الجزيرة.نت - 1/30/2026 2:02:58 PM - GMT (+3 )
تعيد السينما العالمية تصوير الرجل، خلال السنوات العشرين الأخيرة، بشكل مختلف، كأن المقصود منه طمس نموذج البطل الواثق والثابت، تدريجيا، لصالح شخصيات تميزها انكساراتها الداخلية أكثر من قوتها البدنية أو سيطرتها على السرد.
ويخوض هؤلاء الرجال "الجدد" مغامراتهم بشعور من الاغتراب والعجز المزمن عن التعبير عن مشاعرهم، أو إصلاح ما انكسر في حياتهم، بعيدا عن فكرة النصر التي ينبغي أن تكون هدف الرحلة.
تجسد معاناة الرجال الذين لم يعد بإمكانهم الاعتماد على نماذج السلطة الموروثة، أو الصمود العاطفي، أو البطولة التقليدية، لأنهم يتخبطون في دوامة الحزن والحيرة والشك.
وتشكل ثلاثة أفلام جوهر هذه السردية العالمية، وهي "مانشستر عبر البحر" 2016 (Manchester by the Sea)، و"بعد الشمس" 2022 (Aftersun)، و"المصارع" 2008 (The Wrestler)، حيث يخضع كل منها مفهوم الرجولة للتساؤل في لحظة انهيار.
في "مانشستر عبر البحر" للمخرج كينيث لونيرغان، تتحول الرجولة إلى جرح عصي على الشفاء. وفي فيلم "بعد الشمس" للمخرجة شارلوت ويلز، تتلاشى الرجولة بهدوء تحت وطأة الاكتئاب المكبوت. أما في "المصارع" للمخرج دارين أرونوفسكي، فتتحطم الرجولة بعنف بعد انهيار الجسد الذي كان يحملها.
ترسم هذه الأفلام مجتمعة ملامح رجولة سينمائية جديدة، تميزها الهشاشة، وتظهر الرجال باعتبارهم ناجين من تاريخهم الخاص. وتعيد تشكيل فهم المشاهد لما يعنيه أن تكون رجلا في القرن الحادي والعشرين.
أزمة مع الذاتتصور السينما الحديثة بشكل متزايد النفس الذكورية كساحة معركة تتصارع فيها تصدعات الهوية والشلل العاطفي.
في فيلم "مانشستر عبر البحر"، يجسد لي تشاندلر (الممثل كيسي أفليك) هذا الانهيار الداخلي، ومنذ اللحظات الأولى للفيلم، تخبرنا هيئته عن القصة قبل أن يفصح عنها الحوار، كتفان منحنيتان، وعينان منخفضتان، وجسد منعزل عن الآخرين، كما لو أن أي احتكاك جسدي بالعالم قد يعيد فتح جرح خفي.
لا تنكشف المأساة التي دمرت عائلته إلا في توقيت متأخر من العمل، لكن قوة الفيلم تكمن في تصويره لما بعد الانهيار والحياة التي يجب أن تعاش بعده، حيث يصبح صمت "لي" بمثابة بناء عاطفي، يحاصره ويحميه في الوقت نفسه. الفيلم لا يحدد رجولة بطله بما يقوله أو يفعله، بل بما لا يستطيع مواجهته.
إعلان
ويعد مشهد وقوف "لي" في مطبخ أخيه، وهو يستمع إلى ابن أخيه المراهق، يجادله حول أمور تافهة، من أكثر المشاهد إيلاما في الفيلم. على الرغم من أن إحباط الصبي مفهوم، إلا أنه يذكر "لي" بقسوة بالعالم العاطفي الذي لم يعد قادرا على المشاركة فيه.
تاهت عيناه، وبدأ يغسل الأطباق آليا. في تلك اللفتة البسيطة والعادية، يجسد الفيلم حقيقة رجل انطوى على نفسه لدرجة أنه حتى المودة تبدو له خطرا.
تتحول أزمة الذات الداخلية إلى أزمة رجولة، تتمثل في العجز عن التعبير عن الألم، أو طلب العزاء، أو طلب المساعدة. لا يقدم سيناريو الرجولة البطولية لغة لمثل هذه الهشاشة. لا تبدو مأساة بطل العمل فيما حدث له فقط، بل في التنشئة الثقافية التي أقنعته بأنه يجب أن يتحملها وحده.
الأبوة تحت الضغطيتناول فيلم "بعد الشمس" اليأس الصامت للأبوة. كالوم، الأب الشاب يظهر حنانا بصدق استثنائي. يمازح ابنته، ويلتقط صورا لابتساماتها المراهقة الخجولة، ويشتري لها هدايا بسيطة. لكن وراء هذا المظهر اللطيف يكمن ظلام يتيح لنا الفيلم استشعاره دون أن يعترف به.
يكمن جمال "بعد الشمس" في دقته. فالرجولة هنا ليست استعراضا للقوة، بل استعراضا للثبات. إن محاولة كالوم الظهور بمظهر هادئ هي فعل حب، لكنها أيضا فعل محو لإخفاء اكتئابه وراء صوت ناعم وسلوك صبور. يرينا الفيلم رجلا يتوق بشدة لأن يكون أبا صالحا حتى وهو ينهار من الداخل.
يجسد مشهد واحد هذه الازدواجية المقلقة، حين يقف كالوم (الممثل بول ميسكال) وحيدا على شرفة فندقهم الرخيص، يدخن بهدوء بينما تومض أضواء المدينة البعيدة.
يرتفع كتفاه وينخفضان كما لو كان يحاول تهدئة أنفاسه. داخل الغرفة، تغني ابنته لنفسها، غافلة عن العاصفة التي تتجمع في صدر والدها. تبقى الكاميرا مثبتة على ظهر كالوم، رافضة إظهار وجهه، وتترك للمشاهد أن يتخيل التعبير الذي لا يستطيع البوح به لابنته التي يحبها.
يعكس هذا الكبح البصري القمع العاطفي المتوقع من الرجال. يخفي كالوم بصمته مدى يأسه لأنه يعتقد أن الأبوة تتطلب رباطة جأش عاطفية. ومع ذلك، يوضح الفيلم أن هذا الأداء متقطع. تصبح الرجولة درجات سلم هش يتصدع تحت وطأة الألم المكتوم.
انهيار الجسديظهر راندي روبنسون (الممثل ميكي روك) في فيلم "المصارع" رجولته ظاهريا بجسد لم يعد قادرا على المشاركة في الأسطورة التي جسدها يوما، ولأنها لا تنفصل عن هيئته الجسدية، يتدهور إحساسه بذاته.
يبني المخرج دارين أرونوفسكي الفيلم حول التوتر بين الأداء والواقع، فشخصية راندي في المصارعة أسطورية، حالة من القوة الغاشمة والعنف المسرحي، لكن عندما تخفت الأضواء ويتفرق الجمهور، نرى رجلا يعرج بين ممرات متجر البقالة، ويلهث لالتقاط أنفاسه بعد مجهود بسيط، ويكافح للحفاظ على الجسد الذي تعتمد عليه رجولته.
نكتشف الحقيقة في لحظة مؤثرة، حين يزيل راندي الشريط اللاصق عن معصميه في غرفة تبديل الملابس، لتظهر جلود متقشرة من الضربات المتكررة. يجلس وحيدا، يحدق في أضواء الفلورسنت فوقه، وللحظة، يتلاشى قناعه. ترتجف يداه قليلا، وتنهار أسطورة الرجل الذي لا يقهر في ذلك الصمت.
إعلان
يصور المخرج الرجولة كأداء تجاوز عمر مؤديه. ويبدو إصرار راندي على العودة إلى الحلبة مأساويا ورقيقا في الوقت نفسه. مأساوي لأنه يدمره، ورقيق لأنه يكشف عن الشوق الكامن وراء تظاهره بالشجاعة، ورغبته في استعادة صورته.
تظهر علاقته بابنته المنفصلة عنه حدود الشخصية الذكورية المفرطة التي بناها، فعندما يحاول الاعتذار لها في شقة صغيرة ضيقة مليئة بالصور القديمة، يكافح للعثور على الكلمات.
المدهش أن المصارع الذي يستطيع أن يسيطر على حشد هادر لا يستطيع أن يعبر عن ندمه لابنته، ويبدو الأمر كما لو أن رجولته تمكنه من القتال لا التواصل. في فيلم "المصارع"، يصبح الجسد ساحة معركة يخوضها رجل من أجل هوية لم تعد تناسبه.
صورة متآكلةلا تتشكل الرجولة السينمائية الجديدة في الأفلام الثلاثة، وغيرها، من خلال انتصارات خارجية، بل من خلال مفاوضات داخلية، وصراعات هادئة من أجل المعنى والتواصل وتقبل الذات. تركز الكاميرا على إيماءات صغيرة، ومحادثات مترددة، ولحظات هزيمة معزولة، مما يوحي بأن الأزمة ليست خارجية، بل داخلية.
ولعل إعادة تصور الرجولة في السينما المعاصرة تشير إلى تحول ثقافي عميق. فأفلام مثل "مانشستر عبر البحر" و"بعد الشمس" و"المصارع" تقدم شخصيات ذكورية لا تسعى لغزو العالم، بل للبقاء على قيد الحياة، ولا تتشكل رواياتها من خلال البطولة، وإنما من الصمود.
لا يقتصر دور السينما على كونها مرآة لهذا التحول، بل تصبح شريكا فاعلا في إعادة رسم صورة الرجولة. فمن خلال السماح للرجال بالبكاء، والتعثر، والانكسار، ثم إعادة البناء، تثري الأفلام مفرداتنا الثقافية لفهم الهوية الذكورية، وتفسح المجال لرجولة متجذرة في التعاطف بعيدا عن أجواء السيطرة والصلابة.
تقدم سينما السنوات الماضية القوة باعتبارها شجاعة المواجهة، وهنا تكمن أهم ثورة في فن سرد القصص المعاصر عبر إدراك أن جوهر الرجولة الحقيقي لا يكمن في السيطرة، بل في الاحتواء.
إقرأ المزيد


