الجزيرة.نت - 2/9/2026 3:18:35 PM - GMT (+3 )
Published On 9/2/2026
|آخر تحديث: 15:05 (توقيت مكة)
شارِكْ
غزة – "نحن الذين لم نمت بعد" للكاتبة ناهد العفيفي ليس كتابا عن الموت بقدر ما هو شهادة عن الحياة حين تجرد من طمأنينتها، وعن البشر الذين بقوا واقفين رغم الانكسار، وعن الأرواح التي تعلمت كيف تعيش وهي مثقلة بالأسئلة والخسارات. إنه صوت الذين نجوا بأجسادهم، لكن قلوبهم ظلت معلقة عند الذين لم يعودوا.
في صفحات الكتاب الذي نشرته مكتبة كوزال للنشر والتوزيع في بورصة بتركيا، تتجاور الحكايات والوجوه والأسماء، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى وثائق إنسانية، لا لتبكي الماضي فقط، بل لتقول "إن البقاء ليس دائما نجاة، وإن الحياة أحيانا تكون شكلا آخر من أشكال المقاومة".
تقول العفيفي للجزيرة نت: "هذا الكتاب محاولة لالتقاط نبض الذين لم يموتوا، لكنهم تغيروا إلى الأبد؛ الذين ما زالوا يبحثون عن معنى للحياة وسط الركام، ويكتبون أسماء أحبتهم على الذاكرة كي لا يغيبوا مرتين".
"ولدت فكرته بعد نزوحي الأخير من غزة إلى مواصي خان يونس، وكانت تجربتي الأولى في الخيام بمثابة صاعقة لم يستوعبها عقلي. لم أكن أنام في الليالي الأولى، وأسأل أهل المخيم: هل تنامون؟ وكيف تنامون؟ وجدت نفسي أنزوي في الخيمة لأصف ما تراه عيني ويشعر به قلبي".
وأضافت: "بدأت كتابة تجاربي الشخصية بأسلوب أدبي توثيقي، وبعد تشجيع من زملائي وأخص منهم مدير تربية وتعليم رفح أشرف عابدين ومعلمتي أمل القيق قررتُ أن أجمعها في كتاب ليبقى شاهدا على ذاكرة الحرب وتفاصيلها، ويرى العالم الواقع كما يعيشه أهله. وكان نهجي في الكتابة هو التوثيق الأدبي بطريقة تجذب القارئ وتدفعه إلى مواصلة القراءة حتى نهاية القصة".
وتحت عنوان "نصيبنا من الحرب" كتبت العفيفي: "كنا نعلم، وإن تجاهلنا، أن للحرب أنيابا لا تفرق بين قلب وقلب، وأن لكل منا فيها نصيبا، مهما اختلفت الأقدار وتباينت المصائر. منا من ظن أنه نجا حين حملته قدماه بعيدا عن الدمار، لكنه لم ينجُ من وجع الغربة ولا من شعور الطريد، ممزقا بين وطن فقده ووطن لا يحتضنه، ومنا من طحنته الحرب كآلة لا تعرف الرحمة".
إعلان
بين صفحات هذا الكتاب تتجسد حكايات نابضة بالحياة، ومشاهد راسخة في الذاكرة لا تمحوها الأيام، لتظل شهادة حية على إنسانية تختبر في أقسى الظروف، حين تُرى غزة أرضا تنزف، ويترك المظلومون لمصير الموت والصمت.
تتلخص فكرة الكتاب وتفاصيله في قصص اجتماعية مؤثرة عاشها أهل غزة، كل في مكانه وزمانه وظروف حياته، مسرودة بأسلوب جذاب ومشوق ومعبر. وكل قصة هي حكاية حقيقية، أبطالها يعيشون بيننا، نعرفهم ونعرف أخبارهم، ونعرف أن هذه القصص تخصهم؛ فهي ليست من وحي الخيال، بل سيرة لحياة أحدهم في كل قصة.
نداء من قلب الحكاياووصف الكاتب والناقد الأدبي يسري الغول للجزيرة نت فكرة الكتاب وتجربة الكاتبة بقوله: إننا "أمام صوت أدبي واعد يمتلك قدرة نادرة على تحويل الألم إلى شهادة، والمعاناة إلى نص حي ينبض بالصدق. فقد استطاعت الكاتبة توثيق التجربة الفلسطينية عبر كتابها "نحن الذين لم نمت بعد" بلغة قوية ومتزنة، تحاكي الواقع بعمق، وتلتقط تفاصيل التجربة الشخصية بوعي إنساني وجمالي في آن واحد".
"وهي التي عاشت مرارة النزوح، ولامست وجع الفقد، وشهدت الموت والدمار، فكتبت لا لتروي الحكاية فحسب، بل لتقرع جدران الصمت، وتوجه نداء للعالم: استيقظوا، نحن بشر ننتمي إلى عالمكم، لسنا غرباء عن إنسانيتكم، ولسنا صورا عابرة في نشرات الأخبار، ولا كائنات تختزل في لغة الكراهية التي يروجها أعداؤنا لتبرير قتلنا".
وأضاف: "قصصها تحاكي الجانب الوجداني والإنساني بعمق مؤثر، فتفتح نافذة على حياة محاصرة بالألم لكنها مفعمة بالأمل، وتعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه كائنا يحلم ويحب ويقاوم، ويصر على الحياة رغم كل محاولات الإلغاء. إنها كتابة لا تكتفي بوصف المأساة، بل تكشف جوهرها، وتمنح الضحايا صوتا، وتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، والكتابة إلى مساحة للنجاة والكرامة".
وجسدت الكاتبة معاناة الأطفال عبر تصوير وجعهم بوصفه وجعا جماعيا لا يخص فردا بعينه، بل وطنا كاملا. وتحت عنوان "فقط في غزة" كتبت مشاهد موجعة تختصر المأساة في صورتها الأكثر قسوة: "في غزة وحدها، أصبحنا وملك الله لا ينازع، لكن الألم صار نصيبنا وحدنا. لم يعد الأب يحمل على كتفه حقيبة مدرسية لطفله، بل يحمل جسده الصغير ملفوفا بالكفن، وقد سبقه إلى السماء شهيدا. في غزة فقط، لا يرافق الآباء أبناءهم إلى المدارس، بل يشيعونهم إلى المقابر، حيث تستبدل الحقيبة بالكفن، ويستبدل الدرس بالفقد، ويستبدل الصباح بنداء الرحيل".
"لم يعد للمدارس صوت، ولا للسجلات معنى، وصار الوطن بأكمله مرآة لليتم والتشريد. شعب إن أردت وصفه فقل: شعب يتيم، موجوع، مطرود من طمأنينته، بلا وطن يحميه، ولا ضمير عالمي يلتفت إلى ألمه. لا بكاء يكفي، ولا صراخ يسمع، سوى صمت ثقيل، ودموع معلقة في العيون، وسماء ضاقت بأرواح الشهداء. أصبحنا وحدنا… يا وحدنا".
البحث عن البقاء"نحن الذين لم نمت بعد" شهادة أدبية على معاناة بدأت ولم تنتهِ، حيث القلم ليس مجرد أداة للكتابة بل وسيلة لمحاولة البحث عن البقاء وتعبير عن نجاة وصرخة في وجه القهر والعجز والصمت. هذا ما قاله الكاتب أكرم الصوراني للجزيرة نت.
إعلان
وأضاف: "الكتاب يضم قصصا من لحم ودم ومشاهد محفورة في ذاكرة المؤلفة واشتباكها مع مقولات سائدة؛ على سبيل مقولة محمود درويش الشهيرة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" وتعيد العفيفي صياغتها بمرارة موجعة وقاسية لتعكس واقعها الجديد قائلة: "على هذه الأرض ما لا تتحمله طاقة بشر ولا يستوعبه عقل ولا يخضع لقواعد منطق".
وأوضح أن العفيفي نجحت بترجمة وجعها ووجعنا ووجع غزة، عندما جعلت من نصها خطابا بصوت الشعب، وصرخة إنسانية أدبية ناجحة، استطاعت من خلالها أن تحول الرماد والركام إلى نصوص باقية، لتبرهن أن الأدب وقت الحرب هو أداة للنجاة ومحاولة البحث عن الكيان والهوية المفقودة تحت الأنقاض.
بدوره، اعتبر الكاتب والأديب شجاع الصفدي أن الكاتبة نسجت خيوط الحكايات في كتابها بطريقة إبداعية ترصد الذكريات والأحلام وتعزز الأمل، وقال للجزيرة نت: "كل حكاية كتبتها فندت كذبة الغد الأفضل، وسحبتنا مثل سيل عملاق مع التفاصيل، تلك الحقيقة التي جسدها واقع غزة الذي عاشته بمرارة طافحة".
وأضاف: "في كل قصة سردتها العفيفي تركت ندوبها على روح القارئ الذي عاش التفاصيل، بينما خلقت مقاربة ومحاكاة لمن هم خارج المقتلة، ليتصوروا حجم الكارثة التي حلت بهذه المدينة".
ويعد كتاب "نحن الذين لم نمت بعد" شاهد عصر على الحكاية، كتبته العفيفي لتخوض صراعها مع الأمكنة والذكريات؛ فهو ملاذها الوحيد لتترك إرثها من الحقيقة على جدار عالم ظالم.
إقرأ المزيد


