الجزيرة.نت - 1/27/2026 1:10:47 PM - GMT (+3 )
Published On 27/1/2026
|آخر تحديث: 12:53 (توقيت مكة)
شارِكْ
تدخل غزة المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب محمَّلةً بواقع ميداني معقّد تشكّل خلال مرحلة أولى لم تُنفّذ كما نُصّ عليها، لتتحول الهدنة المعلنة من مسار لخفض التصعيد إلى إطار أعاد إنتاج السيطرة العسكرية وترسيم حدود جديدة داخل القطاع.
فبدلا من أن تكون المرحلة الأولى بوابة لوقف شامل لإطلاق النار، جاءت امتدادا لعمليات عسكرية منخفضة الوتيرة، اتخذت من الهدنة غطاء، ومما سُمّي الخط الأصفر أداة لإعادة هندسة خريطة السيطرة، كما توثّق مراسلة الجزيرة أسماء محمد في تقريرها.
الاتفاق المستند إلى الخطة الأمريكية نصّ على وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخط الأصفر داخل قطاع غزة، مع إبقاء إسرائيل مسيطرة على أكثر من نصف مساحة القطاع، وربْط أي انسحابات لاحقة بمسار نزع السلاح وترتيبات أمنية طويلة الأمد.
نظريا، كان الخط الأصفر خط تماس مؤقتا، تتوقف عنده العمليات العسكرية وتُثبّت خلفه القوات الإسرائيلية، تمهيدا لمرحلة سياسية وأمنية لاحقة تشمل تبادل الأسرى، وفتحا جزئيا للمعابر، وعودة تدريجية للمدنيين، والانطلاق نحو إعادة الإعمار.
لكن ما كُتب على الورق لم يصمد أمام الوقائع الميدانية، إذ لم تتعامل إسرائيل مع الخط الأصفر بوصفه خط انسحاب، بل كمنصة متحركة لتوسيع السيطرة داخل غزة، وفق توصيف القيادة العسكرية الإسرائيلية نفسها.
تحقيقات صحفية مدعومة بصور أقمار صناعية أظهرت أن الحواجز الأسمنتية وُضعت بداية عند موقع الخط كما هو مرسوم، قبل أن تُدفع لاحقا مئات الأمتار إلى الداخل، بعد تدمير عشرات المباني بين الخطين داخل أحياء سكنية مأهولة.
عمليات هدم مستمرةولم تتوقف عمليات الهدم مع دخول الهدنة حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بل استُخدمت لتفريغ مناطق كاملة حول مواقع تمركز الجيش، وتحويلها إلى أحزمة أمنية فارغة، في مشهد أعاد تشكيل الجغرافيا العمرانية للقطاع بالقوة.
إعلان
وخلال ما وُصف بوقف إطلاق النار، استشهد مئات الفلسطينيين بنيران إسرائيلية مباشرة، سواء برصاص الجنود أو عبر الطائرات المسيّرة، أو بقصف استهدف منازل مأهولة بذريعة ملاحقة مطلوبين أو التعامل مع تهديدات ميدانية.
وأكدت تقارير أممية أن هذه العمليات وقعت داخل مناطق يُفترض شمولها بالهدنة، مشيرة إلى أن الخط الأصفر نفسه لم يكن ثابتا، بل تغيّر موقعه عمليا مع كل عملية توغل أو إعادة انتشار ميداني.
وفي ملف المعابر، برز معبر رفح بوصفه مؤشرا واضحا على الفجوة بين نص الاتفاق وتنفيذه، إذْ ظل خاضعا لقيود مشددة، مما حوّله من شريان إنساني مفترض إلى أداة ضغط إضافية في المشهد الميداني.
وخلال فترة الهدنة، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير أنفاق بطول 4 كيلومترات داخل القطاع، مبررا ذلك بأن العمليات جرت داخل المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر، وبما يتوافق -حسب زعمه- مع بنود الاتفاق.
الخط الأصفر يتحول لأزرقومع الانتقال المعلن إلى المرحلة الثانية، لم يعد الخط الأصفر يُطرح بوصفه إجراء مؤقتا، بل يجري التعامل معه كخط أكثر رسوخا، أشبه بما يُعرف بـ"الخط الأزرق"، أي كحد عملي للتقسيم الأمني.
ووصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هذا الخط صراحة بأنه "خط حدود جديد"، و"خط دفاع متقدم"، و"خط هجومي" في آن واحد، في دلالة على أن المؤسسة العسكرية تنظر إليه باعتباره ترسيما دائما لا مرحلة انتقالية.
هذا الواقع يُبقي إسرائيل مسيطرة على نحو 53% من مساحة قطاع غزة، بما يشمل مناطق واسعة في الشمال والشرق والجنوب، ريثما يتم التقدم في مسارات نزع السلاح، ونشر قوة دولية، واستكمال ترتيبات الحكم وإعادة الإعمار وفق الرؤية الأمريكية.
في المقابل، أكدت الأمم المتحدة رفضها لأي تغيير في حدود القطاع، معتبرة أن تحويل الخط الأصفر إلى حد جديد يناقض نص وروح اتفاق وقف إطلاق النار، ويقوّض أسسه القانونية والإنسانية.
إقرأ المزيد


