مبشرو "سي آي إيه".. لماذا تطارد الصين أعضاء كنيسة صهيون؟
الجزيرة.نت -

لم يكد القس جين مينغري ينتهي من تناول وجبة العشاء مساء يوم السبت الموافق 10 أكتوبر/تشرين الأول، حتى فوجئ باقتحام 20 شرطيا صينيا لمنزله الواقع في مدينة بيهاي، بمقاطعة جيانغشي الصينية. وعلى الفور، قام الضباط بتقييد يدي القس بعد أن أطلعوه على مذكرة التوقيف الرسمية، قبل أن يشنوا حملة تفتيش دقيقة لجميع أرجاء منزله انتهت بمصادرة هاتفه وحاسوبه وكتبه وبعض ممتلكاته الشخصية، واقتياده إلى مركز الاحتجاز في المدينة.

في اليوم السابق، وبطريقة مشابهة تقريبا، احتجزت الشرطة الصينية شخصا يُدعى وانغ لين في شنغهاي. وخلال اليومين التاليين شنت الشرطة، مستندةً إلى قائمة أسماء محددة، حملات مداهمة منسقة في بكين وشنغهاي وشنتشن وتشيجيانغ وشاندونغ وسيتشوان، وألقت القبض على نحو 30 قسا وموظفا آخرين، حيث نقلوا جميعا إلى بيهاي المشاطئة لخليج تونكين، في شمال غرب بحر جنوب الصين.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

جاءت تلك الإجراءات ضمن حملة أمنية صينية صارمة، استهدفت قساوسة وأعضاء كنيسة صهيون، واحدة من أكبر التجمعات البروتستانتية غير المسجّلة في البلاد، في مقدمتهم راعي الكنيسة جين مينغري، المعروف أيضا باسم عزرا جين. حيث وجهت لهم تهم جنائية تندرج تحت قانون العقوبات لجمهورية الصين الشعبية تتعلق بـ"الاستخدام غير القانوني لشبكات المعلومات".

لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياسة الصارمة التي تنتهجها الدولة في إدارة الشأن الديني. فمع أن الدستور الصيني يكفل حرية المعتقد، إلا أنه يشترط لممارسته علنًا التسجيل لدى الهيئات الحكومية والخضوع لرقابتها. ووفقًا لهذا المنظور، تُصنف أي أنشطة خارج هذا الإطار -سواء كانت طقوسًا في المنازل أو وعظًا عبر الإنترنت- باعتبارها "غير مشروعة"، مما يضع القائمين عليها تحت طائلة المساءلة.

لكن الأمر مع كنيسة صهيون والمؤسسات المشابهة يتجاوز هذه الأبعاد "التنظيمية" نحو رؤية أمنية تعتبر النشاط الديني غير الرسمي -خاصة المرتبط بشبكات خارجية- بمثابة "حصان طروادة" قد يُستخدم لاختراق البنية الاجتماعية للدولة. لقد قرأت الصين بعناية التاريخ الطويل للغرب في توظيف التبشير الديني لاختراق خصومه اجتماعيا وسياسيا، وتخشى أن تتكرر تلك التجربة على أراضيها في ظل التسهيلات غير المسبوقة التي يمنحها الفضاء الرقمي. لذلك يبدو أن الأمر بالنسبة إلى بكين يتجاوز التفسيرات المعلبة حول "السيطرة الأيديولوجية" نحو مخاوف أمنية من اختراق حقيقي لنسيجها الاجتماعي.

القس جين مينغري كبير قساوسة كنيسة صهيون يقف في بكين بعد أيام من إغلاق السلطات لإحدى أكبر الكنائس البروتستانتية "السرية" في الصين عام 2018 (الفرنسية)
كنيسة صهيون

خلال النصف الثاني من الثمانينيات، كان الشاب الصيني ذو الأصول الكورية جين مينغري لا يزال عضوا تحت الاختبار في الحزب الشيوعي الصيني خلال دراسته الثانوية، ولم يؤدِ اليمين الدستورية لصغر سنه (أقل من ثمانية عشر عامًا). في ذلك الوقت كانت المظاهرات الطلابية تجتاح الجامعات، والتشكيك في جدارة الحزب الشيوعي تتزايد، مع دعوات متزايدة للتحرر الأيديولوجي حتى من داخل الحزب نفسه.

إعلان

بحلول عام 1987، وفي ظل هذا الأجواء المنفتحة نسبيا، بدأ جين مينغري يتردد على كنيسة تشونغ ونمن (Chongwenmen Church) أقدم وأبرز كنائس بكين، التي أسسها مبشرون أمريكيون في القرن التاسع عشر، وكان تقيم صلواتها باللغة الكورية. بعد ذلك، بدأ بحضور الصلوات وحلقات دراسة الكتاب المقدس باللغة الكورية في كنيسة غانغواشي، التي أسسها مبشرون بريطانيون في القرن التاسع عشر أيضا، وفق ما أورده تقرير لمنصة "تشينا تشينج" (China Change).

لاحقا، التحق مينغري بدراسة اللاهوت في معهد يانجينغ اللاهوتي وهو نسخة مطابقة من كلية الدراسات الدينية بجامعة يي تشنغ، التي أسسها المبشر الأميركي جون لايتون ستيوارت، عام 1919. أُغلق المعهد في أعقاب استيلاء الحزب الشيوعي على السلطة عام 1949، ثم أُعيد افتتاحه عام 1986 كواحد من خمسة معاهد لاهوتية في الصين تُدار تحت رعاية اللجنة الوطنية لحركة "الذوات الثلاث المسيحية الوطنية" (Three-Self Patriotic Movement) وهي الكنيسة البروتستانتية الرسمية والمعترف بها من قبل جمهورية الصين الشعبية، والتي تأسست مطلع الخمسينيات بهدف تخليص المسيحية الصينية من النفوذ الغربي.

بعد دراسة اللاهوت لمدة عامين، بدأ عزرا جين عمله الرعوي الفعلي، حيث خدم تباعاً في كنيستي تشونغ ونمن وغانغواشي، وهما من أقدم كنائس بكين التابعة لنظام الذوات الثلاث، وبحلول عام 1999، رُسِّم قساً وفقاً لهذا النظام. لكن النظام الديني الرسمي لم يلب تطلعات مينغري الذي سارع في مايو/أيار 2007، إلى كنيسة صهيون، وهي نوع من الكنائس "المستقلة" يعرف بـ"الكنائس المنزلية" ولا تخضع بشكل مباشر لسيطرة الدولة.

لم تكن كنيسة صهيون الوحيدة من ذلك النوع من الكنائس الذي لا تمنحه الدولة الاعتراف الرسمي وإن غضت الطرف عن أنشطته أحيانا. أحد أبرز هذه الكنائس هي كنيسة بكين شووانغ التي أسسها جين تيانمينغ وهو صديق مقرب لجين مينغري. وهناك أيضا كنيسة الفلك (the Ark Church) التي اكتسبت العديد من الأنصار في بكين. وفي شنغهاي، ظهرت كنيسة وانبانغ الإنجيلية (Wanbang Evangelical Church) ومثلها كنيسة "عهد المطر المبكر" (Early Rain Covenant Church) في مدينة تشنغدو بمقاطعة سيتشوان، إضافة إلى العديد من الكنائس المماثلة في مختلف المدن الصينية.

انطلق هؤلاء "المؤمنون" للتبشير بالمسيحية في القرى والبلدات الصينية، وتفاعل العديد منهم مع جماعات تبشيرية أجنبية دخلت البلاد وعملت مع الكنائس المنزلية في المدن مستغلة أجواء الانفتاح النسبية في الصين خلال العقد الأول من الألفية. ولكن بحلول نهاية العقد بدأت الدولة الصينية تشعر بالقلق من النشاط التبشيري للكنائس المنزلية، ما دفعها لاتخاذ إجراءات لمحاصرتها.

في عام 2009، عندما كانت كنيسة صهيون لا تزال في بداياتها، حظرت السلطات كنيسة وانبانغ الإنجيلية في شنغهاي. لاحقا في عام 2011 فرضت قيودا على كنيسة شووانغ في بكين ومنعتها من الحصول على مقر، ووضعت راعيها، جين تيانمينغ رهن الإقامة الجبرية مع عائلته. وبحلول عام 2014 شنّت الحكومة الصينية حملة لإزالة الصلبان من أعلى الكنائس. وفي العام التالي، حُظرت كنيسة الحجر الحي (Living Stone Church) في غوييانغ، عاصمة مقاطعة غويتشو، وصودرت ممتلكاتها.

إعلان

وفي عام 2018، جاء الدور على كنيسة صهيون التي أغلقتها الدولة رسميا بعدما باتت واحدة من أكبر الكيانات الدينية المسيحية غير الرسمية. لكن إغلاق المقر لم ينهِ وجود الكنيسة؛ بل دفعها لإعادة التموضع بعيدًا عن الهيكل المؤسسي الصلب، خاصة في الفضاء الرقمي خلال جائحة كورونا، ما سمح لها بالنمو بعيدا عن الرادار الحكومي وأتاح استمرار التواصل بين الأعضاء وتوسّع الشبكة عبر مدن متعددة دون وجود مقر مركزي أو صفة رسمية.

هذا التوسع لظاهرة "الكتاتيب الرقمية" دفع بكين لسن تشريعات جديدة في سبتمبر/أيلول الماضي، تحصر حق الوعظ الإلكتروني في المنصات المرخصة فقط، وتقيد النشاط الديني غير المرخص. هذه الإجراءات يراها المعارضون تخالف المادة 36 من الدستور الصيني، التي تنص بوضوح على أن "مواطني جمهورية الصين الشعبية يتمتعون بحرية المعتقد الديني"، أما الحكومة فتراها من صميم سلطة مكتب الشؤون الدينية الحكومي المنوط بالإشراف على الشؤون الدينية في البلاد، وتنظيمها.

ابنة جين مينغري تحمل صورتين إحداهما لوالدها ووالدتها وإخوتها والأخرى لوالديها خلال مقابلة أواخر عام 2025 (الفرنسية)
التبشير و"قرن الإذلال"

غير أن التوتر بين الحزب الشيوعي وكنيسة صهيون (والكنائس المنزلية غير النظامية بشكل عام) يتجاوز مسألة المخالفات الإدارية إذ ينبع من رؤية تعتبر النشاط الديني غير الرسمي -خاصة المرتبط بشبكات خارجية- بمثابة "حصان طروادة" قد يُستخدم لاختراق البنية الاجتماعية للدولة، وتقويض استقرارها.

يتجذّر هذا التصوّر في الذاكرة الصينية لأسباب تعود إلى الحقبة المعروفة بـ "قرن الإذلال"، الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وهي المرحلة التي تُشكّل إحدى الركائز التأسيسية للسردية القومية الحديثة. تُرسّخ هذه السردية فكرة أن فقدان السيادة الصينية لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية فحسب، بل نتاج اختراقات سياسية وثقافية تراكمت بمرور الوقت، مما ساهم في تركيز الدولة على مخاطر الاختراق الخارجي بأشكاله "غير العسكرية"، والتي يعدّ التبشير الديني أحدها من وجهة النظر الصينية.

ففي الوعي التاريخي الصيني، لم يكن المبشرون الغربيون دعاة روحانيين، بل جزءًا عضويًا من المنظومة الإمبريالية الغربية. ويشير الباحثان "جياولي يان" و"تشيغانغ وانغ" في دراستهم المعنونة "المبشرون والتحديث في الصين"، إلى أن تزامن وصول الإرساليات مع هزائم "حروب الأفيون" رسّخ قناعة بأن الصليب جاء محمولا على ظهر البوارج الحربية.

لم يقتصر الأمر على التوقيت، بل امتد ليشمل الخطاب الاستعلائي للمبشرين الذين سعوا لإحداث تحول ثقافي شامل، متجاهلين التراث القيمي للصين. نبعت هذه الممارسات من تصوّرات تفوّق حضاري غربي، وهو ترك أثرا عميقا في الذاكرة الصينية. فقدوم المبشرين ارتبط مباشرة بلحظة فقدان السيادة، لا بلحظة اختيار حر أو تبادل ثقافي متكافئ. ومن هنا، برزت شكوك مبكرة حول نوايا هؤلاء الأجانب، وحول الارتباط بين العمل الديني التبشيري من جهة، والمصالح السياسية والاقتصادية للقوى الغربية من جهة أخرى.

تأكدت هذه النظرة عبر نظام "المعاهدات غير المتكافئة"، الذي منح المبشرين ورعاياهم الصينيين حق "الامتيازات الأجنبية" (Extraterritoriality)، أي الخضوع لقوانين دولهم الغربية بدلًا من القانون الصيني. يصف المؤرخ الأميركي "كينيث سكوت لاتوريت" هذا الوضع بأنه خلق "دولة داخل الدولة"، حيث احتمى الصينيون الذين اعتنقوا المسيحية بالقنصليات الأجنبية، وتدخلت دول مثل فرنسا في القضاء المحلي بحجة حماية الكاثوليك.

لم تكتف القوى الغربية بحماية المبشرين، بل استخدمتهم في أحيان كثيرة كأدوات إستراتيجية لتوسيع نفوذها السياسي والثقافي والقانوني داخل الصين، حيث استعانت الحكومات الغربية والشركات التجارية بالمبشرين بوصفهم مترجمين ووسطاء، لكونهم غالبًا الأجانب الوحيدين الذين أتقنوا اللغة الصينية. كما لعب بعض المبشرين، مثل "ويلز ويليامز" و "أ. ب. مارتن"، دورًا مباشرًا في صياغة بنود "التسامح الديني" في معاهدات 1858، وهي بنود وفّرت لاحقًا أساسًا قانونيًا لتدخل القوى الغربية في الشؤون الداخلية الصينية تحت غطاء حماية حرية الدين، حيث منحت هذه المعاهدة أي مبشّر حق شراء الأراضي وبناء الكنائس، وهو ما عُدّ في نظر كثير من الصينيين اختراقًا للعمق الجغرافي والثقافي للبلاد، وتوسعًا لنطاق النفوذ الأجنبي.

بعض المبشرين  لبعوا دورا مباشرا في صياغة بنود معاهدات 1858 التي وفّرت لاحقًا أساسًا قانونيًا لتدخل القوى الغربية في الشؤون الداخلية الصينية (شترستوك)
من "الملاكمين" إلى ماو.. تأميم الدين

تراكمُ هذا الغضب الشعبي انفجر في "ثورة الملاكمين" (1899-1901)، وهي انتفاضة دموية استهدفت الوجود الأجنبي والمسيحي على حد سواء، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، وقتل على إثرها زهاء 100 ألف شخص منهم 30 ألف مسيحي. انتهت الثورة بتدخل عسكري دولي من عدد من القوى الغربية واحتلال لبكين لأكثر من عام، مما عمق الجرح في الكبرياء الوطني الصيني.

إعلان

وفقًا لدراسة "ثورة الملاكمين والإرساليات التبشيرية" للباحثة الأمريكية "دانييل روسانو سيمبكينز"، تشكّلت حركة "قبضات العدل والوئام" في سياق اجتماعي واقتصادي مضطرب، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى ما عُرف بثورة الملاكمين. وتشير الدراسة إلى أن النشاط التبشيري المسيحي مثّل، في الوعي الشعبي الصيني آنذاك، أحد أبرز رموز هذا النفوذ، لا سيما في ظل الامتيازات القانونية والسياسية التي مُنحت للمبشرين وللصينيين المتحوّلين إلى المسيحية بموجب المعاهدات المفروضة على الصين.

ويشير المؤرخ الأمريكي "جورج برودن" إلى أن عام 1900 شهد تصاعد العنف ضد الكنائس وقتل مبشرين وأتباع صينيين، بما أدى إلى ردّ من جانب القوى الغربية عبر التدخل العسكري المباشر لتحالف من 9 دول، وهو ما انتهى بهزيمة الصين مرة أخرى وفرض "بروتوكول الملاكمين" عام 1901، الذي تضمّن إعدامات لمسؤولين صينيين، ونشر قوات أجنبية في بكين، وفرض تعويضات مالية ضخمة امتدت لعقود.

وعليه، ورثت الصين الشيوعية عام 1949 هذا الإرث الثقيل. لذا، سارع ماو تسي تونغ لطرد المبشرين وتأسيس حركة "الذوات الثلاث المسيحية الوطنية"، القائمة على مبادئ: الإدارة الذاتية، التمويل الذاتي، والتبشير الذاتي. كان الهدف واضحًا: قطع "الحبل السري" بين مسيحيي الصين والغرب، وضمان ألا يتكرر سيناريو الاختراق وألا تتكرر مقدمات قرن الإذلال. هذا الإدراك لا يزال حاضرًا في الوعي الصيني حتى مع انتهاء عصر الإرساليات التقليدية، لاسيما مع انتقال النشاط التبشيري إلى الفضاء الرقمي، حيث أدوات التأثير أكثر انتشارًا وأقل قيودا.

إعدام صينيين خلال ثورة الملاكمين عام 1900 (شترستوك)
المأمورية العُظمى في زمن الخوارزميات

وفقًا لدراسة لمركز "بارنا" (Barna) الأمريكي، فإن 58% من غير المسيحيين تلقوا محتوى دينيًا عبر الإنترنت. هذا الرقم يكشف أن "المأمورية العظمى" (والتي تشير إلى وصية الإنجيل بنشر الدين في كل الأمم) وجدت في الإنترنت وسيطها المثالي. هذه الأرقام تكتسب دلالة خاصة عند وضعها في سياق المسيحية الإنجيلية، التي تتميز تاريخيا بنزعتها الرسولية العالمية، وبمركزية فكرة نشر الإيمان خارج حدود الجماعة.

لذلك، يرى باحثو "اللاهوت الرقمي" أن التكنولوجيا حولت التبشير من مهمة نخبوية للمرسلين المحترفين إلى نشاط "لامركزي" يمارسه ملايين المؤمنين عبر هواتفهم. وتوضح الباحثة "هيدي كامبل" أننا نشهد صعود "الدين الشبكي"، حيث لم تعد الممارسة الدينية محصورة في الكنيسة، بل ذابت في السيولة الرقمية للحياة اليومية.

وفق هذا التصور، لا يعيش الأفراد إيمانهم في فضاءين منفصلين (واحد ديني وآخر رقمي)، بل في واقع واحد هجين، تتقاطع فيه الممارسة الروحية مع أنماط الحياة اليومية ووسائل التواصل وبناء العلاقات وتشكيل الهوية. فالإنترنت، من منظور كامبل، لا ينقل الدين إلى فضاء جديد بقدر ما يعكس تحولات أعمق طرأت على التدين نفسه، حيث أصبح الإيمان أكثر فردانية، وأقل خضوعًا للضبط المؤسسي، وأكثر ارتباطًا بالشبكات الاجتماعية المرنة.

كما يشهد مفهوم السلطة الدينية، وفق كامبل، تحولا جذريًا في البيئة الرقمية. فبدلًا من احتكار رجال الدين لتفسير النصوص وتوجيه الخطاب، تظهر أشكال جديدة، يكتسب خلالها المؤثرون الرقميون وصُنّاع المحتوى الديني قدرة متزايدة على التأثير في التصورات الدينية. وهو ما يفتح المجال أمام تبشير أكثر مرونة وانتشارًا، لكنه في الوقت نفسه أقل قابلية للضبط والمساءلة. في هذا النموذج، تتآكل السلطة الهرمية التقليدية لصالح "المؤثرين الدينيين". وتتحول الشهادات والتجارب الشخصية -مثل قصة في فيديو قصير على تيك توك- إلى سلاح إقناعي فتاك، يتجاوز في تأثيره الخطب اللاهوتية المطولة، مستفيدًا من الخوارزميات التي تعرف كيف تخاطب الجماهير عبر المحتوى العاطفي والشخصي.

ويشير "سيمون ديركس"، الباحث في مجال التبشير الرقمي ودراسة "المجتمعات الإيمانية"، إلى نماذج من الجماعات التبشيرية الرقمية التي تُقدَّم بوصفها شبكات دعم نفسي واجتماعي. ويضرب مثالًا بمجموعات تستهدف نساء يواجهن أمراضا مزمنة أو إنهاكا ناتجا عن ضغوط الحياة اليومية، حيث تُستخدم منصات مثل فيسبوك لبناء مجتمعات مغلقة تتيح لهن تبادل التأملات الروحية، والحصول على استراحة من معاركهن اليومية. ويقوم هذا النمط على خطاب شخصي متراكم يلبي احتياجات الجمهور العاطفية، قبل أن يقودهم تدريجيًا نحو الإيمان والانتماء.

مبشّرو الـ"سي آي إيه"

تدرك المؤسسات التبشيرية الكبرى هذه الفرصة جيدا وهو ما يعمق بالتبعية من المخاوف الصينية. فبالنسبة لبكين، لا يعد التبشير الرقمي مجرد محتوى ديني، بل هو نشاط عابر للحدود قادر على إعادة تشكيل ولاءات المواطنين بعيدًا عن الدولة. وهو ما توضحه مقاربة هايدي كامبل، إذ ترى أن الفضاء الرقمي لم يقتصر على تغيير أدوات التبشير بل يتضمن إعادة تشكيل الهوية، من هوية مؤسسية مضبوطة إلى هوية شبكية مرنة، تُبنى عبر التفاعل والسرد الشخصي والحشد العاطفي، وقد تتجاوز في مرجعيتها أنماط الضبط والرقابة الوطنية التقليدية.

إعلان

هذا التحوّل في بنية الهوية والانتماء يفسر انتقال بعض الدول من التعامل مع التبشير بوصفه شأنًا دينيًا محضًا، إلى اعتباره مسألة سيادية وأمنية. فالتاريخ الحديث يُقدّم شواهد على توظيف التبشير من قبل قوى غربية كأداة اختراق وتأثير في مجتمعات أخرى، بما يتجاوز الغايات الروحية المعلنة.

وما يزيد الطين بلة هو السوابق التاريخية لتوظيف الدين استخباراتيًا. ففي عام 1980، كشفت الصحفية "بيني ليرنو" في مجلة "ذا نيشن" عن العلاقة العميقة بين وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه" (CIA) والمبشرين، خاصة في أمريكا اللاتينية. وثقت ليرنو كيف استُخدم الغطاء الديني للتجسس، وتجنيد المخبرين، وحتى تنفيذ عمليات "دعاية سوداء" وتشويه الخصوم السياسيين، كما حدث في أوروغواي والإكوادور.

ويوضح التقرير أن التعاون بين الوكالة والمبشرين ورجال الدين كان روتينيًا حتى عام 1975، حيث استُخدموا كمخبرين أو في مهام سرّية، مع توثيق 14 حالة بارزة، أغلبها في أمريكا اللاتينية. ويؤكد أن هذه الممارسات لم تكن هامشية، بل جزءًا من أدوات العمل الميداني في بيئات تتسم بحساسية سياسية عالية.

كما يعرض التقرير قضية "أدولفو سينتينو ألانكاسترو" بوصفها مثالًا كاشفًا على هذا التداخل. فـ"سينتينو"، وهو مسؤول أوروغوياني يصفه التقرير بـ"اليد القديمة للوكالة"، تلقّى تدريبه من قبل وكالة المخابرات المركزية في ستينيات القرن الماضي وعمل مع عميل سابق بها. وبسبب خبرته في شؤون الكنيسة، جرى تكليفه بمراقبة الكنيسة الكاثوليكية في أوروغواي. وبين عامي 1972-1976، أسفرت أنشطته عن اعتقال أو طرد 15 رجلا من رجال الدين، وإطلاق حملة تشويه ضد رئيس الأساقفة "كارلوس بارتلي" بوصفه شيوعيًا.

يشير التقرير إلى أن هذه الإجراءات استهدفت تحجيم دور الكنيسة حين انخرطت في نقد السلطة. وقد استخدمت الاستخبارات الأميركية هذه الأساليب أيضًا في الإكوادور والبرازيل وتشيلي خلال حقبة الستينات وبدايات السبعينات من القرن الماضي، بهدف إعادة تشكيل الرأي العام وتشويه الخصوم.

هذا التاريخ يُقرأ في بكين بعناية فائقة. فإذا كانت القوى الغربية قد استخدمت المبشرين التقليديين سابقًا لاختراق المجتمعات، فكيف ستتعامل مع "المبشرين الرقميين" الذين لا يحتاجون لتأشيرات دخول، وتدعمهم الخوارزميات التي تصممها منصات تملكها شركات غربية؟

في المحصلة، لا تطارد الصين أعضاء كنيسة "صهيون" لمجرد أنهم يُصلّون في بيوتهم أو حتى يدعون إلى دينهم، بل لأنهم -في نظر الدولة- يمثلون "ثغرة رقمية" في جدار السيادة تعيد استحضار كوابيس القرن التاسع عشر. ومع انزلاق العالم المتسارع نحو مواجهة قد تكون مفتوحة بين القوى العظمى، لم تعد بكين تنظر إلى هذه الشبكات بعين الريبة التاريخية فحسب، بل كتهديد أمني مباشر وداهم.

ففي حسابات الحرب الباردة الجديدة، وما يمكن أن تتطور إليه، لا تملك الدولة رفاهية التسامح مع "جيوب عقائدية" محتملة ذات ولاءات عابرة للحدود وغير خاضعة لسيطرتها المركزية. إذ تدرك السلطات الصينية أن هذه الشبكات، بامتلاكها قنوات اتصال مشفرة وحاضنة اجتماعية مناسبة، قد تتحول في "ساعة الصفر" إلى منصات خلفية للنفوذ الغربي، وأدوات فعّالة لزعزعة الجبهة الداخلية حين يحمى وطيس المعركة.



إقرأ المزيد