الجزيرة.نت - 1/30/2026 9:18:53 AM - GMT (+3 )
Published On 30/1/2026
|آخر تحديث: 09:11 (توقيت مكة)
شارِكْ
للوهلة الأولى، تبدو الحزازيات نباتات هامشية لا يلتفت إليها أحد، فهي مجرد خيوط خضراء دقيقة لا يتجاوز عرض كثير من أنواعها ما يساوي رمش العين.
لكن دراسة حديثة في دورية "فورنسك ساينسز ريسيرش" (Forensic Sciences Research)، تشير إلى أن هذه الكائنات الصغيرة قد تتحول إلى "شاهد" في التحقيقات الجنائية، لأن مجرد شظية مجهرية عالقة بحذاء أو ثوب يمكن أن تحمل بصمة مكان دقيقة للغاية.
والفكرة التي يعتمد عليها العلماء بسيطة لكنها مؤثرة، فأنواع الحزازيات لا تتوزع عشوائيا، بل تتخصص في بيئات دقيقة داخل المكان الواحد، حيث يمكن أن تجدها في ظل شجيرة أو منطقة رطوبة على حافة مستنقع أو مجرى ماء.
وبحسب الدراسة، فإن هذا التخصص يجعل خليط الأنواع، وأحيانا الكائنات الأصغر التي تعيش على الحزازيات، مؤشرا قويا على مكان الشخص.
ويقول الباحثون إن المشكلة لم تكن في غياب الدليل النباتي، بل في أن كثيرا من المحققين قد يهملونه لأنهم لا يعرفون ما الذي ينظرون إليه.
وفي هذا السياق، راجع الباحثون نحو 150 عاما من الأعمال البحثية في هذا النطاق بحثا عن حالات استخدمت فيها الحزازيات في سياقات جنائية.
ووجد الباحثون أن الاستخدام الجنائي لهذه النباتات موثق لكنه ليس كبيرا، بما يعزز فكرة أن المجال ما زال أقل انتشارا مما تسمح به إمكاناته.
وأظهرت الدراسة أن أقدم حالة وثقتها المراجع تعود إلى عام 1929، حين ساعد نمو الحزازيات على هيكل عظمي متحلل في تقدير الزمن منذ الوفاة.
ومنذ ذلك الحين سجلت حالات أخرى لا يقل عددها عن عشر، في دول عدة مثل فنلندا والسويد وإيطاليا والصين والولايات المتحدة، وقدمت فيها الحزازيات قرائن تتعلق بوقت وقوع الجريمة أو مكانها أو ظروفها.
أما القصة الأكثر درامية في الدراسة، فهي ما يعرف بقضية "بيبي كيت" في شمال ولاية ميشيغان الأميركية، حيث قام أب بقتل طفله الرضيع وأعطى الشرطة وصفا عاما لمكان الدفن دون تحديد دقيق.
إعلان
لاحقًا عثر المحققون على فتات نباتي مجهري على حذائه، وفي عام 2013 قاد الفريق البحثي لهذه الدراسة بحثا عن الموقع الدقيق الذي تطابقه تلك الشظايا.
وبالاستناد إلى قطع الحزازيات وحدها، تمكن الفريق من تضييق نطاق البحث من سبع مقاطعات إلى مساحة صغيرة جدا قدرت بنحو 50 قدماً مربعاً، ثم أكد الأب في مقابلة لاحقة أن هذا هو موضع الدفن الذي قصده.
علم النبات الجنائيوالأمر لا يتوقف على الحزازيات، فعلم النبات الجنائي هو تخصص علمي يستخدم الأدلة النباتية لحل الجرائم. يجمع هذا المجال بين معرفة البيئة والنباتات وتقنيات التحليل الجنائي لتقديم أدلة حاسمة في التحقيقات.
وتكمن أهمية علم النبات الجنائي في قدرته على ربط المشتبه بهم بمواقع محددة، حيث يمكن لأي جزء نباتي، سواء كان ورقة شجر، غصنًا صغيرًا، أو حتى حبة لقاح عالقة بملابس المشتبه به أو سيارته، أن يكون بمثابة "بصمة بيولوجية" تثبت وجوده في مسرح الجريمة.
كما يساعد هذا العلم في تحديد الموقع الفعلي للجريمة وتوقيت وقوعها، عبر تحليل نوع النباتات ومرحلة نموها، يمكن للخبراء تحديد المدة التي قضتها الجثة في مكان معين أو كشف ما إذا كان قد تم نقلها من مكان آخر، مما يغير مسار التحقيق بشكل جذري.
بل ويساعد تحليل نوع وكمية النباتات في مسرح الجريمة على تحديد طبيعة الوفاة، سواء كانت قتلاً أو حادثاً أو انتحاراً، عبر توفير أدلة سياقية تدعم أو تدحض الروايات المختلفة.
فمثلاً، وجود أنماط محددة من الضرر النباتي أو تناثر أجزاء نباتية متطابقة في ملابس الضحية ومحيط مسرح الجريمة يمكن أن يتوافق مع حادث سقوط عرضي.
وعلى النقيض، إذا كانت النباتات الموجودة على الجثة غير متطابقة مع بيئة مكان العثور عليها، فإن ذلك يشير بقوة إلى أن الجثة نُقلت بعد الوفاة، وهو ما يدعم غالباً فرضية القتل العمد ويدحض ادعاءات الانتحار أو الحادث في موقع الاكتشاف.
إقرأ المزيد


