وول ستريت جورنال: هكذا تعاطفت النخب مع جيفري إبستين
الجزيرة.نت -

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال استنادا إلى رسائل إلكترونية ووثائق أُفرج عنها حديثا، أن الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال جنسي والاتجار بقاصرات، تلقّى دعما معنويا ونصائح إستراتيجية من شخصيات سياسية وأكاديمية ومالية بارزة، حتى بعد إدانته القضائية وتصاعد الاتهامات العلنية بحقه.

وأوضحت أن هذه المراسلات خرجت إلى العلن عبر إفراجات حكومية، وملفات لمكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، وتسريب وثائق، لتقوّض السردية السائدة التي روّج لها كثير من معارف إبستين بعد وفاته، ومفادها أنهم لم يكونوا على دراية بخطورة جرائمه أو مداها.

أصحاب النفوذ لم يكتفوا بالإبقاء على قنوات التواصل مع إبستين بعد إدانته، بل بادروا إلى مواساته، وانتقاد الإعلام، والطعن في دوافع الضحايا، وتقديم نصائح مباشرة لإعادة تأهيل سمعته العامة.

وذكرت الصحيفة، في تقرير إخباري حصري، أنه منذ وفاة إبستين في زنزانته بسجن مانهاتن في نيويورك في أغسطس/آب 2019، حرصت شخصيات بارزة كانت على صلة به على التأكيد بأنها لم تكن تعلم إلا القليل عن سلوكه الإجرامي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وأضافت أن هذه الشخصيات أصدرت بيانات محسوبة بعناية للتعبير عن الأسف أو النأي بالنفس.

غير أن الرسائل الخاصة التي تكشفها الوثائق الجديدة ترسم صورة مختلفة تماما، إذ تُظهر أن عددا من أصحاب النفوذ لم يكتفوا بالإبقاء على قنوات التواصل معه بعد إدانته، بل بادروا إلى مواساته، وانتقاد الإعلام، والطعن في دوافع الضحايا، وتقديم نصائح مباشرة لإعادة تأهيل سمعته العامة.

مواساة ودعم

ومن بين أبرز هذه الرسائل -بحسب وول ستريت جورنال- ما صدر عن المفكر اللغوي والمنظّر السياسي المعروف نعوم تشومسكي.

ففي فبراير/شباط 2019، ردا على شكوى إبستين مما وصفها بـ"الصحافة النتنة"، نصحه تشومسكي بالتزام الصمت، محذرا من أن أي رد علني لن يؤدي إلا إلى "هجوم مسموم" تقوده أطراف تسعى إلى الشهرة أو الإثارة.

ومضى تشومسكي أبعد من ذلك، معتبرا أن الجدل العام حول الاعتداءات الجنسية بلغ حد "الهستيريا"، حيث أصبح التشكيك في الاتهامات أمرا غير مقبول اجتماعيا. وبعد 5 أشهر فقط من تلك الرسالة، أُلقي القبض على إبستين بتهم تتعلق بالاتجار الجنسي، بحسب التقرير.

إعلان

لكنّ الصحيفة تقول إن تشومسكي لم يكن حالة استثنائية، فبعد توقيف إبستين في مقاطعة بالم بيتش بولاية فلوريدا عام 2006، بعث إليه ستانلي بوتينغر، المسؤول السابق في وزارة العدل الأمريكية، برسائل تضامن انتقد فيها الشرطة المحلية، وصوّر إبستين على أنه ضحية لتجاوزات سلطوية.

وجاء ذلك -طبقا للصحيفة- في وقت كانت فيه السلطات تجمع أدلة موثقة على استغلاله عشرات الفتيات القاصرات.

ومع اقتراب إقراره بالذنب عام 2008، واصل إبستين تلقي رسائل الدعم، فقد تبادل ستيفن كوسلين، رئيس قسم علم النفس في جامعة هارفارد آنذاك، والذي استفادت أبحاثه سابقا من تبرعات مرتبطة بإبستين، رسائل ودّية معه.

وتشير الرسائل ذاتها إلى أن الأكاديمي ساعد إبستين في صياغة نصوص موجّهة للصحفيين بغرض تحسين صورته العامة، وفقا لما نقلته الصحيفة.

إبستين (يمين) وهو يتحدث مع نعوم تشومسكي(شترستوك)
شبكة اجتماعية عالمية

على أن الدعم السياسي لم يقتصر على الولايات المتحدة، وفق التقرير، ففي بريطانيا، كتب بيتر ماندلسون، مفوض الاتحاد الأوروبي للتجارة آنذاك، رسالة تعاطف بعد إدانة إبستين، عبّر فيها عن غضبه مما حدث، وحثّه على السعي للإفراج المبكر.

وكشفت وثائق لاحقة عن شبهات تتعلّق بمشاركة ماندلسون معلومات حكومية حساسة مع إبستين، مما دفع السلطات البريطانية إلى فتح تحقيق جنائي، وقدّم ماندلسون اعتذارا لضحايا إبستين، لكنه امتنع عن التعليق على مضمون الرسائل.

"نحن في هذا معا"

بواسطة رسالة من الأمير أندرو لإبستين

كما برزت أسماء من دوائر المال والملكية، فقد أفادت الصحيفة بأن جيس ستالي، المسؤول التنفيذي البارز في بنك "جيه بي مورغان تشيس"، تبادل آنذاك رسائل ودّية مع إبستين خلال فترة سجنه وبعد الإفراج عنه.

وفي عام 2011، طمأن الأمير أندرو دوق يورك، إبستين في رسالة قال فيها: "نحن في هذا معا"، في وقت كانت فيه الضغوط تتزايد بسبب اتهامات فرجينيا جوفري، التي قالت إن إبستين اتَّجَر بها وقدّمها للأمير، ورغم نفيه، جُرّد الأمير لاحقا من ألقابه الملكية.

نصائح وتوجيهات

وبحلول أوائل العقد الثاني من الألفية، كان إبستين يعمل بنشاط على إعادة صياغة صورته، فقد نصحته فيث كيتس، مالكة وكالة عارضات أزياء، بتجنب الظهور في وسائل الإعلام مؤقتا، وهاجمت من تخلوا عنه، واقترحت مبادرات خيرية مستقبلية عندما تخف حدة الاهتمام الإعلامي.

وكتب المحامي ديفيد شون، الذي سيُعرَف لاحقا بدوره في الدفاع عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، رسالة متعاطفة وصف فيها السلطات والضحايا المحتملين بلهجة تقلل من شأنهم.

وفي المجال الإعلامي، كشفت وول ستريت جورنال، نقلا عن الوثائق المسرّبة، أن الصحفي مايكل وولف عرض عام 2013 كتابة بروفايل "متعاطف" يُعيد السيطرة على السردية العامة.

المستشار الإستراتيجي السابق للبيت الأبيض ستيف بانون صوّر التدقيق الإعلامي بحق إبستين على أنه "عملية منسقة"، ونصحه مرارا بعدم الرد العلني.

وبدوره، اقترح الملياردير البريطاني ريتشارد برانسون إستراتيجية علاقات عامة تقوم على شهادات إيجابية من بيل غيتس رئيس شركة مايكروسوفت، وتقديم جرائم إبستين باعتبارها "زلة قديمة".

كما لعب المستشارون القانونيون والسياسيون دورا لافتا، وطبقا للتقرير الحصري المطوّل، فقد تبادلت المحامية كاثرين روملر، المستشارة القانونية الحالية لبنك غولدمان ساكس، مئات الرسائل مع إبستين.

وثيقة أصدرتها وزارة العدل الأمريكية تُظهر مخططا أعده مكتب التحقيقات الفدرالي لشبكة ضحايا إبستين (أسوشيتد برس)

وأقرت في رسالة عام 2017 -في ذروة صعود حركة "مي تو" النسائية المناهضة للتحرش وكافة أنواع العنف الجنسي ضد المرأة- بأن سلوكه ينطوي على "إساءة استخدام للسلطة"، مع حثه في الوقت نفسه على التواري عن الأنظار.

إعلان

أما المستشار الإستراتيجي السابق للبيت الأبيض، ستيف بانون، فقد صوّر التدقيق الإعلامي بحق إبستين على أنه "عملية منسقة"، ونصحه مرارا بعدم الرد العلني، محذرا من أن أي مواجهة إعلامية ستطيل أمد الأزمة.

وقد التزم إبستين بهذه النصائح حتى اعتقاله في يوليو/تموز 2019، وبعد 4 أشهر، أُلقي القبض عليه مجددا، وفي أغسطس/آب 2019، وُجد ميتا في زنزانته، في واقعة صنّفها الطبيب الشرعي في نيويورك على أنها انتحار.

وترسم هذه الرسائل في مجملها صورة شبكة نفوذ تعاملت مع انكشاف جرائم إبستين بوصفها أزمة سمعة لا قضية أخلاقية، ويغيب عن هذه المراسلات أي حضور حقيقي لأصوات الضحايا، الذين جرى في كثير من الأحيان التشكيك في رواياتهم أو التقليل من معاناتهم.



إقرأ المزيد