تركيا تنجح في حجز مقعدها في قلب العالم الجديد
الجزيرة.نت -

في مارس/آذار 2020، أي قبل نحو ست سنوات من الآن، وبينما كان العالم منغمسا في أزمة وباء كورونا قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان: "العالم عقب هذا الوباء يتجه نحو مرحلة لن يكون فيها أي شيء كما كان من قبل، وسنشهد بناء نظام عالمي جديد على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتركيا تدخل هذه المرحلة الجديدة بمزايا كبيرة وبنية تحتية قوية".

ذلك الاستشراف من أردوغان آنذاك كان مثيرا للدهشة، فلم تكن ثمة إرهاصات قوية على تبدل النظام العالمي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية. فقد جاء قبل حوالي عام ونصف من الانسحاب الأمريكي المثير للجدل من أفغانستان، أغسطس/آب 2021، ونحو عامين من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية فبراير/شباط 2022.

لكن انضم إلى الحدثين المشار إليهما حوادث أخرى، ساهمت بمجموعها في هز النظام العالمي، أبرزها:

  • الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي عجز العالم بمؤسساته الدولية وأنظمته السياسية عن إيقافها، فاكتفى بالمشاهدة تزامنا مع رفض شعبي واسع امتد من آسيا إلى أوروبا وصولا إلى الأمريكتين، بما فيها الولايات المتحدة نفسها.
  • الحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، ضد حلفائه الأقربين في كندا، وأوروبا.
  • تهديد ترمب بالاستيلاء بالقوة على دول أخرى مثل كندا، ومناطق إستراتيجية، مثل جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك.
  • لجوء الولايات المتحدة إلى تغيير الأنظمة السياسية بالقوة بعيدا عن الأمم المتحدة، حيث اعتقلت الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، عبر عملية عسكرية في بداية العام الحالي 2026.
  • صدور إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، حيث أكدت وزارة الحرب "البنتاغون" انتهاء عصر الدفاع المجاني حتى عن أقرب الحلفاء في أوروبا، وأوضحت أن مهمة الجيش الأمريكي هي الدفاع عن البلاد والمواطنين، والتصدي للتهديدات الخارجية، دون الانخراط في عمليات عسكرية واسعة كما كان الوضع سابقا.

إعلان

تدشين الإعلان العالمي عن التغيير جاء من مؤتمر دافوس، حيث أكد رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، أن العالم "في خضم قطيعة، وليس مرحلة انتقالية"، مؤكدا أن " قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيا، وأن الأقوياء كانوا يستثنون أنفسهم منها حينما يكون ذلك ملائما، وأن القواعد التجارية كانت تُفرض بشكل غير متكافئ".

أردوغان من جانبه، اعتبر أن نقاشات "دافوس" بشأن انتقاد النظام العالمي الحالي، تعزز وجهة نظره التي لطالما عبر عنها بقوله: "العالم أكبر من خمس". وقال: " إن من هاجموا تركيا لسنوات بسبب قولها الحقيقة بشجاعة باتوا اليوم يرددون العبارات نفسها، ويتحدثون عن جور النظام العالمي واختلالاته".

مؤكدا أن تركيا ستغدو " أحد أقطاب النظام العالمي الذي يعاد تشكيله".

هذا التأكيد من أردوغان أثار تساؤلات مهمة بشأن الكيفية التي استعدت بها تركيا للحظة التحولات العالمية المفصلية التي لا تتكرر إلا عبر فترات زمنية متباعدة.

فالمبدأ المعمول به في مثل هذه اللحظات التأسيسية: "إذا لم تكن جالسا على الطاولة فستكون في قائمة الطعام"، وتعرف تركيا جيدا ما حدث للدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى عندما غابت عن الطاولة.

لعب التصنيع الدفاعي دورا كبيرا ومؤثرا في تعزيز الصعود التركي فبحسب أردوغان فإن "صادرات الدفاع التركية ارتفعت من 248 مليون دولار عام 2002 إلى 10 مليارات و554 مليون دولار في 2025، بزيادة قدرها 40 ضعفا"

إصلاح النظام السياسي

لم يكن بوسع الدولة التركية أن تحقق ذلك الصعود الإقليمي والدولي، وهي محتفظة بنظامها البرلماني القديم، في بلد يموج بالصراعات الانفصالية والهوياتية، والتي قادت إلى تفتت أصوات الناخبين بشكل واضح خلال العقود الماضية، ومن ثم اللجوء إلى خيار الحكومات الائتلافية، الذي تسبب في تراجع للدولة، خاصة على المستويين: السياسي والاقتصادي.

ورغم أن حزب العدالة والتنمية نجح في الحصول على الأغلبية التي مكنته من تشكيل الحكومة بمفرده منذ استلامه الحكم عام 2002، إلا أنه كان من الصعوبة بمكان أن ينجح في الحفاظ على ذلك الأداء، وقد بدأت الإرهاصات بفشله في الحصول على الأغلبية في انتخابات يونيو/حزيران 2015.

من هنا كانت أهمية الاستفتاء الذي دعا إليه أردوغان في أبريل/نيسان 2017 للتحول بنظام إدارة الدولة صوب النظام الرئاسي، حيث عمد بعدها إلى ترتيب الدولة داخليا.

وفي تقديري أنه بدون هذا التحول لم يكن بمقدور الإدارة التركية اتخاذ العديد من القرارات الإستراتيجية، ومواجهة أزمات كبرى، كانت تحتاج إلى الإنجاز الفعال، والبدائل غير التقليدية.

الحضور الجيوستراتيجي

كان من الصعوبة بمكان أن تعزز تركيا حضورها الإقليمي والدولي، وهي حبيسة بين جدران الأناضول، إذ كان لا بد لها أن تدعم مكانتها بحضور جيوستراتيجي في مناطق التأثير والنزاعات الدولية، وذلك من خلال التعاون العسكري، أو الدبلوماسي، على النحو التالي:

  • إنشاء "منصة السلام في البلقان" 2025، التي تضم الجبل الأسود، وصربيا، وشمال مقدونيا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، وألبانيا، والتي تهدف إلى "تعزيز الحوار والثقة والتعاون بين دول المنطقة، والإسهام في إيجاد حلول دائمة للقضايا الإقليمية".

ومن المعروف أن هذه الدول الست تمتلك إرثا من الصراعات التاريخية المرشحة للانفجار في أي وقت، خاصة مع ارتفاع مستوى التوتر في البلقان مؤخرا.

  • الاحتفاظ بموقع مؤثر في القوقاز، وذلك عقب الدور الذي لعبته في دعم ومساعدة أذربيجان في حرب تحرير منطقة "ناغورني قره باغ" ضد أرمينيا.
  • الوجود القوي في منطقة القرن الأفريقي خاصة في الصومال التي ترتبط مع تركيا بعلاقات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية وثقافية متميزة قادت إلى إنشاء أكبر قاعدة عسكرية تركية للتدريب خارج الأناضول، ونشر قرابة 2500 جندي تركي؛ لدعم الحكومة الصومالية في مواجهة الإرهاب المسلح، إضافة إلى التعاون بين الدولتين في مجال التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية.
  • الحضور العسكري والاقتصادي في ليبيا، حيث ترتبط الدولتان بمعاهدتي الدفاع المشترك وترسيم الحدود البحرية، كما لعبت تركيا دورا كبيرا في مساعدة قوات الحكومة المعترف بها شرعا بقيادة رئيس الوزراء الليبي السابق، فايز السراج، في صد الهجوم على العاصمة طرابلس عام 2020.
  • التعاون مع دول الساحل وجنوب الصحراء، مثل مالي؛ لمواجهة خطر التنظيمات الإرهابية.
  • الاحتفاظ بقواعد عسكرية في شمالي العراق وسوريا، والتي لعبت دورا متميزا في التصدي لحزب العمال الكردستاني "PKK"، وحالت دون نجاحه في تأسيس ممر انفصالي في شمال سوريا، عقب عدة عمليات عسكرية بدأتها في أغسطس/آب 2016.
  • المشاركة الفعالة في أنشطة حلف "الناتو"، حيث يشكل الجيش التركي، ثاني أكبر القوات البرية بالحلف، ومؤخرا تم تكليف تركيا من قبل الحلف بحماية أجواء دول البلطيق: إستونيا وليتوانيا، ولاتفيا خلال عام 2026.
تعزيز الصناعات الدفاعية

لعب التصنيع الدفاعي دورا كبيرا ومؤثرا في تعزيز الصعود التركي فبحسب أردوغان فإن "صادرات الدفاع التركية ارتفعت من 248 مليون دولار عام 2002 إلى 10 مليارات و554 مليون دولار في 2025، بزيادة قدرها 40 ضعفا".

إعلان

ولم تقتصر الصناعات الدفاعية التركية على المسيرات- التي صارت محط أنظار العالم- بل امتدت إلى الطائرات المقاتلة والصواريخ، إضافة إلى القطع البحرية المتنوعة، وفي مقدمتها حاملة الطائرات.

هذه القفزة الكبيرة التي حققتها تركيا في هذا المجال لم تقتصر تأثيراتها على الجوانب الاقتصادية فقط، بل قادت- وهذا هو الأهم- إلى تعزيز استقلالية القرار التركي.

فتركيا- التي باتت تنتج أكثر من 70% من احتياجاتها الدفاعية- عانت في الماضي من عقوبات حظر السلاح، التي قررتها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى؛ بسبب سياسات أنقرة الخارجية، مثلما حدث عقب إطلاق أنقرة عملية السلام في قبرص عام 1974.

كما قررت دول أوروبية بالإضافة إلى كندا، وقف صادرات الأسلحة إلى تركيا عام 2019؛ بسبب عمليتها العسكرية في شمال سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

إعادة التموضع الدبلوماسي

حرصت تركيا قبل نحو خمس سنوات، على إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه دول المنطقة. فاتجهت صوب تصفير عداد المشكلات مع دول عربية، وفي مقدمتها مصر، والسعودية، والإمارات.

إعادة تطبيع العلاقات التركية-العربية، التي بدأت في وقت مبكر، أتاحت لأنقرة التنسيق المشترك والمؤثر في التعامل مع أزمات وملفات مهمة مثل حرب الإبادة على غزة، ورحيل نظام بشار الأسد، والحرب في السودان، إضافة إلى تثبيت منع الاقتتال الداخلي في ليبيا لحين التوصل إلى حل نهائي ينهي الانقسام الحالي.

هذا التموضع الدبلوماسي منح تركيا قوة إضافية في سياساتها الخارجية كما عزز حضورها العالمي.

انتصار الثورة السورية

مثلت التغيرات العميقة التي شهدتها سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول، بإسقاط حكم النظام البعثي، إضافة جيوستراتيجية كبيرة لتركيا، أكدها أردوغان بقوله: "ندخل مرحلة مختلفة سنجني فيها ثمار تضحياتنا وجهودنا ووقوفنا على الجانب الصحيح من التاريخ والضمير، تماما كما حدث في سوريا".

وهذا ما أشار إليه ترمب قبل أكثر من عام عندما اعتبر أن تركيا هي "الطرف الفائز" في سوريا، وأنه سيكون معها "مفتاح الأحداث" هناك.

فالمشاريع الاقتصادية التي سيتمخض عنها التعاون التركي السوري عقب انتهاء القضاء على مشروع "قسد" الانفصالي، ستعيد تشكيل وجه المنطقة؛ نظرا لارتباطها بمشاريع النقل والبنية التحتية، وما يمكن أن تساهم به في مشاريع الممرات الاقتصادية الكبيرة العابرة للقارات.

وأخيرا:

فقد ساهمت كل هذه العوامل في وضع تركيا اليوم في قلب النظام العالمي الذي تتشكل ملامحه الآن.

لكن سيبقى التحدي الحقيقي أمام أنقرة في الحفاظ على هذه المكتسبات الإستراتيجية في مرحلة ما بعد الأردوغانية السياسية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد