الجزيرة.نت - 2/8/2026 11:11:48 AM - GMT (+3 )
باريس – رضخ جاك لانغ، رئيس معهد العالم العربي في باريس، أخيراً، لنداءات باستقالته، أطلقها سياسيون ومثقفون وناشطون إثر الكشف عن علاقات متينة له مع الممول الأمريكي المدان بتهم الاتجار الجنسي جيفري إبستين.
وفي رسالة وجّهها إلى وزير الخارجية الفرنسي، أعلن لانغ عزمه على تقديم استقالته، وذلك عشية موعد مراجعته لوزارة الخارجية التي طلبته لتقديم تفسيراته لما ورد في وثائق إبستين، موضحاً أنها جاءت "من أجل الحفاظ على معهد العالم العربي" و"التمكن من دحض جميع الاتهامات التي توجه إليه بهدوء".
وورد اسم جاك لانغ، الرئيس الحالي لمعهد العالم العربي في باريس، وزير الثقافة في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، 673 مرة، في آخر دفعة من الوثائق التي باتت تحمل اسم "مكتبة إبستين".
ومع هذا العدد من الوثائق، لا يستطيع لانغ، البالغ من العمر 86 عاما، إخفاء علاقته بالرجل الذي عثر عليه مقتولاً في زنزانته عام 2019. وهو يؤكد أنه "يتحمل مسؤولية" علاقاته السابقة مع إبستين، مشدداً على أنه "لم يكن هناك ما يوحي" بأنه يقود شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرات، ومعتبراً أن مجرد وجود اسمه في الوثائق لا يعني ارتكابه أي فعل غير قانوني.
استدعاء أزمة دعم وودي آلنوقال لانغ: "عندما أقيم علاقة ودية مع شخص ما، ليس من عادتي أن أسأله عن سجله الجنائي. أنا أثق بالناس. أحب اللقاءات العرضية في الحياة اليومية. هكذا تستمر حياتي".
وأوضح لانغ إن لقاءه "العرضي" بإبستين حدث عن طريق المخرج الأمريكي وودي آلن، وكان هذا الأخير نفسه في دائرة الضوء في أعقاب حركة "مي تو" إثر اتهامات بالاعتداء الجنسي على ابنته بالتبني، بعمر 7 سنوات حينها.
ودَعَمَ جاك لانغ المخرج الأمريكي المقرب من إبستين في محنته تلك، فأسعد قلب الممول الأمريكي المدان بالاتجار بقاصرات، معتبراً أن لانغ "قام بعمل رائع" بدعمه آلن.
يقول لانغ إنه صُدم "عندما اكتشف الجرائم التي ارتكبها" إبستين، ويبرر غفلته عن ارتكاباته و"سذاجته" باعتباره (إبستين) "كان راعياً فنياً متحمساً، وكان يتردد على نخبة باريس". مضيفاً: "لقد أذهلنا بثقافته الواسعة وفضوله الفكري".
إعلان
هذا الوصف تسبب للانغ بكاريكاتير ساخر في صحيفة ليبراسيون أظهره مع عبارة "عندما تعرفت إليه كان شغوفاً بالفن"، إلى جانب رسم فاضح يمثل اعتداء إبستين على تمثال كلاسيكي لامرأة عارية.
ردود الفعل على ورود اسم جاك لانغ وعائلته في وثائق إبستين لا يحدها كاريكاتير، فهو يشغل مختلف الأوساط السياسية والثقافية، إذ طالبت العديد من الشخصيات باستقالته.
وقد حذر جان-كريستوف كامبادليس، الأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي، أن لانغ سيظل هدفاً للانتقادات ما دام لم يستقل، "سواء كان مذنباً أم لا"، لذلك فإن الخوف الأكبر الآن هو على المؤسسة التي يرأسها لانغ، معهد العالم العربي، وقد حذرت الوزيرة السابقة سيغولين روايال من أن استمرار بقائه على رأسها "سيضر حتماً بصورة معهد العالم العربي".
تهم غسل أموالوفي عام 2020، كُشف أن مؤسسة تابعة لإبستين دفعت 57 ألفا و897 دولارا في عام 2018 إلى جمعية أنشأها مقربون من جاك لانغ، وكان الهدف من هذا التبرع هو "تمويل فيلم". لكن هذا الفيلم، الذي أطلق عليه اسم "جاك لانغ، عبور القرن"، لم يُعرض أبداً بسبب حدة فضيحة إبستين.
ووفقاً لـ ميديابارت فإن كارولين لانغ، ابنة جاك لانغ، وهي شخصية مؤثرة في عالم السينما، وتظهر أيضاً في الوصية المالية لإبستين، أسست الشركة في جزر فيرجن، والتي تمتلك نصف أسهمها، في عام 2016 مع جيفري إبستين.
وأفاد مكتب المدعي العام المالي الفرنسي لوكالة الصحافة الفرنسية أمس السبت أن تحقيقاً أوليا فُتح مع جاك لانغ، وابنته كارولين، على خلفية علاقاتهما مع اإبستين.
وقال المكتب إنه سيتم التحقيق مع لانغ وابنته بتهمة "غسل أموال" متعلقة بعائدات تهرب ضريبي بسبب علاقات مالية مشبوهة مع ابستين، فيما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان لوي بارو أن "العناصر الأولى التي بدأت تظهر من هذه الملفات جديدة وخطيرة للغاية"، و"ستتطلب فحصا متعمقاً".
ابنة لانغ تستقيلوكانت كارولين لانغ استقالت، الاثنين الماضي، من منصبها كرئيسة لـ "نقابة المنتجين المستقلين" في السينما والتلفزيون، بعد الكشف عن صلاتها بالملياردير السابق. لكنها، مثل والدها، تفسر حالتها بالقول: "كنت ساذجة للغاية"، وتعترف بأنها لم تبلغ مصلحة الضرائب الفرنسية عن شركتها في جزر فيرجن، "نظراً لأنني لم أستثمر أي أموال فيها، فجميع الأموال كانت من جيفري، لم أقدر الآثار والعواقب".
لكن حادثة ترويها بنفسها لا تتمكن من تبديد "سذاجتها".. توضح: "قال لي إذا بحثتِ عني على غوغل، ربما لن ترغبي في التحدث معي أبداً". وتضيف: “لذا بحثت، ووجدت في الصحافة أنه أدين بتهمة استغلال قاصرات في الدعارة، وأنه حُكم عليه بذلك في عام 2008. أخبرني أنه دفع ثمن جريمته وعوض الضحايا، وأنا صدقته".
وتصر لانغ الابنة (64 عاماً)، في حديثها لـ ميديابارت، على إزالة أي غموض: "لم تكن لي أبداً علاقة عاطفية مع جيفري. كان حساساً، لكنه لم يغازلني أبداً.. أبداً".
ما يهم الآن، بالنسبة لشرائح واسعة من الفرنسيين (المهتمين منهم بالثقافة العربية خصوصاً) هو مصير معهد العالم العربي. فمع أن جهود جاك لانغ لا تنكر في إضفاء حيوية استثنائية على فعاليات المعهد وحضوره في الثقافتين العربية والفرنسية، كما لا ينكر دعمه الصريح للقضية الفلسطينية عبر المؤسسة العريقة، إلا أن استمراره على رأس المؤسسة التي تحمل طابعاً رمزياً ثقافياً بدأ بالفعل يعرضه للخطر، لقد بدأت بالفعل بعض الانسحابات من فعاليات مبرمجة مسبقاً، وهناك هجوم واسع على المعهد على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعوات لمقاطعته.
إعلان
ويرى مراقبون أن اليمين الفرنسي المتطرف قد يجدها فرصة للانقضاض واستثمار قضية إبستين بالانتقام من أحد أبرز صروح الثقافة العربية في أوروبا، لا من مجرد خصم سياسي فرنسي.
وفي الأساس كان المعهد يواجه على الدوام هجمات مغرضة تستهدف دوره وحيويته ودعمه لقضايا العرب والمهاجرين.
وقد اعتبر جان فيليب تانغي، النائب البرلماني عن حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، أن "ادعاء جاك لانغ بأنه لم يكن يعلم أمر سخيف"، مضيفاً أن لانغ "كان يجب أن يرحل منذ زمن".
إقرأ المزيد


