هل أنهت الحكومة السورية مشروع "قسَد"؟
الجزيرة.نت -

كاتب وباحث سوري.

Published On 20/1/2026

|

آخر تحديث: 00:15 (توقيت مكة)

شارِكْ

أخذت الأحداث الأخيرة في سوريا مسارا متدرجا ومتسارعا، أعاد رسم خرائط السيطرة الميدانية وتوازن القوى على الأرض، ليرسم مشهدا جديدا ومغايرا، فما بدا أنه عملية أمنية محدودة، بدأت في حيي الأشرفية، والشيخ مقصود في مدينة حلب، تحول إلى عملية عسكرية واسعة، امتدت إلى بلدتي دير حافر، ومسكنة، وشملت بلدة الطبقة، وسد الفرات ومحافظتي الرقة، ودير الزور، وصولا إلى قرى وبلدات عديدة في محافظة الحسكة، فأوجدت معادلة جديدة، فرضت واقعا جديدا، وحملت معها نهاية مشروع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

اتفاق جديد

كان واضحا بعد نجاح قوات الحكومة السورية في إعادة حيي مدينة حلب إلى كنف الدولة السورية، أن القيادة السورية قررت المضي قدما لفرض واقع جديد، ينهي الحالة التي كانت تمثلها "قسد"، وذلك بعد أن ماطل قادتها أشهرا عديدة، وتهربوا من تنفيذ اتفاق 10 مارس/ آذار، الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد "قسد" مظلوم عبدي.

لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة "قسد" بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات

بمجرد انتهاء الموعد النهائي لتنفيذ هذا الاتفاق، أدركت السلطات السورية فشل حالة الضبط المستمر الذي فرضته على نفسها، وقررت إنهاء الوضع الشاذ في مدينة حلب، لكن التراجع الذي بدأ فيها، تحولَ فيما بعد إلى هزيمة كبرى لـ"قسد"، فهي لم تقتصر على خسارتها مساحات جغرافية كبيرة، كانت تسيطر عليها طوال أكثر من عشر سنوات مضت، بل هي هزيمة بنيوية، أنهت جوهر المشروع العسكري الذي قامت عليه، إضافة إلى المشروع السياسي والإداري لما كان يسمى "الإدارة الذاتية".

ما يزيد حجم الهزيمة هو أن قادة "قسد" اضطروا تحت ضغط الواقع الميداني إلى قبول توقيع اتفاق جديد في 18 يناير/كانون الثاني الجاري، جرى التمهيد له باجتماعات في أربيل، عقدها مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، مع وفد من "قسد"، وبمشاركة الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق مسعود البارزاني.

إعلان

جاء الاتفاق الجديد بعد الواقع الميداني الجديد، الذي فرض معادله السياسي، وباتت الدولة السورية تبسط سيادتها على الجزيرة السورية، ما يعني نهاية حالة التقسيم التي كانت قائمة، والتوجه نحو الوحدة، وتعزيز الاستقرار الأمني، وبما يمكن الدولة السورية من تنفيذ خططها التنموية، ومشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

نهاية المشروع

يعبر الاتفاق الجديد عن نهاية مشروع "قسد"، كونه لا ينص فقط على وقف إطلاق النار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا للحكومة السورية، ودمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، بل ينص أيضا على دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ"قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين بشكل "فردي"، بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، ما يعني حل هيكلها التنظيمي العسكري، وانصهارها كليا.

إضافة إلى التزام "قسد" بإخراج كل قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) غير السوريين خارج حدود سوريا.

ووفق ما سبق، فإن تطبيق الاتفاق يعني عمليا نهاية "قسد" بوصفها كيانا عسكريا جامعا تشكل عام 2015، وكذلك نهاية "الإدارة الذاتية"، بجميع مؤسساتها السياسية والمدنية، من "مجلس سوريا الديمقراطية" إلى المجالس المحلية والإدارية.

جاءت نهاية مشروع "قسد" بعد تعنت قادتها المتشددين (المنحدرين من حزب العمال الكردستاني) نتيجة العمى الأيديولوجي الذي أصيبوا به، وجعلهم يعتقدون أنهم بإمكانهم الإبقاء على سيطرتهم على مناطق ليس بوسعهم إدارتها، واتّباعهم سياسات مهينة ومسيئة للسكان، عربا وأكرادا وسواهم، وذلك بقيامهم بخطف القاصرات وتجنيدهن، ونهب محاصيل السكان والاستيلاء على ثروات سوريا.

نهاية المظلومية

كشفت التطورات التي جرت في حلب وما بعدها عن فشل "قسد" في نيل تأييد شعبي حقيقي بين الأوساط الشعبية الكردية، الأمر الذي يكشف زيف ادعائها تمثيلهم، وذلك على الرغم من البروباغندا التي صرفت عليها كثيرا. إضافة إلى فشلها في حث تلك الأوساط على الالتزام بعقيدتها التي تبنتها واستنسختها من عقيدة حزب العمال الكردستاني، رغم الضغوط التي كانت تمارسها.

اللافت هو أن التغيرات الميدانية بعد بسط السيادة السورية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ترافقت مع إصدار الرئيس الشرع المرسوم رقم (13)، الذي نص على الاعتراف الصريح بالحقوق الثقافية واللغوية للسوريين الأكراد، ورفع المظالم التي لحقت بهم جراء الإحصاء السكاني عام 1962، ومنح جميع مكتومي القيد الجنسية السورية.

الأهم هو أن هذا المرسوم لم يُطرح تحت ضغط خارجي ولا كرد فعل لاحتواء حراك أو تمرد داخلي، بل بوصفه جزءا من رؤية الحكومة السورية الهادفة إلى تفكيك الأساس الذي حاول قادة "قسد" بناء مظلومية كردية عليه، طوال السنوات الماضية، وبالتالي، نجحت القيادة السورية في سحب الذرائع من أيدي قادة "قسد"، الذين ادعوا أنهم يدافعون عن حقوق السوريين الأكراد، ويسعون إلى انتزاعها.

إذ، لم يعد الصراع يدور حول من هي القوة التي يمكنها السيطرة على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في سوريا، بل حول الجهة التي تمتلك مشروعية تمثيل الكرد السوريين.

إعلان

ولعل صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) عنى أن الدولة هي الجهة الوحيدة، التي تمتلك المشروعية، كونها تكفل حقوقهم الوطنية والفردية والثقافية، وليست التنظيمات العسكرية الخارجة عن سلطة القانون، وهو أمر يعيه جيدا غالبية السوريين الأكراد، الذين يجدون مكانهم الطبيعي ضمن الدولة السورية، وذلك بعد انتهاء المشروع القائم على خطاب سردية المظلومية، الذي استثمر فيه طويلا قادة "قسد"، من أجل التغطية على أيديولوجيتهم القومية العابرة للحدود، التي عفّى عليها الزمن.

كما أن انتفاض سكان محافظتي الرقة ودير الزور ضد "قسد"، والانتهاكات التي قام بها بعض عناصرها عند الانسحاب، وخاصة تصفية سجناء في مدينة الطبقة، واستهداف قناصتها المدنيين في الشوارع والساحات، وتدمير الجسور والمقرات التي كانوا فيها، كل هذا يشي بأن هذه القوات تعاملت وفق منطق الانتقام من أبناء المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وكانت تمثل قوة طارئة وخارجة عن إرادتهم.

المواقف الدولية

أيدت دول عديدة الاتفاق الجديد، وحظيت الإجراءات التي قامت بها القيادة السورية بدعم العديد من الدول العربية والإقليمية والدولية، واعتبرتها تهدف إلى بسط سيادتها وتثبيت الأمن في كافة المناطق السورية.

حصل تغير كبير في الموقف الأميركي، إذ لم تلق "قسد" ذلك الدعم الأميركي الكبير الذي كانت تحظى به طوال السنوات الماضية، وبات الموقف الأميركي يتحدد بالعلاقة المتنامية مع دمشق، ويحكمه رغبة أميركية في نقل الشراكة في ملف محاربة تنظيم الدولة "داعش" من "قسد" إلى الحكومة السورية، والحرص على وحدة الأراضي السورية، والدعم باتجاه وضع آليات من أجل دمج "قسد"، وبما يضمن سيطرة الدولة السورية على كامل أراضيها.

إضافة إلى أن هذا الموقف حيّد الموقف الإسرائيلي، ومنعه من التدخل لصالح "قسد"، بالرغم من مراهنة بعض قياداتها المتشددة.

لم يتردد المسؤولون الأميركيون بمطالبة قادة "قسد" بضرورة الانسحاب من حلب وسواها، وتجنب المواجهة، والتحذير من نتائجها، ورفضوا تقديم أي ضمانات تتعلق بمنع القوات الحكومية السورية من القيام بعمليات في مناطق شرقي نهر الفرات، فيما منعت القوات الأميركية في سنوات سابقة القوات الروسية وقوات النظام السابق من القيام بذلك، بل وقصفت مليشيات "فاغنر" حين حاولت التوغل إلى شرقي الفرات في أوائل فبراير/شباط 2018.

أخيرا، يرسم الاتفاق الجديد ملامح مرحلة جديدة في سوريا، ويرتبط تطبيقه بمدى تجاوب قادة "قسد"، المعروف عنهم جنوحهم نحو عدم تطبيق الاتفاقيات التي يوقعونها، مثلما حصل في اتفاقياتهم مع "المجلس الوطني الكردي" واتفاق 10 مارس/آذار، لكن الأمر مختلف هذه المرة، كونهم محكومين بظروف وأوضاع مختلفة، وذلك بعد أن فقدوا معظم المناطق التي كانوا يسيطرون عليها، وما يعنيه ذلك من فقدانهم مصادر الثروة.

والأجدى اغتنام الفرصة والاندماج في مؤسسات الدولة، للشروع في المشاركة في بناء مستقبل أفضل لبلادهم، أسوة ببقية السوريين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد