يعتبرونه أداة مقاومة.. الفلسطينيون يتشبثون بالتعليم تحت نيران الاحتلال
الجزيرة.نت -

لا يجد الفلسطينيون في قطاع غزة أبسط الاحتياجات الإنسانية اللازمة لمواصلة الحياة، لكنهم يجعلون التعليم أولوية ويرونه سلاحا في مواجهة الاحتلال وجزءا من كرامتهم الإنسانية.

فعلى مدار عقود، تعامل الفلسطينيون مع التعليم باعتباره ركيزة أساسية من ركائز وجودهم وسلاحا في مواجهة الاحتلال، حتى حققوا نسبة أمية من بين الأقل عالميا.

ووفقا للجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، فقد بلغت نسبة من يجيدون القراءة والكتابة 97.9%، بعدما انخفضت معدلات الأمية إلى 2.1% قبل عامين مقارنة بـ13.9% عام 1997، حسب حلقة 2026/1/19 من برنامج "للقصة بقية".

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

فقد كان التعليم هدفا دائما للاحتلال، حسب رئيس الجامعة العربية الأميركية علي أبو زهري، الذي قال إن إسرائيل لم تترك طريقا لطمس هوية الفلسطينيين إلا سلكته.

وفي تقرير أعده "للقصة بقية"، قال أبو زهري، إن الاحتلال وضع -ولا يزال- عقبات أمام التعليم، فلا يسمح باستقدام أساتذة للجامعات من الخارج ولا بجلب بعض معدات متطورة للدراسة أملا في تخريج أجيال تنسى حقوقها.

كما تدخل الاحتلال بشكل دائم في مناهج الدراسة ووضع قيودا على التعليم، وفق مدير عام العلاقات الدولية في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية أحمد النجار.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، لكنه امتد -حسب النجار- ليشمل اعتقال أو قتل كثير من الطلاب والأساتذة الفلسطينيين خصوصا في حربه الأخيرة على قطاع غزة، والتي اعتبرتها الأمم المتحدة إبادة جماعية.

وأنشئت وزارة التربية والتعليم في فلسطين عام 1994 بعد توقيع اتفاق أوسلو، وأسهمت في بناء نظام تعليمي وطني توج باعتماد منهج فلسطيني موحد مع مطلع العقد الأول من الألفية.

تدمير كامل

ولم يكن الفلسطينيون في غزة يعرفون أنهم على موعد مع حرب مدمرة سيكون التعليم أول ضحاياها، وستحول بين أولادهم ومقاعد الدراسة بمختلف مراحلها وتخصصاتها.

فقد بدأت السنة الدراسية في 26 أغسطس/آب 2023، بشكل اعتيادي حيث التحق نحو 625 ألف طالب وطالبة بـ803 مدارس حكومية أو تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، لتلقي العلم على يد أكثر 22 ألف معلم ومعلمة. كما التحق أكثر من 80 ألف طالب بجامعات القطاع الـ23 والتي تمنح شهاداتها في 650 تخصصا.

وعندما بدأت الحرب، كانت مدارس وجامعات القطاع قد أنهت السنة الأولى من برنامج تعليمي يمتد عامين بهدف تعويض الفاقد الذي أحدثه وباء كورونا، كما يقول رئيس برنامج التعليم في أونروا فريد أبو عاذرة.

بيد أن آلة التدمير الإسرائيلية أتت على النظام التعليمي في القطاع بعدما تحولت المدارس والجامعات إلى مراكز إيواء استقبلت آلاف النازحين الذين فقدوا بيوتهم أو تركوها استجابة لأوامر الإخلاء الإسرائيلي.

وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قصفت إسرائيل الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر، وبعد يومين اثنين دمرت 75 مدرسة، فاستشهد 15 من الكوادر التعليمية على الأقل وأكثر من 300 طالب.

وخلال العام الماضي، كشفت الأمم المتحدة عن دمار غير مسبوق في البنية التعليمية بالقطاع، حيث دمر أو تضرر نحو 97% من المدارس ومرافق التعليم، إلى جانب 22 من أصل 38 حرما جامعيا، وخرج 195 من 206 مبان جامعية من الخدمة.

وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، وصل عدد الشهداء من الطلاب والكادر التعليمي لأكثر من 21 ألفا، حسب وزارة التعليم الفلسطينية.

ولم تمنع الهجمة الإسرائيلية الوحشية على التعليم الفلسطينيين من مواصلة الدراسة تحت نيران المدافع وأزيز الطائرات، حيث بادر كثيرون لإيجاد بدائل عن المدارس والجامعات التي أتت عليها الحرب.

ومن بين هؤلاء، الطبيب الشاب عز الدين سمير، رئيس ومدير تنفيذي لمؤسسة "سمير"، الذي أكمل آخر عامين في كلية الطب على أنقاض مستشفى الشفاء، والذي قال إن الحرب غيّرت حياته بشكل كامل.

وعمل سمير خلال الحرب متطوعا في مجمع الشفاء وأكمل دراسته في نفس الوقت، فكان من بين خريجي دفعة "العنقاء" التي أقيم حقل تخرجها في وقت سابق من الشهر الجاري.

مبادرات تكبر

ورغم ندرة الإمكانيات ومخاطر الحرب، عاود طلاب الطب دراستهم داخل مستشفى الشفاء، كما يقول سمير، الذي أكد أن عددا كبيرا منهم ومن أساتذتهم أصيبوا في قصف استهدف الغرفة التي كانوا يؤدون فيها امتحان التخرج بأحد المستشفيات.

وبعدما فقد 20 من عائلته في لحظة واحدة، أسس الطبيب الشاب مؤسسة "سمير" صدقة على روح والده سمير لولو، حتى يساعد طلبة الطب على إكمال تعليمهم في ظل الحرب.

وأصبحت هذه المؤسسة من أكبر المؤسسات العاملة في هذا المجال حاليا فهي توفر المنح الدراسية وتعمل على ترميم بعض البنى التحتية التعليمية، ولديها أكثر من 350 سفيرا حول العالم يحاولون نقل صوت غزة للعالم ومساندة طلاب الطب في كل المناطق المنكوبة، كما يقول مؤسسها.

وفي ظل تخاذل العالم الذي لم يعد قادرا على إدخال حتى الخيام لغزة، تواجه عودة الدراسة تحديات كبيرة، بيد أن نائب رئيس مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في غزة كمالين شعث، يقول إن الفلسطينيين يملكون العاملين الأساسيين لإعادة المنظومة التعليمية وهما: المعلم والإداري الكفؤ، والإيمان بالتعليم، وقبلهما الطلاب الراغبون في الدراسة.

فالمعدات والتجهيزات "تعتبر أمرا تكميليا قياسا بشغف العلم"، الذي يقول شعث إنه يمثل جبهة أخرى في هذه الحرب، التي صنع الغزيون خلالها نحو ألف مكان للتعليم تحت القصف ونجحوا في تخريج دفعات من الطلاب بما هو متاح.

ولا تختلف الأستاذة بجامعة غزة دعاء سلامة، مع حديث شعث، وترى أن العودة ستكون ممكنة بسبب إيمان الفلسطينيين بالتعليم واعتباره واحدا من أدوات المقاومة.

ولن تكون إعادة الأمور لما كانت عليه قبل الحرب سهلة، كما تقول دعاء سلامة، لكن الجهود الحكومية والخاصة والعربية قادرة على إعادة بناء المدارس والجامعات.

لكن المهم قبل بناء المدارس والجامعات -وفق الأستاذة الجامعية- هو إعادة تأهيل الطلاب الذين فقدوا ذويهم ومعلميهم نفسيا، ووضع خطة تعيد العملية التعليمية لما كانت عليه قبل الحرب كجزء أساسي لإعادة الحياة للقطاع.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد أكدت أن الفلسطينيين يعطون التعليم أولوية على كل شيء رغم نقص الاحتياجات الأساسية وذلك من أجل الحفاظ على كرامتهم.

Published On 20/1/2026

|

آخر تحديث: 01:12 (توقيت مكة)

شارِكْ



إقرأ المزيد