الجزيرة.نت - 2/6/2026 3:23:05 PM - GMT (+3 )
ظلت العلاقات الأمريكية الروسية على مدى عقود من الزمن قائمة على مزيج من التعاون والتنافس، إذ تتقاطع مصالحهما المشتركة مع صراعات النفوذ والقوة والتأثير في النظام الدولي.
وشهدت العلاقة بين الطرفين في بداياتها تعاونا محدودا، ثم انتقلت لاحقا إلى تحالف ظرفي فرضته مواجهة خصم مشترك في فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية، قبل أن تدخل في مرحلة صراع شامل إبان الحرب الباردة، تميزت بتنافس أيديولوجي وعسكري دون مواجهة مباشرة.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، عرفت العلاقات تقاربا وتعاونا محدودا، ثم عادت مع مطلع القرن الحادي والعشرين إلى منطق القوة والتنافس الإستراتيجي من جديد، تزامنا مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في الكرملين.
فيما يلي تسلسل زمني لأبرز المحطات التاريخية التي شكَّلت مسار العلاقات الأمريكية الروسية، مرتبة من الأحدث إلى الأقدم:- الحرب الروسية على أوكرانيا وعودة الصدام الاستراتيجي (2022-2026)
مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، بلغت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة. فقد دعمت واشنطن أوكرانيا عسكريا وسياسيا واقتصاديا، وقدَّمت أسلحة ومساعدات مالية، كما فرضت مع شركائها الغربيين في الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا عقوبات اقتصادية ومالية واسعة على موسكو، شملت قيودا على البنوك والشركات وقطاعات الطاقة والتجارة.
وبينما عَدَّت الولايات المتحدة هذا التدخل الروسي في أوكرانيا تهديدا للنظام الدولي، رأت موسكو في الدعم الغربي لكييف مواجهة غير مباشرة تهدد مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي.
ورغم القطيعة السياسية شبه الكاملة، فقد استمرت بعض قنوات الاتصال المحدودة بين الطرفين لإدارة الأخطار، خاصة ما يتعلق بالأمن النووي ومنع أي تصعيد عسكري مباشر.
وتمثلت هذه القنوات في اجتماعات بين كبار المسؤولين في وزارات الخارجية والدفاع، إضافة إلى لقاء قمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترمب في قاعدة إلمندورف‑ريتشاردسون في ألاسكا عام 2025، إذ جرى بحث سبل إدارة النزاع في أوكرانيا وتجنُّب التصعيد المباشر، ورغم أن اللقاء لم يفرز أي اتفاق نهائي بشأن الحرب، فإنه شكَّل محاولة للحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة بين البلدين.
إعلان
- ضم القرم وتآكل الثقة (2014-2022)
شكَّل ضم روسيا شبه جزيرة القرم في مارس/آذار 2014 نقطة تحوُّل حاسمة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، إذ رأت واشنطن هذه الخطوة انتهاكا للقانون الدولي وتهديدا للنظام الأمني الأوروبي. فردَّت عليها بالتنسيق مع شركائها من الدول الغربية، ومنها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إضافة إلى كندا واليابان وأستراليا، بفرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة على موسكو، شملت قيودا على البنوك والشركات الروسية، وحظر استثمارات في قطاع الطاقة، وتجميد أصول محددة لمسؤولين روسيين.
ترافقت هذه المرحلة مع تصاعد اتهامات متبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية لكل طرف، إذ زعمت الولايات المتحدة أن روسيا حاولت التأثير في الانتخابات الأمريكية عام 2016، عبر عمليات اختراق سيبراني وهجمات إلكترونية، وعن طريق حملات إعلامية مضللة على الإنترنت.
وفي المقابل، اتهمت روسيا الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين بالتدخل في شؤونها الداخلية، عبر دعم منظمات غير حكومية ووسائل إعلام معارضة، وكذلك بواسطة الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية.
وتزامن ذلك مع تراجع واضح في مستوى التعاون العسكري بين البلدين، إذ أصبح تطبيق عدد من اتفاقيات الحد من التسلح السابقة محدودا أو متوقفا عمليا نتيجة التوتر المتصاعد، ومنها اتفاقيات للحد من الأسلحة التقليدية وبرامج التفتيش المتبادلة.
ومع التدهور الذي عرفته العلاقات بين البلدين حينئذ، أبعدت روسيا عام 2017 عددا من أفراد البعثة الدبلوماسية الأمريكية، في رد رمزي على العقوبات والقيود التي فرضتها واشنطن، مما عمَّق الخلافات وزاد من حدة التوتر بين الطرفين.
- صعود بوتين وعودة منطق القوة (2000-2014)
مع تولّي فلاديمير بوتين رئاسة روسيا عام 2000، بدأت البلاد في اتباع سياسة خارجية أكثر صرامة، تهدف إلى استعادة نفوذها على الساحة الدولية وتعزيز قدرتها على التأثير في النظام الدولي.
وتصاعدت بذلك الخلافات مع الولايات المتحدة، خاصة بشأن توسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبرامج الدفاع الصاروخي، إضافة إلى اختلاف الرؤى بخصوص عدد من الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى في العالم، مما أظهر محدودية القدرة على التوصل إلى تفاهم طويل الأمد بين الطرفين.
وعلى الرغم من هذا التباين، فقد شهدت هذه المرحلة فترات قصيرة من التعاون الظرفي، أبرزها دعم روسيا جهود مكافحة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، إلى جانب عقد عدد من القمم والاجتماعات الثنائية المهمة بين الطرفين، منها لقاء بوتين والرئيس الأمريكي حينئذ جورج بوش الابن في نيويورك عام 2002 على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، واجتماع الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع نظيره الروسي دميتري ميدفيديف في قمة جنيف عام 2010 وأفضت إلى اتفاق "نيو ستارت" للحد من الأسلحة الإستراتيجية، فضلا عن لقاءات أخرى على هامش مؤتمرات دولية، ركَّزت على الأمن الدولي وبرامج الحد من التسلح.
تميزت تلك الفترة بتزايد حدة الخطاب القائم على الشك والحذر، مما أدخل العلاقات بين الطرفين إلى نفق التوتر مجددا، ليفرض منطق القوة نفسه عاملا أساسيا في العلاقة الثنائية بين البلدين.
إعلان
- ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (1991-2000)
أدى تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 إلى بدء مرحلة جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، اتسمت في بدايتها بتفاؤل نسبي قائم على إمكانية بناء تعاون ثنائي أوسع، بعدما دعمت واشنطن جهود التحول السياسي والاقتصادي في روسيا عبر برامج مساعدات واسعة.
وشملت البرامج تقديم الخبرات الفنية والتدريب على أسس الديمقراطية والاقتصاد الحر، إضافة إلى مبادرات دعم القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية الجديدة، في حين سعت موسكو إلى الاندماج في النظام الدولي الجديد والحصول على اعتراف دولي بمكانتها بعد انتهاء الحرب الباردة.
ظل هذا التقارب هشا، إذ ظهرت خلافات جوهرية بشأن توسُّع الناتو إلى دول أوروبا الشرقية، ومنها بولندا والمجر والتشيك، وكذلك بشأن ترتيبات الأمن الأوروبي ومسائل النفوذ الإقليمي الروسي.
وسعت القيادة في البلدين إلى إدارة هذه الخلافات عبر محادثات قمة واجتماعات دبلوماسية منتظمة، بهدف الحفاظ على حوار مستمر وتقليل الأخطار، لكنَّ هذه الجهود لم تمنع استمرار التوترات السياسية والمخاوف المتبادلة. وبذلك بقيت العلاقات الثنائية في تلك الفترة متقلبة ومحدودة التأثير، على الرغم من التفاؤل الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة.
- الحرب الباردة: صراع بلا مواجهة مباشرة (1945-1991)
هيمنت الحرب الباردة على العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين حتى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وشكَّلت الإطار الحاكم لتفاعلاتهما السياسية والعسكرية طوال تلك المرحلة.
واتسمت العلاقات بتنافس شامل على الصعيدين الأيديولوجي والإستراتيجي، دون انزلاق مباشر إلى مواجهة عسكرية بين القوتين، وذلك بفعل توازن الردع النووي المتبادل، الذي شمل تطوير ترسانات نووية ضخمة ووسائل إيصالها، ومنها الصواريخ الباليستية والقاذفات البعيدة المدى والغواصات النووية.
ولم يقتصر التنافس بين الطرفين على المجال العسكري بل امتد إلى المجال العلمي والتقني، إذ شهدت تلك الفترة سباق الفضاء بين القوتين، بدءا بإطلاق الاتحاد السوفياتي أول قمر صناعي "سبوتنيك" عام 1957، قبل أن ترد الولايات المتحدة بهبوط "أبولو 11" على سطح القمرعام 1969.
واستمر الصراع في أبعاد غير مباشرة عبر حروب الوكالة، إذ دعم الطرفان حلفاءهما أو قوى محلية في مناطق متعددة من العالم، من فيتنام إلى أفغانستان وأجزاء من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، في محاولة لتوسيع نفوذ كل طرف دون مواجهة مباشرة.
وشكَّلت الحروب أزمات كبرى، أبرزها أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، في لحظات مفصلية أظهرت مدى خطورة الانزلاق إلى مواجهة نووية، وأدَّت إلى اعتماد آليات للضبط والتواصل، شملت توقيع اتفاقيات للحد من التسلح مثل اتفاقية الحد من الأسلحة الإستراتيجية 1 و2، ومعاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى، فضلا عن برامج التفتيش والتواصل العسكري.
ومع ذلك، لم تُنهِ هذه الاتفاقيات جوهر الصراع القائم، وظلت المنافسة مستمرة في مختلف المجالات إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، ليعلن عن انتهاء تلك المرحلة الطويلة من التوتر والتنافس الإستراتيجي بين القوتين.
- الحربان العالميتان وتحالف الضرورة (1917-1945)
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا تحولات متباينة أثناء الحربين العالميتين. ففي الحرب العالمية الأولى، لم يتبلور تعاون فعلي بين الطرفين، إذ تزامن دخول الولايات المتحدة إلى الحرب عام 1917 مع انسحاب روسيا عقب الثورة البلشفية، وهو ما حال دون تنسيق سياسي أو عسكري منظم بينهما.
أما أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد تقاربت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ضمن تحالف فرضته ضرورة مواجهة ألمانيا النازية وحلفائها، وتميَّز هذا التقارب بتنسيق عسكري واسع ودعم اقتصادي أمريكي للاتحاد السوفياتي عبر برنامج "ليند-ليز" الذي شمل تزويد السوفيات بالأسلحة والمعدات والإمدادات الأساسية.
إعلان
كما شهدت تلك المرحلة مشاورات سياسية مكثفة بشأن إدارة الحرب وترتيبات ما بعد الصراع، ومنها المؤتمرات الكبرى مثل يالطا وبوتسدام التي ناقشت مستقبل أوروبا والنظام الدولي الجديد.
ومع انتهاء الحرب عام 1945، سرعان ما تفكك التحالف، وظهرت خلافات عميقة بشأن تقسيم ألمانيا ومناطق النفوذ في أوروبا الشرقية، واختلف الطرفان بشأن موازين القوة العالمية وطبيعة النظام الدولي، مما مهَّد الطريق لفترة طويلة من التنافس والصراع، عُرفت لاحقا بالحرب الباردة.
- البدايات والعلاقات الودية في القرن التاسع عشر
تعود بدايات العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا إلى القرن الـ19، واتسمت تلك المرحلة بدرجة من التفاهم البراغماتي القائم على تلاقي المصالح، مع غياب صدام مباشر بين الطرفين.
وأسهمت مواقف البلدين المتحفظة إزاء بعض القوى الأوروبية الكبرى، وخصوصا بريطانيا، في تعزيز هذا التقارب النسبي، دون أن يرقى إلى مستوى تحالف سياسي أو عسكري منظم.
ومن أبرز مظاهر التعاون إبان تلك الفترة صفقة بيع روسيا إقليم ألاسكا إلى الولايات المتحدة عام 1867، التي عكست رغبة موسكو في إعادة ترتيب أولوياتها الإستراتيجية، وأثبتت مبدأ الثقة المتبادلة في إدارة العلاقات الثنائية.
كما شهدت تلك المرحلة تبادلا دبلوماسيا وتأسيس بعثات قنصلية، مما أتاح تنظيم العلاقات التجارية وفتح قنوات التعاون السياسي بين البلدين.
وعلى الرغم من تلك المؤشرات الإيجابية، فإن الطابع العام للعلاقات بين الطرفين ظل وديا ومحدودا، تحكمه الاعتبارات الظرفية والبراغماتية، مع غياب شراكة إستراتيجية طويلة الأمد أو تحالف مستمر.
إقرأ المزيد


