الجزيرة.نت - 2/11/2026 12:56:59 PM - GMT (+3 )
طهران- وسط ظروف سياسية وأمنية تختلف جذريا عن السنوات الماضية، تحل الذكرى الـ47 لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، مما يُضفي على احتفالات هذا العام أهمية استثنائية ويحولها إلى منصة لإرسال رسائل متعددة المستويات، رسال صمود في وجه التهديدات الخارجية ورسائل للقيادات الرسمية لتذليل العقبات المعيشية.
وبينما تشهد المنطقة تصعيدا عسكريا غير مسبوق، تواجه إيران على الصعيد الداخلي أزمات معيشية واقتصادية خانقة، ويرى مراقبون في طهران أن احتفالات هذا العام تضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي للعزف على الرواية الرسمية التقليدية حول "صمود النظام بوجه الغطرسة الأمريكية" أو الإصغاء للمطالب الشعبية.
فبعد مضي نحو 8 أشهر على الهجوم الإسرائيلي بمشاركة أمريكية على إيران في يونيو/حزيران الماضي، لا يزال شبح مواجهة أوسع يخيم على البلاد التي تمر بمرحلة عصيبة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية الطاحنة مع الاحتقان الاجتماعي، مما يضع الشعب الإيراني في مواجهة معادلة صعبة بين سياسات طهران وهموم معيشية واجتماعية راهنة.
تحديات كبرى
من ناحيته، يعتقد مدير "معهد العلاقات الدولية" في طهران، مجيد زواري، أن ثمة تحديات كبرى تخيم على ذكرى انتصار ثورة 1979 هذا العام، موضحا أنه بعد حرب الـ12 يوما تظل البيئة الأمنية هي التحدي الأكثر إلحاحا حيث تلوح في الأفق إمكانية اندلاع حرب أوسع.
وفي حديث للجزيرة نت، يوضح زواري أن الاقتصاد الإيراني يقف في الذكرى الـ47 من انتصار الثورة -التي أطاحت بالنظام البهلوي– على حافة الهاوية، مما يضعف الروح المعنوية للشارع الإيراني ويهدد الاستقرار الداخلي من خلال انهيار العملة الوطنية، والتضخم المزمن، وتآكل شديد في القوة الشرائية للمواطن في ظل عقوبات دولية متزايدة.
وبرأي زواري، تكاد تتحول الاحتجاجات الشعبية إلى سمة متكررة في بلاده خلال العقود الأخيرة، حيث اندلعت احتجاجات واسعة مؤخرا بمطالب اقتصادية لكنها سرعان ما تحولت إلى هتافات سياسية مناهضة للنظام، "تخللتها أعمال عنف بدعم أجنبي"، مؤكدا أن تداعيات موجة الاحتجاجات الأخيرة تلقي بظلالها على ذكرى الثورة الإيرانية هذا العام.
إعلان
ويخلص زواري إلى أن بلاده تواجه اختبارا وجوديا معقّدا عشية ذكرى انتصار ثورتها الإسلامية، فبينما تحاول القيادة استلهام "روح الثورة" لتعبئة الشعب ضد أعداء خارجيين، تتفاقم على الأرض معاناة اقتصادية واجتماعية تهدد بتآكل الشرعية الداخلية.
ولذا، يرى أن الذكرى هذا العام ليست احتفالا بانتصارات الماضي فحسب، بل مرآة عاكسة للأزمات الراهنة وهواجس المستقبل.
في المقابل، يعتقد السفير الإيراني الأسبق لدى ليبيا جعفر قناد باشي أن ذكرى انتصار الثورة الإسلامية هذا العام تأتي في لحظة تاريخية تُبرز بشكل جلي "حقانية شعارات الثورة المناهضة للصهيوأمريكية".
ويستدل على ذلك بالسياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، والتي يراها دليلا على أن واشنطن تتبع "نهج استغلال دول العالم الثالث" بغض النظر عن سياساتها الداخلية أو توجهاتها، وفق تعبيره.
وفي حديثه للجزيرة نت، يُحمّل قناد باشي المسؤولية عن "الأزمات الاقتصادية والمعيشية" في بلاده للعقوبات الأمريكية المتصاعدة، وخاصة تلك التي فُرضت بالتزامن مع المباحثات السياسية بين طهران وواشنطن.
ويرى الدبلوماسي الإيراني السابق أن هذه الممارسة، إلى جانب ما يعتبره "نهب ثروة النفط الفنزويلية"، تكشف عن "طبيعة استعمارية واستكبارية" للسياسة الأمريكية، لا علاقة لها -بحسب رأيه- بالسياسات الداخلية أو الخارجية للدول المستهدفة، بل تنبع من "سلوك متعالٍ" في السياسات الأمريكية، على حد قوله.
ويشير إلى أن التطورات الإقليمية خلال العامين الماضيين، "وخصوصا الحرب على غزة"، عززت قناعة الرأي العام العالمي بصوابية "سياسة طهران الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للصهيونية".
ويُقدم هذا الموقف على أنه مصدر شرعية إقليمية وداخلية للنظام الإيراني، حيث يرى أن الشعب الإيراني يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى "حقانية" هذا المسار، لا سيما عقب مشاركة واشنطن في الهجوم على منشآت بلاده النووية.
ويختم المتحدث حديثه بتقييم مفاده أن إيران "خرجت مرفوعة الرأس من حرب الـ12 يوما"، وأنها تقف اليوم "بصلابة في وجه استعراض القوة" الذي تقوده إدارة الرئيس دونالد رمب وحلفاؤها الأوروبيون.
وشدد على أن الحشود العسكرية الأمريكية والغربية الهائلة في المنطقة، والتي كان من شأنها أن "تؤدي إلى انهيار أي دولة أخرى"، اصطدمت اليوم بإيران "مستعدة للمواجهة"، مما يجبر "العدو" -وفق قناد باشي- على "إعادة حساباته" فيما يخص أي نية لشن حرب.
مؤشر المشاركةويمثل التماسك والقوة الشعبية في إيران "أداة ردع أقوى"، والكلام لقناد باشي، ترسل رسالة إلى الخصوم بأن الشعب ليس فقط "يدعم النظام من قاعدة شعبية واسعة"، بل إنه "مستعد بالكامل للدفاع عن السيادة والمصالح الوطنية"، ويُفسر الانتشار الشعبي الكبير في وأد "فتنة الاحتجاجات الأخيرة" بأنه "تأكيد على صمود الوحدة الوطنية" في وجه ما يسميه "الحرب الهجينة" التي يشنها الأعداء على بلاده.
وبين هذا وذاك، يعتقد الأكاديمي بجامعة "تربيت مدرس" الباحث في القضايا الجيوستراتيجية فرزاد أحمدي أن النظام الحاكم في طهران قد فوّت فرصة ثمينة للاستجابة للمطالب الشعبية مما يحوّل المشاركة الشعبية في احتفالات انتصار الثورة لهذا العام إلى مؤشر حيوي على المناعة الداخلية، مؤكدا أن القدرة على حشد أعداد كبيرة في مسيرات اليوم أضحت تتجاوز دلالاتها الاحتفال الشعبي لتلامس حسابات الاستقرار والردع.
إعلان
وفي حديث للجزيرة نت، يوضح أحمدي أن أعداد المشاركين في مسيرات "بهمن" تُقرأ محليا وعالميا كمؤشر على مدى "الشرعية الشعبية والمناعة الاجتماعية" للنظام الإسلامي في وجه الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة، مؤكدا أن ضعف الإقبال الجماهيري قد يُغري الأعداء الخارجيين.
ويُحذر من أن أي "تقييم خاطئ" للمشهد الداخلي الإيراني، سواء من قبل النظام الحاكم بطهران أو من قبل خصومه، قد يقود إلى "مخاطر جسيمة"، موضحا أن المبالغة في قراءة قوة النظام قد تؤدي إلى سياسات داخلية متصلبة، بينما المبالغة في قراءة ضعفه قد تدفع أطرافا خارجية إلى "مغامرات غير محسوبة العواقب".
وهذا، بحسب أحمدي، يجعل من المسيرات الشعبية ليس فقط مناسبة وطنية، بل أيضا "لحظة قراءة استخباراتية وسياسية" بالغة التعقيد لكافة الأطراف الفاعلة إقليميا ودوليا.
إقرأ المزيد


