تدوينات تقود إلى السجن.. هل دخلت تونس مرحلة تجريم الرأي؟
الجزيرة.نت -

تونس- لم يكن إيقاف النائب بمجلس نواب الشعب التونسي أحمد السعيداني، قبل أيام، حدثا معزولا في المشهد السياسي، بقدر ما بدا "حلقة جديدة" في سلسلة متواصلة من الإجراءات التي تُعمّق المخاوف بشأن وضع الحريات العامة في البلاد، وفق مراقبين.

فبعد أيام قليلة فقط من إيداع السعيداني السجن على خلفية تدوينات نقدية موجهة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، وُضع القاضي المعزول هشام خالد خلف القضبان بالتهم ذاتها تقريبا، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول حدود حرية التعبير واستعمال القضاء لردع المخالفين وإدارة الخلاف السياسي.

واكتسبت قضية السعيداني دلالة خاصة ليس فقط لأنه نائب منتخب وعضو مكتب البرلمان الحالي، بل أيضا لأن مساره السياسي يعكس مفارقة لافتة. فالرجل الذي صعد إلى البرلمان في انتخابات 2022 ضمن كتلة الخط الوطني السيادي، وكان من أبرز المدافعين عن سعيد، تحوّل خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر المنتقدين حدة لأدائه وسياساته.

مثير للجدل

وعُرف السعيداني خلال الفترة الأولى من العهدة البرلمانية بخطاب مساند للسلطة التنفيذية ومدافع عن خيارات قيس سعيد، وشهدت تصريحاته داخل قبة مجلس النواب انتقادات لاذعة من المعارضة بعدما طالب مرارا بإعدام معارضين وصفهم بـ"الخونة"، قبل أن يشهد خطابه تحوّلا لافتا خلال الأشهر الأخيرة، حيث انتقل إلى موقع نقدي تجاه أداء الرئيس وسياساته، خاصة في ما يتعلق بإدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي وطريقة الحكم.

ويوم الجمعة الماضي، قررت النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بتونس إصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق النائب أحمد السعيداني، وإحالته على القضاء وهو في حالة إيقاف، وذلك من أجل تهم تتعلق بـ"الإساءة إلى الغير عبر الشبكة العمومية للاتصالات".

وجاء ذلك بعدما نشر السعيداني تدوينة بلهجة ساخرة تجاه سعيد، على خلفية ما اعتبره تركيزا مفرطا من قبله على متابعة الأشغال البلدية والبنية التحتية، خاصة بعد الفيضانات الأخيرة. ووصف الرئيس بأنه سيكون "القائد الأعلى للصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار".

وقد أثارت تدويناته وتصريحاته على صفحته بفيسبوك جدلا صاخبا لدى الرأي العام حيث اتهم سعيد مرارا بالانعزال عن الواقع والعجز عن تقديم حلول ملموسة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية. هذا التحوّل جعل إيقافه، حسب مراقبين، يبدو كأنه رسالة تتجاوز شخصه لتطال كل من يختار مغادرة مربع الولاء والدخول في دائرة النقد.

إعلان

وقد تم سماع السعيداني قبل إيداعه السجن من قبل فرقة أمنية مختصّة بحضور محاميه، على خلفية الفصل 86 من مجلة الاتصالات، الذي ينص على "عقوبة سجنية وخطية مالية لكل من يتعمد الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العمومية للاتصالات"، قبل أن يتم عرضه على أنظار النيابة العمومية التي قررت إيداعه السجن وإحالته على القضاء.

وقد اعتبرت كتلته البرلمانية "الخط السيادي الوطني" أن طريقة الإيقاف تُمثل خرقا للإجراءات القانونية والدستورية، مؤكدة أن النائب معلوم العنوان وكان بالإمكان استدعاؤه دون اللجوء إلى الإيقاف من قبل الأمن. كما حذرت من انعكاسات هذه الممارسات على العمل النيابي والتوازن بين السلطات.

خرق دستوري

وقال النائب محمد علي إن إيقاف السعيداني يشكّل اختبارا بالغ الخطورة للحصانة البرلمانية ولسيادة القانون، إذ يتجاوز الشخص المعني ليصل إلى جوهر وظيفة البرلمان نفسها.

وأضاف للجزيرة نت أن الدستور لم يمنح أي تأويل مطلق لحالات القذف والسب، بل حدد تعريفا قانونيا دقيقا لهذه الجرائم، وهو ما يجعل أي توسيع لمفهومها ليشمل النقد السياسي أو التعبير القاسي بمثابة خرق دستوري واضح.

ويرى أن التدوينة محل الجدل لم تشتمل على أي اتهام محدد أو وقائع جزائية مثبتة، بل كانت مجرد تعبير عن موقف سياسي نقدي، ما يجعل الإيقاف "خطوة غير قانونية وغير مبررة". وحذر من أن توظيف الجهاز القضائي لتوسيع الاستثناء الدستوري على كل نقد سياسي أو توصيف حاد يفرغ الحصانة من مضمونها، ويحوّلها من ضمانة دستورية لحماية النواب إلى نص شكلي بلا أثر.

بدوره، اعتبر الناشط المدني الفاهم بوكدوس أن إيقاف السعيداني يتجاوز الاعتبارات الشخصية ليطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الممارسة السياسية، ويمسّ الحقوق الأساسية للمواطنين وأعضاء البرلمان على حد سواء. وأكد للجزيرة نت أن المسألة أكبر من موقف النائب أو آرائه المثيرة للجدل، مشيرا إلى أنها تمثل اختبارا حقيقيا لمبدأ الحرية في الحياة السياسية.

وأضاف أن أي تحويل للخصومة السياسية إلى أداة لتجريد المعارضين من حقوقهم يهدد السياسة نفسها، ويحوّل المجال العام إلى فضاء تحكمه الانفعالات والرغبة في الانتقام بدل البرامج والمواقف والحجج.

تضييق متزايد

ولم يكد الجدل يهدأ حتى جاء إيقاف القاضي المعزول هشام خالد ليعزّز المشهد. فالقاضي، المعروف بانتقاداته العلنية لسياسات الرئيس، أُودع السجن بعد التحقيق معه في 3 قضايا منفصلة تتعلق بتدوينات اعتُبرت "مسيئة"، وذلك بعد عامين من إعفائه من مهامه من قبل قيس سعيد ضمن مجموعة تضم أكثر من 50 قاضيا أُبعدوا بقرارات رئاسية في 2022.

ورغم إلغاء المحكمة الإدارية لغالبيّة تلك القرارات، فإن السلطات التنفيذية امتنعت عن إعادة القضاة إلى مناصبهم، ما عمّق أزمة الثقة في مسار العدالة.

وبالنسبة لحقوقيين ونشطاء، فإن تزامن القضيتين ليس صدفة، بل يعكس مناخا عاما يتسم بتضييق متزايد على حرية التعبير. إذ يرى "مرصد الحرية لتونس" أن توظيف الفصل 86 من مجلة الاتصالات في ملاحقة التدوينات السياسية "يُنذر بتوسيع دائرة تجريم الرأي وتحويل الخلاف السياسي إلى نزاع جزائي"، خاصة مع اللجوء المتكرر إلى الإيقاف بدل المتابعة في حالة سراح.

وتندرج هذه التطورات ضمن سياق أوسع تشهده تونس منذ 25 يوليو/تموز 2021، تاريخ اتخاذ سعيد التدابير الاستثنائية وما تلاها من سلسلة اعتقالات ومحاكمات أسفرت عن الزجّ برموز بارزة من المعارضة السياسية في السجون، وملاحقة نشطاء المجتمع المدني، وتجريم أشكال من العمل الإنساني والتضامني، فضلا عن محاصرة الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة عمالية في البلاد.

إعلان

في المقابل، يرى أنصار قيس سعيد أن تصريحات النائب أحمد السعيداني الأخيرة تمثل خرقا واضحا للقانون وتهجما على مؤسسة رئاسة الجمهورية بالنقد السياسي أو حرية التعبير. وأشاروا إلى أن الحصانة البرلمانية، كما نص عليها الدستور، لا تمنح النواب غطاء للإفلات من المحاسبة، خاصة حين يتعلق الأمر بالقذف أو التشهير أو بث ادعاءات مسيئة ضد أي جهة أو مسؤول رسمي.

ويؤكدون أن أي نائب، مهما كانت مكانته أو موقعه السياسي، لا يمكن أن يتحوّل إلى استثناء في مواجهة القانون، وأن إيقاف السعيداني جاء في إطار احترام نصوص الحصانة البرلمانية والالتزام بالقواعد القضائية المعمول بها.



إقرأ المزيد