الجزيرة.نت - 2/7/2026 10:22:02 AM - GMT (+3 )
في اللحظة التي يفترض أن تكون احتفالا خالصا بالنجومية، كانت أريانا غراندي تقف على السجادة الحمراء في سنغافورة، محاطة بالكاميرات والابتسامات الرسمية، تؤدي الدور المعتاد لنجمة يعرفها العالم كله.
لكن المشهد انقلب في ثانية واحدة، إذ اندفع رجل من بين الحشود، وتجاوز المسافة التي يفترض أنها فاصلة بين الجمهور والنجم، ووصل إليها مباشرة، أمسك كتفها في حركة خاطفة، كأن الجسد الذي أمامه ليس إنسانة بل "صورة حلم" خرجت من الشاشة إلى الواقع.
ارتبكت غراندي، وتدخل المحيطون بها بسرعة، بينما حاولت زميلتها سينثيا إريفو حمايتها في لحظة بدت أقرب إلى الفزع منها إلى البروتوكول.
لم يكن ما حدث مجرد حادث أمني عابر، بل لقطة مكثفة لعصر جديد من العلاقة بين المعجبين والمشاهير، عصر لم يعد فيه الإعجاب مسافة آمنة، بل وهم قرب شخصي يتضخم حتى يتحول إلى اقتحام.
علاقات شبه اجتماعيةتوضح عالمة النفس الاجتماعي والأستاذة المساعدة في قسم علم النفس بجامعة براينت في الولايات المتحدة الدكتورة ميلاني ميمون، أن العلاقات شبه الاجتماعية هي "علاقات من طرف واحد يطور فيها الشخص شعورا قويا بالارتباط أو الألفة أو المعرفة بشخص لا يعرفه"، وأن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل المعجبين يشعرون بقرب أكبر من أي وقت مضى.
وفي عالم موسيقى البوب الكورية، بات الخط الفاصل بين الشخصية العامة والتواصل الخاص غير واضح بفعل المنصات التجارية المصممة لتعزيز التفاعل الاجتماعي.
ومن أبرز هذه المنصات تطبيق ديار يو بابل (DearU Bubble)، الذي يتيح للمعجبين الاشتراك شهريا لتلقي رسائل شخصية من نجومهم المفضلين.
ورغم أن هذه الرسائل ليست محادثات مباشرة أو شخصية بالمعنى الحرفي، إلا أن التجربة تبدو حميمية، فقد يتلقى المعجبون تحيات مثل "صباح الخير!" أو رسائل نصية منتقاة بعناية تبدو وكأنها كُتبت خصيصا لهم.
إعلان
تشرح ليليان يانغ، الباحثة في مجموعة "نيلسون نورمان" المتخصصة في تجربة المستخدم، أن تطبيقات الرسائل المدفوعة مثل (بابل) تُصمَّم عمدا لتبدو كمحادثة خاصة بين شخصين، بحيث يشعر المعجب أن الرسالة كُتبت له تحديدا، حتى عندما تكون في جوهرها جزءا من بث جماعي واسع.
لكن هذه الخصوصية ليست كما تبدو. يشرح تقرير مفصل لصحيفة "كوريا جونغ أنغ ديلي" أن النجم يرسل رسالة واحدة توزع على جميع المشتركين في صيغة محادثة شخصية، بينما تُجمع ردود المعجبين داخل مساحة جماعية يطّلع عليها الفنان ككل، لا كحوار ثنائي حقيقي.
وفي هذا السياق، يصبح الشعور بالاهتمام جزءا من نموذج اقتصادي قائم على بيع "الوهم العاطفي" أكثر من بيع المحتوى.
يقتبس التقرير الناقد الثقافي كيم هيون-سيك محذرا من أن هذه الخدمات تدفع الفنانين إلى أداء عمل عاطفي مستمر تحت ضغط الاشتراك، وتطرح سؤالا أخلاقيا حول معنى الصدق في علاقة تدار كالتزام مدفوع.
لا يقتصر هذا النموذج على بيع المعجب تفاعلا فحسب، بل يبيع وهما بالتقارب. وعندما يساوي المعجبون هذا الوهم بالواقع، قد تشمل النتائج خيبة أمل شديدة أو حتى عدوانية إذا شعروا بالتجاهل أو الإهانة أو الخيانة.
وجه "دريم" خلف القناعيعد اليوتيوبر الأمريكي "دريم"، المشهور بمحتوى "ماينكرافت" أحد أبرز الأمثلة الواقعية على التوقعات الاجتماعية الخاطئة. فقد أخفى لسنوات هويته خلف قناع مميز، وهو ما أصبح جزءا من شخصيته وجاذبيته.
في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2022، نشر فيديو بعنوان "مرحبا، أنا دريم"، كشف فيه أخيرا عن وجهه لملايين متابعيه.
حصد الفيديو عشرات الملايين من المشاهدات بسرعة، وحظي بإشادة واسعة وانتقاد لاذع. وصفت مجلة "فوربس" الكشف بأنه أثار ضجة كبيرة لأن إخفاء هوية "دريم" لفترة طويلة كان مرتبطا بعلامته التجارية ومجتمعه.
لكن ردود الفعل اللاحقة كشفت الجانب المظلم للروابط الاجتماعية. فقد كانت ردود فعل العديد من المعجبين قاسية، حيث انتقدوا مظهره وسخروا منه، وأعربوا عن خيبة أملهم لأن الواقع لم يتطابق مع الصورة التي تخيلوها عنه.
انتشرت آلاف التعليقات والردود الساخرة من وجهه، مظهرة كيف اصطدمت الصورة الخيالية التي رسمها المعجبون في أذهانهم بشخصيته الحقيقية. وتُشير التحليلات إلى أن بعض المعلقين ردوا بعدوانية بدلا من خيبة الأمل.
بحلول منتصف عام 2023، حذف دريم فيديو كشف وجهه، وأشار إلى الكراهية التي تلقاها بعد كشف هويته؛ وفي فيديو لاحق بعنوان "مع السلامة من دريم"، أوضح أنه نادم على الاهتمام الذي حظي به، وأنه ينوي العودة إلى إخفاء هويته.
تعد هذه الحادثة مثالا تحذيريا، إذ إنه عندما يشعر المعجبون أن أحد المشاهير "ينتمي" إليهم، حتى افتراضيا، فإن العيوب البشرية لا تثير التعاطف، بل العداء. لم يكن الجمهور غاضبا من دريم نفسه؛ بل كانوا غاضبين لأن حلمهم قد تحطم.
حالة أخرى بارزة، تأتي من المؤثرة وصانعة المحتوى الأمريكية أمورانث (كايتلين سيراغوسا)، المعروفة ببثها المباشر، وعروض الأزياء التنكرية، وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي.
إعلان
استشاط بعض المعجبين غضبا عندما انتشر خبر زواجها، معتبرين ذلك خيانة لوعد ضمني بـ"التواجد الدائم" الذي يشكل أساسا للأوهام الاجتماعية.
وقد عبر المعجبون عن غضبهم واتهامهم لها بالخداع، رغم أن حالتها الاجتماعية لا تؤثر على محتواها المهني.
ويجسد هذا الرد كيف يمكن للتوقعات الاجتماعية أن تتحول إلى شعور بالاستحقاق وتدخل في الحياة الشخصية.
الصداقة قوة سياسية واقتصاديةنشرت تايلور سويفت رسالة قصيرة على إنستغرام أعلنت فيها دعمها للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في سبتمبر/أيلول 2024، ووقّعت البيان بعبارة "Childless Cat Lady"، في إشارة ساخرة إلى خطاب سياسي محافظ.
خلال ساعات، سجّل موقع Vote.gov ارتفاعا هائلا في عدد الزيارات والإحالات القادمة من منشورها، وهو ما أكده مسؤولون أمريكيون بوصفه أحد أوضح الأمثلة على قدرة نجمة موسيقية على تحريك السلوك السياسي لجمهور واسع بمجرد رسالة شخصية.
ويتكرر الأمر اقتصاديا. فحين بدأت جولة إيراس (Eras Tour)، لم تُعامل كحفلات فقط، بل كحدث اجتماعي كامل يخلق موجات إنفاق وسفر، حتى أن تقارير اقتصادية أمريكية تحدثت عن أثر ملموس للجولة على السياحة والفنادق والأسواق المحلية في المدن المستضيفة.
وأصبحت سويفت نموذجا لكيف يتحول التعلق العاطفي إلى اقتصاد كامل قائم على "القرب الرمزي".
لكن الجانب الأكثر حساسية يظهر في ردود الفعل الدفاعية. ففي ثقافة السويفتيز (Swifties)، كثيرا ما تُستقبل قرارات سويفت الشخصية أو علاقتها العاطفية أو مواقفها بوصفها شأنا يخص "الجماعة"، لا الفرد، وهو ما يجعل العلاقة شبه الاجتماعية -كما يعرّفها علماء النفس- علاقة من طرف واحد يشعر فيها المعجب أنه يعرف النجم معرفة شخصية، لأن الأغاني والسرد الذاتي يمنحانه وهم التجربة المشتركة.
لماذا يمتلك المعجبون المشاهير؟يكمن وراء هذه الظاهرة آلية نفسية يُطلق عليها الباحثون اسم "التعلق شبه الاجتماعي"، وهو انجذاب من طرف واحد يتشكل عبر التعرض المتكرر لوسائل الإعلام.
وفقا لموسوعة "بريتانيكا" والأدبيات النفسية، يتحول التفاعل شبه الاجتماعي إلى علاقة شبه اجتماعية عندما يدفع المشاهد المتواصل إلى الشعور بوجود صداقة أو رابطة عاطفية مع الشخصية الإعلامية. وقد تبدو هذه الرابطة، بالنسبة للمعجب، شبيهة بالعلاقة الحقيقية.
تظهر المشاكل عندما تصبح العلاقة شخصية للغاية، عندما يفسر المعجبون منشورات وسائل التواصل الاجتماعي على أنها تواصل مباشر، أو يعتقدون أن "قرب" المشاهير يعني التزاما شخصيا.
يساهم إدخال ميزات اشتراك المعجبين وتطبيقات المراسلة الخاصة في طمس الحدود بين المعجبين والمشاهير، مما يجعلهم يشعرون بأنهم مرئيون ومختارون ومعروفون لدى النجم، حتى وإن كان التواصل يتم عبر رسائل معدة مسبقا أو منشورات آلية.
لا تقتصر نتائج هذه الارتباطات المشوهة على خيبة أمل بسيطة. ففي بعض الحالات، يتفاعل المعجبون بعدوانية عندما تُشكك رواياتهم المتخيلة عن المشاهير.
عندما كشف دريم عن وجهه، ردّ العديد من المعجبين بالمضايقات بدلا من الدعم، لأن الواقع لم يتطابق مع توقعاتهم.
وفي سياقات اجتماعية وهمية أخرى، قام بعض المعجبين بملاحقة المؤثرين أو شعروا بالخيانة بسبب أخبار شخصية منشورة.
تستند هذه الاستجابات إلى سيكولوجية إسقاط الهوية والارتباط العاطفي، يتطلب فهم هذه الظاهرة إدراك أن التقارب الرقمي لا يُعادل التواصل الشخصي. فالمشاهير والمؤثرون يُنسقون صورهم العامة، ولا يقيمون علاقات متبادلة مع ملايين المعجبين. قد تسهّل منصات التواصل الاجتماعي الوصول، لكنها لا تتيح تجربة مشتركة حقيقية.
يحثّ علماء النفس وعلماء الاجتماع كلا من المعجبين والمبدعين على إدراك هذا الفرق. فالإعجاب الصحي يحتفي بالفن والإلهام والتواصل المجتمعي، بينما يفترض التعلق غير الصحي مستوى من الحميمية لا يُمكن تحقيقه في وسائل الإعلام الجماهيرية.
إعلان
إقرأ المزيد


