فيلم "أرسلوا النجدة".. غابة نفسية اسمها مكان العمل
الجزيرة.نت -

انشغلت السينما على مدى تاريخها بفكرة البقاء على جزيرة مهجورة، واختبار قدرة الإنسان على الصمود في مواجهة تقلبات الطبيعة، ولعل أشهر الأمثلة على ذلك فيلم "منبوذ" عام 2000 (Cast Away) للمخرج روبرت زيميكس، حيث يتحول الانعزال إلى قلق حول الوجود، وأيضا فيلم "سيد الذباب" عام 1990 (Lord of the Flies) للمخرج هاري هووك، الذي ينهار فيه النظام الاجتماعي أمام الحرمان.

وقدمت السينما العالمية مؤخرا فيلم "كل شيء ضائع" عام 2013 (All Is Lost)، للمخرج ماركو نيرو، الذي دفع البحار المفقود لتأمل الوحدة. وتستخدم هذه الأعمال لتصوير الصراعات النفسية والاجتماعية في بيئات خالية من الحضارة وقواعدها المفترضة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ينضم فيلم "أرسلوا النجدة" (Send Help) للمخرج سام ريمي، والذي يعرض حاليا في الولايات المتحدة وكندا، إلى هذا التيار، لكنه يقدم سيناريو البقاء على قيد الحياة من خلال عدسة علاقات العمل والصراع النفسي.

ريتشيل ماك أدمز في لقطة من فيلم "أرسلوا النجدة" (آي إم دي بي)

ويمزج المخرج سام ريمي، في أعماله، بين التوتر والكوميديا السوداء ببراعة. وبينما يرتبط اسم ريمي بأفلام الرعب والحركة ذات الطابع الفني مثل سلسلة "شر ميت" عام 1981 (Evil Dead)، وفيلم "الرجل العنكبوت 2" عام 2004 (Spider-Man 2)، يدعو "أرسلوا النجدة" الجمهور لمشاهدة تفسيره للعلاقات الإنسانية حين ترزح تحت ضغط شديد.

بيئة عمل جديدة وأحقاد قديمة

تدور أحداث القصة حول زميلين في العمل، هما ليندا ليدل (الممثلة رايتشل ماك آدامز) وبرادلي بريستون (الممثل ديلان أوبراين)، ينجوان من حادث تحطم طائرة كارثي يتركهما عالقين على جزيرة نائية.

يضطر الاثنان للتعاون من أجل البقاء على قيد الحياة، لكنهما يحتاجان أيضا إلى مواجهة ما يحملان من حقد تجاه بعضهما البعض، في ظل التغير الجديد فلا هو مدير ولا هي مرؤوسة. يتصاعد التوتر بينهما نتيجة قلة الموارد المتاحة على الجزيرة.

ملصق فيلم "أرسلوا النجدة" (الجزيرة)

رغم أن الأحداث تدور في بيئة معزولة بعيدة عن مكاتب الشركات، إلا أن سياقه الأساسي يبقى في فكرة التسلسل الهرمي لمكان العمل والصراعات الشخصية.

إعلان

يدور فيلم "أرسلوا النجدة" في العصر الحالي، ويدخل الفيلم بيئة إعلامية تلقى فيها قصص ثقافة العمل والإرهاق والاستياء المهني صدى واسعا. ومع تزايد تساؤلات الجمهور حول الأثر النفسي للعمل الحديث ومعنى التعاون، تربط فرضية الفيلم بين مفاهيم البقاء ومجال نفسي يبدو مألوفا ومباشرا.

تركز القصة على البقاء الجسدي وإيجاد الطعام والمأوى، والأهم أنها تحرص على مواجهة "الضغائن والصراعات القديمة" التي شكلت علاقتهما.

ومع تزايد الضغوط النفسية نتيجة تناقص الموارد وتصاعد حالة الشك والريبة، يكافح البطلان لإدارة الصراع الداخلي وبنية القوة المتغيرة، والتي تصبح بدورها خيطا سرديا متواصلا.

خلطة جديدة

يقدم كاتبا السيناريو داميان شانون ومارك سويفت "خلطة" جديدة تماما، لعلها أكثر ما يميز الفيلم، وهي إعادة صياغة قصة نجاة كلاسيكية لتحليل الصراع في مكان العمل.

من الطبيعي أن تشمل بعض أفلام "النجاة" تعليقات اجتماعية مثل "المنصة" 2019 (The Platform) و"قطار الثلج" 2013 (Snowpiercer)، وخاصة فيما يتعلق بالصراع الطبقي والاستغلال داخل نظام اقتصادي غير عادل، حيث تصبح أوجه عدم المساواة الصارخة على المستوى اليومي نقطة انطلاق للتفكير في كيفية توزيع السلطة والموارد في العالم الحقيقي.

لكن فيلم "أرسلوا النجدة" ينشغل أكثر بهياكل القوة الشخصية في مكان العمل وكيف تتغير عند انهيار معايير الحضارة.

ومن خلال وضع "مدير متغطرس" و"زميل عمل على قدم المساواة"، يستمد الفيلم جاذبيته، فثمة مصدر ثقافي مألوف للجميع وهو الاستياء اليومي في مكان العمل الذي يفهمه الملايين، والذي يتضخم إلى حد العزلة الشديدة.

لا تصبح الجزيرة مجرد مكان للبقاء الجسدي، ولكنها مكان لإعادة بناء العلاقات وتفكيك وتركيب النفوس، تحت ضغط وتهديد الطبيعة.

تضع هذه الاستراتيجية السردية فيلم "أرسلوا النجدة" ضمن الأفلام التي تستخدم البيئة للكشف عن حقيقة الشخصية، وإظهار الحقائق العاطفية والاجتماعية الكامنة.

رعب وكوميديا وجمال

يوظف المخرج سام ريمي خبرة سنوات تمتد طويلة في مزج التوتر والتحولات المفاجئة في النبرة، ليقدم بصمته الأسلوبية، والتي بدت في حركات كاميرا مفعمة بالحيوية، وإيقاعا محكما، وقدرة على تخفيف حدة التوتر بروح دعابة غير متوقعة، وهي صفات تناسب تماما قصة بقاء ذات أبعاد نفسية.

وتضفي الممثلة رايتشل ماك آدامز لمسة عاطفية على أدوار تتطلب الضعف والقوة معا، بينما تلعب خبرة ديلان أوبراين في أفلام ومسلسلات الخيال العلمي دورا في أدائه الذي اتسم بالصدق والدقة، ومزج بسلاسة بين الكوميديا والتوتر والإحباط، أحيانا.

ديلان أوبراين في مشهد من فيلم "أرسلوا النجدة" (آي إم دي بي)

يضم فيلم "أرسلوا النجدة" فريقا من الممثلين المساعدين الذين يرسمون صورة للعالم المؤسسي الذي ينتمي إليه الناجون، والسياق الاجتماعي الأوسع المحيط بمحنتهم.

ويمثل زوري (إيديل إسماعيل) وفرانكلين (دينيس هايسبيرت) شخصيات رئيسية من بيئة الشركة، بينما يضفي دونوفان (كزافييه صامويل) وتشيس (كريس بانغ) مزيدا من العمق على التسلسل الهرمي في مكان العمل، والذي يشكّل التوترات غير المحسومة بين ليندا وبرادلي.

إعلان

وهيأ مدير التصوير بيل بوب أجواء حيوية في الجزيرة من خلال ازدواجية تجمع بين الجمال والقلق حيث أبرز في اللحظة نفسها التوتر القائم بين الشخصيات. وساعد استخدامه للزوايا الحادة واللقطات البانورامية على نقل اتساع البيئة والتوتر الخانق الذي يتصاعد بين البطلين.

وحقق المونتير بوب مورافسكي إيقاعا دقيقا يحافظ على تماسك السرد. وعملت موسيقى داني إلفمان على تأطير كوميديا ريمي السوداء بإشارات صوتية ساخرة.

لا يعيد فيلم "أرسلوا النجدة" تكرار فكرة "البقاء على قيد الحياة في الجزيرة" المألوفة. فالعمل يقدم نموذجا هجينا للبقاء في مكان العمل، ويستغل التوتر بين الاستياء المهني والتقارب، ليروي قصة تبدو ذات صلة ثقافية بعام 2026.

يضيف الفيلم بعدا آخر إلى أفلام النجاة، إذ يسلط الضوء على الآثار النفسية العميقة التي يحملها الإنسان معه، حتى في أحلك الظروف.



إقرأ المزيد