الجزيرة.نت - 2/6/2026 8:50:11 AM - GMT (+3 )
مراسلو الجزيرة نت
Published On 6/2/2026
|آخر تحديث: 08:10 (توقيت مكة)
شارِكْ
بغداد- بعد مرور قرابة 3 أشهر على الانتخابات التشريعية التي شهدها العراق في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لا يزال ملف تشكيل الحكومة عالقا وسط تعقيدات في المشهد السياسي بلغت ذروتها بعد تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي رفض فيها ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتولي المنصب مرة أخرى.
وكان الإطار التنسيقي -وهو التحالف السياسي الجامع للكتل السياسية الشيعية- قد رشح المالكي للمنصب في 24 يناير/كانون الثاني الماضي بالأغلبية وليس بالإجماع كما جرت العادة في الدورات النيابية السابقة، ليتبع ذلك في 28 من الشهر ذاته إعلان ترمب -عبر منشور على منصته "تروث سوشيال"- رفضه هذا الترشيح، مهددا بإيقاف دعم واشنطن لبغداد.
وأثار منشوره عاصفة سياسية في العراق بعد أن أبدت بعض أطراف الإطار امتعاضها مما وصفوه بـ"التدخل الأمريكي"، في الوقت الذي رأى فيه آخرون أنه لا بد من مراعاة مصالح العراق الذي "تتحكم الولايات المتحدة في إيراداته الدولارية المتأتية من بيع نفطه".
ورغم إصرار ائتلاف دولة القانون -الذي يتزعمه المالكي- على المضي في الترشح للمنصب، فإن حوارا تلفزيونيا بثته إحدى القنوات العراقية المحلية ظهر فيه المالكي مجيبا على سؤال عن إمكانية انسحابه، حيث قال "إن الإطار التنسيقي هو صاحب الحق في ترشيح شخصية رئيس الوزراء"، مؤكدا أنه "سيستجيب لقراره بكل رحابة صدر في حال قرر العدول عن ترشيحه للمنصب".
وكان المالكي (75 عاما) قد شغل منصب رئاسة الوزراء في البلاد لدورتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وشهدت ولايته الأخيرة سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة على مساحات شاسعة من البلاد، بما فيها محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك وبغداد وبابل.
إعلان
وفي سياق تلميحات المالكي بإمكانية الانسحاب، تُطرح العديد من الأسئلة أهمها ما يتعلق بـ"رضوخه" للضغوط الأمريكية، وهو ما ينفيه الباحث السياسي صلاح بوشي المقرب من ائتلاف دولة القانون، الذي يؤكد أن تصريح المالكي بشأن استعداده لسحب ترشيحه لا يُفهم على أنه استجابة لضغط خارجي، بل هو موقف مسؤول يعكس أن الترشيح قرار مؤسسي وليس شخصيا.
وفي حديثه للجزيرة نت، أضاف بوشي أن المالكي أكد التزامه بقرار الإطار التنسيقي في حال غيّر موقفه واختار بديلا له لشغل منصب رئاسة الوزراء، مشددا على أن القرار العراقي يجب أن يُصنع داخل بغداد لا خارجها، وأي تغريدة أو موقف خارجي لا يمكن أن يفرض إرادته على العملية السياسية.
وتصاعدت الضغوط الأمريكية على بغداد بعيد الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذ تطالب واشنطن بعدم وجود أي تمثيل للفصائل المسلحة التي تتهمها بالقرب من إيران، فضلا عن تأكيدات ترمب وتهديده بأنه في حال تم انتخاب المالكي فإن الولايات المتحدة لن تقدم مستقبلا أي مساعدة لبغداد، وأنه بدون مساعدتها لن يكون للعراق أي فرصة للنجاح.
معارضة الترشيحوكان ترشيح المالكي قد تم بالأغلبية وليس بالإجماع، ويؤكد أحمد الوندي المتحدث باسم ائتلاف النصر -الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي– أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون لبناء معادلة سياسية مستقرة، تقوم على التفاهم والتوازن بين القوى الوطنية، بعيدا عن التسرع أو ممارسة الضغوط التي قد تنتج حلولا مؤقتة أو هشة.
وبيّن الوندي -للجزيرة نت- أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع بالإيقاع السريع، بل بتوافقات ناضجة تحفظ التوازن بين السلطات، وتضع مصلحة الدولة فوق الاعتبارات الآنية، مضيفا أن "هناك معايير وضعها الإطار التنسيقي بنفسه، وتتمثل في القبول الدولي والوطني والمرجعية والإقليمية، وأن أي مرشح يحقق هذه المعايير سيدعمه ائتلاف النصر".
ويذهب في هذا المنحى أحمد الساعدي النائب عن تحالف الحكمة الوطني الذي يتزعمه عمار الحكيم، إذ أشار إلى أن تيار الحكمة يلتزم بالشروط التي وضعها الإطار لنفسه، مبينا -في حديث صحفي- أن تحفظه على ترشيح المالكي ينطلق من الإخلال بهذه الشروط، وأن التيار لم يستهدف بذلك المالكي و"إنما انطلاقا من تغليب المصلحة الوطنية للبلاد".
على الجانب الآخر، يرى الباحث السياسي سيف السعدي أن حسم شخصية رئيس الوزراء بحاجة لعدة أسابيع، وأن هناك معادلة طهران-واشنطن، والتهديد الأمريكي بالملف الاقتصادي ستكون له تبعات على تشكيل الحكومة.
وفيما يتعلق بخضوع زعيم ائتلاف دولة القانون للضغوط الأمريكية، قال السعدي -المقرب من حزب تقدم الذي يتزعمه محمد الحلبوسي– للجزيرة نت إن المالكي ومن خلال تصريحاته بدا غير متمسك بترشيحه، مما قد يمهد لاختيار شخصية أخرى للمنصب خلال الأسابيع القادمة.
وعن موقف الكتل السياسية الأخرى السنية والكردية، أوضح السعدي أن الحلبوسي كان قد رفض ترشيح المالكي للمنصب قبل منشور ترمب، وأن الإدارة الأمريكية أوصلت هذا الرفض للأحزاب الكردية الرئيسية كذلك، مشيرا إلى اجتماع المجلس السياسي السني الذي أقر -أمس الخميس- بأغلبية الثلثين "ضرورة مراعاة المصلحة الوطنية في اختيار رئيس الوزراء، مما يعني رفض المجلس السياسي الوطني ترشيح المالكي".
إعلان
ويشير السعدي إلى أن "تحالف صادقون" -بزعامة قيس الخزعلي- وتيار الحكمة وائتلاف النصر كانوا رافضين لهذا الاختيار منذ البداية.
أما الباحث السياسي المقرب من ائتلاف دولة القانون صلاح بوشي فقد عدّ الحديث عن وجود تصدع وخلافات داخل الإطار التنسيقي مبالغا فيه، وأن أي تحالف سياسي يضم آراء متعددة لكن في النهاية يُحسم القرار بالأغلبية ويلتزم به الجميع، و"هذا ما جرى فعلا".
من جهته، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل محمود عزو أن نوري المالكي سينسحب في نهاية المطاف من الترشح لرئاسة الوزراء، بعد أن أدرك حجم الرفض الكبير داخليا وخارجيا لتوليه المنصب.
وفي حديثه للجزيرة نت، يرى أن اختيار المالكي تسبب فعليا في تصدع داخل الإطار التنسيقي، خاصة أن تجربة الإطار بمسمياته المختلفة منذ عام 2010 أظهرت وجود خلاف داخلي واضح، وأن تحالف العصائب وتيار الحكمة وائتلاف النصر كانوا رافضين منذ البداية لترشحه، بما قد يمهد لتغيير التوازنات السياسية المقبلة في جميع مفاصل الحكم وصولا إلى الحكومات المحلية.
إقرأ المزيد


