اطمئنانها لردات الفعل، فإنها ومن حيث لم تحتسب، خلقت أجواء مواتية لتحالفات قوية يمكن أن تتبلور في المدى القريب لمواجهة هذا التهديد، فحتى قبل هذه الخطوة برزت إلى السطح تفاهمات إقليمية، أطرافها تركيا، السعودية، ومصر، في ملفات مهمة كملف غزة، والسودان، واليمن.

وفي حالة قيام هذا التحالف وتوسيعه، فمن المتوقع أن تنقلب المعادلة في أكثر من دولة مثل السودان، اليمن، وليبيا، خاصة أن هناك أكثر من عشرين دولة عربية وإسلامية أصدرت بيانا ترفض الخطوة الإسرائيلية.

ولذلك، فإن تمتين هذا التحالف سيعمل على إضعاف مخرجات اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وإفراغه من محتواه، وفي الوقت نفسه يمكن أن يؤخر أي تفكير أميركي باتخاذ خطوة مماثلة.

في مواجهة هذه الأزمة فإن الدول العربية صاحبة التأثير، مدعوة إلى بذل جهد كبير لمد الجسور مع الصومال الأم ومساعدته. ولتركيا تجربة ناجحة حين استطاعت نزع فتيل الأزمة بين الصومال وإثيوبيا على خلفية توقيع إثيوبيا اتفاقية مع إقليم أرض الصومال لاستخدام الموانئ البحرية، وهي خطوة تأخرت كثيرا من قبل الدول العربية، التي انشغلت كثيرا عن الصومال وأهله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد