كيف يفسر العلماء موجات البرد القارس في زمن الاحتباس الحراري؟
الجزيرة.نت -

أعادت العواصف الثلجية غير المسبوقة -التي ضربت خلال الأيام الماضية مدنا عدة في أنحاء العالم- طرح أسئلة ملحة عن التغير المناخي، في مشهد بدا أقرب إلى أجواء القارة القطبية الجنوبية.

وأرجع خبراء البيئة هذه الموجات من البرد القارس والهجوم الثلجي إلى ظاهرة التغير المناخي والاحتباس الحراري للأرض، التي لا تقتصر آثارها على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل تشمل اضطرابا متزايدا في الأنماط المناخية العالمية.

ومؤخرا، ضربت عواصف ثلجية غير مسبوقة مناطق مختلفة على غرار نيويورك الأمريكية وكامتشاتكا الروسية، متسببة في تراكمات جليدية كثيفة وبرد قارس غير معتاد. وأظهرت المشاهد شوارع وأحياء غارقة في الثلوج، مما زاد الضغط على الحياة اليومية والبنى التحتية.

وفي خضم هذه التحولات، يتسارع سباق علمي هادئ في أقصى جنوب الكوكب، حيث دشنت مجموعة من العلماء قبل أسابيع كهفا جليديا فريدا في قلب قارة أنتاركتيكا، أطلقوا عليه اسم "محمية ذاكرة الجليد"، كما جاء في حلقة (2026/2/2) من برنامج "المرصد".

ويقع الكهف في محطة "كونكورديا" للأبحاث الجليدية فوق هضبة القارة القطبية الجنوبية، ويضم عينات جليدية تُستخرج من باطن الأنهار الجليدية المهددة بالذوبان والانقراض في مختلف أنحاء العالم.

ويصف العلماء هذه العينات بأنها "كبسولات زمنية" للغلاف الجوي، إذ تحتوي على بيانات ثمينة توثق تاريخ التغيرات المناخية التي شهدها كوكب الأرض، ومراحل تشكل الجليد وذوبانه عبر آلاف السنين.

أهمية الجليد

ويؤكد كارلو باربانتي -وهو نائب رئيس مؤسسة "ذاكرة الجليد"- أن الجليد يمثل آلة زمن علمية تحفظ معلومات الماضي، وتساعد على وضع ما يحدث اليوم في سياقه الصحيح.

وكانت مؤسسة "ذاكرة الجليد" قد تأسست عام 2015 باعتبارها اتحادا لمعاهد بحثية أوروبية مقرها مدينة ميستري الإيطالية.

ومع تسارع ذوبان الأنهار الجليدية بمعدلات قياسية، يسعى العلماء إلى إنقاذ هذه العينات وتخزينها في القارة القطبية الجنوبية قبل اختفائها الكامل، إذ يحذر باربانتي من أن معظم الأنهار الجليدية في مناطق الألب وهضبة التبت وأمريكا الجنوبية قد تختفي خلال 30 إلى 50 عاما.

وتبدأ رحلة العينات من قمم جليدية شاهقة مثل جبل "غراند كومبان" في جبال الألب السويسرية، حيث ينصب الباحثون مخيماتهم وسط ظروف مناخية قاسية، ويستخدمون معدات حفر متطورة لاستخراج الجليد من أعماق الأنهار. وبعد ذلك تُنقل العينات إلى مختبرات متخصصة في مدينة البندقية الإيطالية لتحليلها واستخراج بياناتها المناخية.

وخلال الأشهر الماضية، نُقلت العينات المستخرجة بين عامي 2016 و2023 عبر سفن أبحاث وطائرات إلى كهف التخزين في هضبة أنتاركتيكا، على ارتفاع 3200 متر وبمتوسط حرارة يصل إلى 52 درجة مئوية تحت الصفر، وهو ما يجعل الموقع مثاليا للتخزين دون الحاجة إلى طاقة خارجية.

ويرى العلماء أن العالم تجاوز بالفعل نقطة اللاعودة، محذرين من أن ذوبان الجليد لا يعني فقدان مورد مائي فحسب، وإنما فقدان ذاكرة المناخ نفسها، في وقت تستمر فيه الدول الصناعية الكبرى في تجاهل الكارثة المناخية المتفاقمة.

Published On 3/2/2026

|

آخر تحديث: 00:57 (توقيت مكة)

شارِكْ



إقرأ المزيد