الجزيرة.نت - 1/27/2026 11:59:43 AM - GMT (+3 )
تعيش سوريا مرحلة تحول اقتصادي مع استعادة الحكومة السيطرة على معظم المنطقة الشرقية، لا سيما محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، نظرا لما تختزنه هذه المنطقة من ثروات باطنية وزراعية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد السوري.
ويترقب السوريون خلال أيام تطبيق اتفاق 18 يناير/كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذي يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، وتسلم دمشق إدارة المنشآت الحكومية والمعابر الحدودية والسجون وحقول النفط والغاز.
وأعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية قبل أيام تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بينهما 15 يوما.
معلومات عن منطقة الجزيرةوتقع منطقة الجزيرة في أقصى شمال شرقي سوريا وتمتد بين نهري دجلة والفرات وعلى تماس مباشر مع الحدود العراقية التركية، وتضم محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، مشكّلة نحو 41% من مساحة البلاد، وتعد إحدى أكثر المناطق السورية تركيزا للموارد الطبيعية.
وتعرف الجزيرة بأنها سلة الغذاء السورية وخزانها المائي والنفطي، إذ تحتوي على نحو 64% من الموارد المائية في البلاد، وتنتج أكثر من نصف محصول القمح السوري بما يتجاوز مليوني طن سنويا، تتركز 45% منه في محافظتي الحسكة والرقة، بإجمالي يناهز مليونا و800 ألف طن.
كما تسهم المنطقة بنحو 62% من إنتاج القطن الذي يمثل ركيزة أساسية لصناعة النسيج، وتتصدر محافظة الحسكة هذا الإنتاج بنسبة 38%.
وتشير التقديرات إلى أن إسهام الإقليم في الاقتصاد الوطني بلغ 27% مطلع الألفية، ثم تراجع إلى 19% قبيل عام 2011، نتيجة النزاعات التي أصابت أحد أعمدة الاقتصاد السوري بالشلل.
ووفق معطيات صادرة عن وزارة الزراعة الأميركية (خدمة الزراعة الخارجية) توزع إنتاج القمح السوري خلال موسم 2024/2025 بين محافظات المنطقة على النحو التالي:
إعلان
- الرقة 23% من الإنتاج الوطني.
- الحسكة 22%.
- دير الزور 10%.
ولا تقل الثروة الحيوانية في الجزيرة أهمية، إذ تمثل أكثر من 37% من الإنتاج الزراعي بقيمة تقدر بنحو 3 مليارات دولارات و170 مليون دولار.
وكانت محافظة الحسكة تضم قبل الأزمة أكبر قطيع أغنام في سوريا بأكثر من 3 ملايين رأس.
إعادة تنشيط الاقتصاديرى المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي أن استعادة السيطرة على محافظات الجزيرة السورية، وفي مقدمتها الحسكة، تمثل دفعة مباشرة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.
ويوضح القاضي للجزيرة نت أن نحو ثلث الناتج القومي السوري قبل عام 2011 كان يعتمد على النفط والغاز المتركزة حقولهما في هذه المنطقة.
ويشير إلى أن عودة الحسكة تتيح للدولة تأمين موارد مهمة للخزينة العامة، ما ينعكس على تحسين مستوى المعيشة وتعزيز القدرة على إدارة المالية العامة.
كما أن عودة الحسكة إلى الدولة تمكن الحكومة – بحسب القاضي – من ضبط المعابر الخارجة عن السيطرة، والحد من تهريب البضائع، ولا سيما القادمة من الأسواق المجاورة، إضافة إلى تنظيم تسويق محاصيل القمح والقطن وضمان وصول عائداتها إلى الخزينة بدل تسربها خارج القنوات الرسمية.
ويؤكد القاضي أن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام فرص عمل واسعة في قطاعات النفط والزراعة والتصنيع الزراعي، بالتوازي مع خطط لإعادة إحياء محافظات عانت من الإهمال لعقود، فضلا عن دعم الكهرباء والقطاع الصناعي، بما يشجع دخول الاستثمارات ويجعل الجزيرة السورية قاطرة محتملة للتنمية.
معادلة الأمن الغذائيمن جهته يرى الباحث الاقتصادي عبد السلام العمر أن استعادة الدولة السيطرة على مناطق الجزيرة السورية تشكل متغيرا بنيويا في معادلة الأمن الغذائي والميزان التجاري، نظرا للوزن النسبي المرتفع الذي تمثله هذه المناطق في إنتاج الحبوب، ولا سيما القمح، وفق تقديرات المؤسسات الدولية المعتمدة.
ويقول العمر للجزيرة نت إن مساهمة محافظات الرقة والحسكة ودير الزور بما يزيد على نصف الإنتاج الوطني من القمح تتيح للدولة هامشا واسعا لإعادة هيكلة سياسة القمح، عبر الانتقال من نمط الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي.
بدوره، يؤكد المحلل الاقتصادي يونس الكريم للجزيرة نت أن المناطق الشرقية تواجه تحديات كبيرة في قطاع زراعة القمح، أبرزها الحاجة إلى استقرار أمني وعسكري، إضافة إلى تأثيرات الجفاف.
ويشدد الكريم على أن معالجة هذه التحديات تتطلب دعما تركيا حقيقيا، خصوصا في ما يتعلق بتأمين المياه وإعادة تشغيل معمل الأسمدة، بما يساهم في دعم الزراعة وخفض تكاليف الإنتاج.
احتياطات النفط والغازبالعودة إلى ثروات المنطقة المستعادة، تشير تقديرات رسمية سورية وتقارير دولية إلى أن سوريا تمتلك احتياطياً نفطيا يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، وفق بيانات متداولة عن وزارة النفط السورية وتقارير طاقة دولية، مع وجود تقديرات أعلى غير مؤكدة ترفع الرقم إلى نحو 7 مليارات براميل.
وتتركز النسبة الكبرى من الحقول النفطية المنتجة تاريخيا في المنطقة الشرقية، ولا سيما في دير الزور والحسكة.
وبحسب دراسات بحثية وتقارير طاقة، كانت حقول شرق الفرات تمثل قبل الحرب نحو 70% إلى 80% من القدرة الإنتاجية النفطية السورية، مع وجود حقول بارزة مثل العمر، والتنك، والجفرة، والسويدية، والرميلان.
إعلان
أما في قطاع الغاز، فتقدر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 285 مليار متر مكعب، وفق بيانات حكومية سورية نقلتها تقارير متخصصة، ويستخرج جزء مهم من الغاز المصاحب للنفط من حقول شرق البلاد، ما يمنح المنطقة وزنا مضاعفا في ملف الطاقة.
ويوضح الخبير الاقتصادي علي محمد في تعليق للجزيرة نت أن سوريا تمتلك احتياطيا جيولوجيا كبيرا من النفط والغاز يتركز معظمه في منطقة الجزيرة، وأن التطورات الأخيرة تعني إمكانية استعادة الإنتاج النفطي والغازي تدريجيا لتلبية متطلبات الاستهلاك المحلي أولا، ثم الانتقال إلى التصدير.
وأشار إلى أن آبار الفرات تشكل النسبة الأكبر من الإنتاج اليومي الذي يصل اليوم إلى نحو 100 ألف برميل، مع إمكانية مضاعفة الإنتاج خلال فترة زمنية قصيرة في حال توافر الخبرات والشركات المختصة، ما يفتح الباب أمام وقف الاستيراد وتحويل الفائض إلى مورد تصديري.
وتضم الحسكة حقولا نفطية أبرزها:
- حقل السويدية الذي كان ينتج نحو 116 ألف برميل يوميا قبل 2011 لكن إنتاجه حاليا لا يتجاوز 7 آلاف براميل، وفق غلوبال إنيرجي مونيتور.
- حقل رميلان الذي كان ينتج 100 ألف برميل يوميا في 2011، وانخفض حاليا إنتاجه أيضا إلى نحو 7 آلاف براميل فقط.
- حقل الجبسة الذي يضم أحد أكبر معامل إنتاج الغاز في سوريا، بطاقة كانت تتجاوز 3 ملايين متر مكعب يوميا قبل عام 2011، إلى جانب معمل غاز السويدية الذي كان ينتج آلاف أسطوانات الغاز يوميا.
- حقول أخرى أصغر كحقل كراتشوك وحقل الهول إلى جانب مئات الآبار النفطية المنتشرة على كامل جغرافية المحافظة.
وحول استغلال ثروات الطاقة، يجمع خبراء اقتصاد وطاقة على أن أي مسار لتعافي الاقتصاد السوري أو إعادة الإعمار سيبقى مرتبطا بشكل مباشر باستقرار وإدارة موارد المنطقة الشرقية، نظرا لما تختزنه من ثروات قادرة، في حال استثمارها بشكل مؤسسي وقانوني، على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
ويقول الخبير المالي والمصرفي فراس شعبو للجزيرة نت إن المسألة لا تقتصر على السيطرة الجغرافية على المنطقة الشرقية فحسب، بل تتطلب إدارة واستثمارا وتوظيفا اقتصاديا فعالا، مشددا على أن قوات قسد بددت الموارد خلال فترة سيطرتها على تلك المناطق، وفق تعبيره.
ويضيف أن قطاع الطاقة من نفط وغاز يمثل عاملا أساسيا في تخفيف الأعباء عن الحكومة عبر تقليل الاستيراد، والتحول التدريجي من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الميزان التجاري السوري.
وفي شأن حقول النفط يوضح شعبو أنها ستعود إلى العمل، لكنها تحتاج إلى وقت لإجراء عمليات الجرد والدراسة الفنية لمعرفة الاحتياجات والقدرة الإنتاجية ومتطلبات الصيانة، إضافة إلى ما يعرف بعملية "العمرة" أي إعادة التأهيل الشامل.
ويقول المحلل الاقتصادي يونس الكريم، إن الحديث عن دمار شامل في البنية التحتية للحقول النفطية فيه قدر من المبالغة، ويضيف أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في توجيه النفط نحو التكرير لتلبية احتياجات السوق المحلية، ثم بيعه داخليا بالسعر العالمي بعد تحرير أسعار الطاقة.
ويشير إلى أن هذا المسار يحقق عوائد أعلى للدولة، ويسهم في تغطية الطلب المحلي وخفض الضغط على الدولار، محذرا من أن أي خطوة استثمارية في الوقت الراهن ستشكل خسارة مؤكدة، فالشركات الدولية – كما يقول – ستدخل بشروط قاسية مستفيدة من ضعف إمكانيات الحكومة وقلة البيانات المتوفرة لديها.
إقرأ المزيد


