من فاراب لدمشق.. لوحات تستحضر طفولة الفارابي ومساره الفلسفي
الجزيرة.نت -

يروي الفنان التشكيلي الكازاخستاني موسابير جانوزاك رحلة حياة الفيلسوف أبي نصر الفارابي بالريشة والألوان، وذلك في معرض فني نظمته منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو – ICESCO) بمقرها في الرباط، بشراكة مع سفارة جمهورية كازاخستان في المغرب.

ويهدف هذا المعرض الذي امتد على أربعة أيام، بدءا من يوم الاثنين الماضي، إلى إبراز إرث الفيلسوف والعالم الإسلامي أبي نصر الفارابي عبر رؤية فنية تستحضر طفولته ومساره الفكري وإسهاماته في الحضارة الإنسانية لنقلها إلى عموم الجمهور.

وقرر جانوزاك إهداء لوحاته إلى منظمة الإيسيسكو لتظل شاهدًا دائمًا على حياة هذه الشخصية التاريخية، وعلى الروابط المتينة بين كازاخستان وباقي دول العالم الإسلامي.

جسر بين الماضي والحاضر

كرس الفنان موسابير جانوزاك سنوات ما بين 2016 و2020 لرسم سلسلة من اللوحات تكريمًا لشخصية العالم الموسوعي أبي نصر الفارابي، وتصور اللوحات طفولته ورحلته في طلب العلم عبر كبرى الحواضر الإسلامية، حيث التقى كبار العلماء في عصره وتلقى على يدهم دروسًا في مجالات الفلسفة والرياضيات والفيزياء والموسيقى.

ويعد موسابير واحدًا من أهم الفنانين التشكيليين الكازاخستانيين وهو نائب رئيس أكاديمية الفنون بجمهورية كازاخستان وعضو الاتحاد الأوراسي للفنون التابع لليونسكو، وأقام 40 معرضًا تشكيليًا في عدد من الدول.

الفنان التشكيلي الكازاخستاني موسابير جانوزاك (الجزيرة)

يقدم المعرض 15 لوحة فنية منها 5 لوحات تروي طفولة وحياة الفيلسوف الفارابي ورحلته العلمية، وهي تشكل جسرا بين الماضي والحاضر، وتظهر استمرار أفكار الفارابي وتأثيرها في عصرنا الحديث.

وتعرض اللوحة الأولى أبا نصر -المولود في القرن التاسع في مدينة فاراب ويطلق عليها أترار في كازاخستان الحالية- وهو طفل مستغرق في القراءة، ساعيًا لإشباع فضوله المعرفي ولإرواء عطشه للتعلم واكتشاف الجديد في كل العلوم.

لوحة تجسد طفولة أبي نصر الفارابي في مدينة فاراب (الجزيرة)

تجسد اللوحة الثانية دخوله إلى مدينة سمرقند، وتوثق اللوحة الرابعة وصوله إلى دمشق حيث استقر في هذه المدينة في نهاية عمره والتقى كبار علمائها وألف فيها عددًا من أعماله، وتختتم السلسلة بلوحة تجسد استقباله من أهل دمشق بحفاوة عند البوابة الشرقية للمدينة.

لوحة تجسد استقبال أهالي دمشق لأبي نصر الفارابي عند دخوله المدينة عبر البوابة الشرقية (الجزيرة)

وإلى جانب ذلك، ضم المعرض لوحات أخرى عكست ملامح من الحياة الثقافية والاجتماعية في أراضي السهوب الكبرى في تلك الفترة حيث كانت الرماية الرياضة الأكثر انتشارًا والاهتمام بتربية الصقور.

لوحة تجسد الحياة الاجتماعية والثقافية في كازاخستان في تلك الفترة (الجزيرة)

وقال الفنان التشكيلي موسابير جانوزاك للجزيرة نت إنه درس أعمال الفارابي الفكرية وبحث في سيرته الذاتية واطلع على رحلاته في مدن العالم الإسلامي، وهو ما قوى اهتمامه وشغفه بهذه الشخصية ودفعه إلى تحويل هذه الحياة الزاخرة والغنية إلى لوحات فنية وعرضها أمام جمهور واسع.

إعلان

وأوضح أن الفارابي بالنسبة لكازاخستان هو المعلم الأكبر ورمز كبير وأبا كل العلوم؛ لذلك يحظى بتقدير واحترام كبير في هذه البلاد، إذ تحمل جامعات ومدارس ثانوية وشوارع اسمه تخليدًا لما أعطاه للإنسانية جمعاء من فكر وعلوم.

وأضاف "أردت أن تعرف الأجيال الجديدة هذا الرجل العظيم ومساره في طلب العلم ومؤلفاته المتعددة التي شملت فروعًا علمية مختلفة، وكيف كان منذ طفولته شغوفًا بالعلم والاستكشاف".

لوحة تجسد الحياة الاجتماعية والثقافية في كازاخستان فترة الفارابي (الجزيرة)
احتفاء مستمر بالفارابي

قبل نحو سنتين شهدت منظمة التربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو تنظيم ندوة دولية حول أبي نصر الفارابي، قدم فيها باحثون من مختلف دول العالم أوراقا علمية تناولت جوانب مختلفة من حياة الفارابي وإرثه العلمي وتأثيره الممتد من عصره إلى اليوم.

وتوزعت هذه الندوة على محاور تناولت تأثير الفارابي في الفلسفة الإنسانية، ونظرياته في مجال فلسفة العلوم والفلسفة السياسية، وفلسفته في الموسيقى وجمالياتها، والتجديد في الدراسات الفارابية اليوم، وهي المحاور التي نشرت في كتاب من جزأين باللغتين العربية والإنجليزية.

واستكمالا للتعريف بإرث هذا العالم والفيلسوف والأديب والموسيقي، احتضنت الإيسيسكو حكاية الفارابي مرة أخرى مروية من خلال عين فنان تشكيلي لنقل روحه وأفكاره إلى أجيال اليوم.

لوحتان تجسدان وصول رحلة الفارابي إلى بخارى وسمرقند (الجزيرة)

وقال عبد الإله بن عرفة -نائب المدير العام لمنظمة الإيسيسكو- للجزيرة نت إن الفارابي يعد محطة كبرى في تاريخ الفلسفة الإنسانية، مؤكدًا أن إطلاق لقب "المعلم الثاني" عليه لم يكن اعتباطيًا، بل جاء نتيجة كونه أكبر شارح لأعمال الفيلسوف اليوناني أرسطو، فضلاً عن إسهاماته الوازنة في مجالات متعددة بينها الفلسفة السياسية والموسيقى وإحصاء العلوم.

وأوضح بن عرفة أن الفارابي لم يكن مجرد مفكر منعزل بل شخصية علمية متنقلة داخل الفضاء الحضاري الإسلامي، إذ انطلق من مسقط رأسه في كازاخستان مرورًا بعدد من الحواضر العلمية الكبرى إلى أن استقر في دمشق وحلب، حيث كان نزيل الأمير سيف الدولة الحمداني، ورافق نخبة من كبار العلماء والأدباء والشعراء بينهم الشاعر أبو الطيب المتنبي.

وأشار إلى أن هذه البيئة الثقافية الغنية أسهمت في صقل شخصية الفارابي العلمية، مؤكدًا أن إتقانه عدة لغات من بينها اليونانية انعكس على عمق إنتاجه الفكري.

وأكد نائب مدير الإيسيسكو أن إسهامات الفارابي في الموسيقى خاصة من خلال كتابه "الموسيقى الكبير"، لا تزال تحظى باهتمام كبار الموسيقيين والباحثين نظرًا لما تضمنه من تطوير نظريات علمية رائدة في هذا المجال.

وأضاف أن فكر الفارابي استمر في التأثير عبر القرون، مشيرًا إلى أن الفيلسوف الأمريكي ليو شتراوس في القرن العشرين تخصص في دراسة أعماله وكشف عن أبعاد خفية فيها، خاصة ما يتعلق بالمعاني المضمرة التي كان الفارابي يعمد إلى إخفائها داخل النص حفاظًا على توازن دقيق بين المصطلحات المشتركة وتعدد المرجعيات الفكرية.

تقديم شروحات للوحات المعرض (الجزيرة)
تراث إنساني

من جهته، قال محمد زين العابدين -رئيس قطاع الثقافة بمنظمة الإيسيسكو ووزير الثقافة التونسي الأسبق- للجزيرة نت إن الفارابي جسد نموذج العالم الموسوعي الذي كتب في مختلف الفنون والعلوم، مضيفًا أنه يُعد من أوائل من أسسوا لـ "فلسفة الجمال"، سابقًا بذلك مفكرين غربيين كثر، إذ حدد أركان علم الجمال والتعامل مع مفهوم التذوق الجمالي ضمن مقاربة فلسفية متكاملة.

إعلان

وأشار زين العابدين إلى أن الفارابي لم يكتف بالشرح والنقل، بل طور علومًا متعددة من بينها الفيزياء والفلك والرياضيات، مؤكدًا أنه أسهم بشكل حاسم في انتقال الفكر اليوناني القديم إلى الفكر الغربي في العصور الوسطى، وساهمت أفكاره في إشعال شرارة عصر النهضة الأوروبية، ما منحه مكانة بارزة في تاريخ العلوم والمعارف والفنون والإبداع الإنساني بصفة عامة.

وأضاف أن الفارابي يندرج ضمن كوكبة من كبار فلاسفة ومفكري الحضارة الإسلامية، على غرار الكندي والأرموي وابن سينا وابن باجة وابن رشيق القيرواني وغيرهم، ممن أشاعوا هذا الفكر خارج حدوده الجغرافية، ليحظى بتقدير تاريخي واسع لا يمكن اختزاله أو حصره.

وأكد رئيس قطاع الثقافة بالإيسيسكو أن دور المنظمة يتمثل في البحث في هذا الإرث الفكري والإشعاع الحضاري، والعمل على تقريب هذه المرجعيات المعرفية والجمالية من العالم بأسره، باعتبارها فكرًا وثقافة وحضارة وتراثًا إنسانيًا مشتركًا.

وأشار إلى أن الإيسيسكو تضطلع بمسؤولية الحفاظ على هذا التراث وضمان تداوله والتعريف به، حتى يتحول إلى مرجعيات كونية لا تخص العالمين العربي والإسلامي فحسب بل الإنسانية جمعاء، موضحًا أن هذا التوجه يسهم في تفنيد خطابات الغلو والتطرف والتعصب، عبر إبراز الشواهد التاريخية التي تؤكد أن الإسلام كان عبر قرون طويلة حاملاً للعلوم والمعرفة والفكر والأدب.



إقرأ المزيد