الجزيرة.نت - 2/16/2026 4:46:45 PM - GMT (+3 )
عجزت مؤسسات الكرة الأرضية عن احتواء نزق وودي آلن وفيدريكو فلليني، فلم يجدا مكانا يتسع لجموح خيالهما سوى مقعد متهالك في مقهى صغير منزو في زقاق ضيق، ربما يعود عمره إلى ألف عام مضى، حيث يتشاركان النظرات إلى تفاصيل المدينة، لكن بروحين مختلفتين تماما.
روما المدينة التي لا تشبه نفسها، وهي الوحيدة التي تجعل عاشقها يشعر بالاغتراب والامتلاك في آن واحد. وحين يجتمع في حضرة هذا الحجر العتيق عاشقان، يعرف القاصي والداني أنهما أكثر جنونا منها، نصبح أمام حالة من "الجنون المطبق".
لكن التورط في حب روما ليس نعيما، وإنما فخ ناعم تنصبه الحجارة المبللة بالمطر، حيث يجد المرء نفسه غارقا في عشق مدينة تعاني من حضور مبالغ فيه، وترفض أن توجد بكامل ثقلها وتاريخها في لحظة واحدة، وتأتي على هيئة رشقات من الضوء وشظايا من الذاكرة.
قدم فلليني أفلامه من روما وإليها، وقفز وودي آلن من أقصى غرب العالم في بلاد العم سام، ليستعمر التاريخ الذي يرتسم على وجهها بفيلمه "إلى روما مع حبي" (To Rome with Love).
فليني يتحدى المنطقعند المخرج فيليني، روما ليست مدينة، هي ليست مدينة واقعية، ولكنها غرق تام في ذاكرة إيطاليا نفسها، وفي أحلامها، وفي انحطاطها الأرستقراطي، وفي تشوش ما بعد الحرب.
يبدأ الشعور بروما عند المخرج فيليني في لحظة تحدي منطق المكان والزمان. يتجلى هذا بوضوح في مشهد "الزحام المروري" في فيلمه "روما" (Rome) عام 1972، حيث يصور الطريق السريع المؤدي إلى العاصمة في ليلة ممطرة وكأنه مشهد من يوم القيامة؛ سيارات متراصة، ضجيج، وحيوانات تائهة تحت أضواء تعكس على الأسفلت المبلل قلقا لا ينتهي.
مشهد يجسد إحساس "الاختناق" الذي تمنحه روما لمحبيها، فهي هنا لا ترحب بك، بل تبتلعك في فوضاها لتصبح مجرد جزء من كتلة بشرية تنتظر الدخول إلى "المدينة الخالدة"، وكأن الوصول إليها هو الغاية القصوى التي تتطلب عبور جحيم مروري سريالي.
من صخب الطرق السريعة، ننتقل مع المخرج فيليني إلى عمق المؤسسات العريقة في مشهد "عرض أزياء الكنيسة" بذات الفيلم، وهو المشهد الذي يمثل ذروة الرؤية الفيلينية.
إعلان
تتحول روما في هذا المشهد إلى مسرح طقسي؛ حيث نرى راهبات وقساوسة يرتدون أزياء كنسية غريبة ومضيئة تتحرك على منصة عرض تحت أضواء باهرة.
كأن المخرج فيليني لا يصور مشهدا، وإنما يكتب قصيدة عن "المظاهر" في مدينة تعيش على الإبهار البصري حتى في أكثر جوانبها وقارا، حيث يمزج فيليني بين التاريخ والعبثية ببراعة مخرج يعلم أن روما تدير أرواح البشر من خلال دهشة الصورة.
ما إن يبدأ المشاهد في استيعاب هذا العمق التاريخي الثقيل، حتى يأتي المخرج وودي آلن في فيلمه "إلى روما مع حبي" (To Rome with Love) عام 2012 ليخفف من هذا العبء، محولا المدينة إلى منصة للمصادفات الساحرة والمواقف التي تقترب من الفنتازيا الكوميدية.
وودي آلن الضاحكيظهر ذلك في مشهد "مغني الأوبرا في الحمام"، حيث نجد بطلا لا يستطيع الغناء بإتقان إلا وهو تحت "دش" الاستحمام، مما يضطر المنتج لوضعه في كابينة استحمام حقيقية على خشبة المسرح أمام الجمهور ليؤدي أوبرا "باغلياتشي".
تتنازل المدينة عن وقارها مع وودي آلن، لتتحول إلى ساحة للبهجة؛ فقد استطاع الأميركي أن يكسر رصانة الفن الإيطالي بلمسة سخرية ذكية، محولاً المدينة العريقة إلى مسرح كبير يتقبل أغرب الأفكار، وكأن روما هي المكان الذي تكتسب فيه الصدفة العابرة قيمة أسطورية.
هذه السيولة في التعامل مع الواقع تبرز أيضا في مشهد آلن عن "المواطن المشهور فجأة"، حيث يجد موظف عادي نفسه مطاردا من عدسات المصورين دون سبب واضح، ليسألوه عن تفاصيل حياته التافهة بجدية مفرطة.
مشهد بسيط، لكنه يجسد جنون "الشهرة" في مدينة مهووسة بالصورة، حيث يمكن لأي إنسان أن يصبح أيقونة بمجرد أن يقرر "الضوء" أن يسقط عليه.
آلن هنا لا يغوص في التاريخ، بل يرى روما كمدينة "الفرص" التي تمنح البريق لمن تشاء، وهو ما يتناقض مع "ضوء" فيليني الذي "يكشف" فقط.
ويتجلى الكشف الفيليني في أحد أكثر المشاهد تراجيدية وشاعرية، وهو مشهد "اكتشاف الآثار أثناء بناء المترو" في فيلم "روما".
أثناء حفر أحد الأنفاق، يكتشف العمال فيلا رومانية قديمة مدفونة بجدرانها الملونة الرائعة، لكن بمجرد دخول الهواء الخارجي، تبدأ الرسوم في التلاشي والاختفاء أمام أعينهم.
وهي قصيدة أخرى عن هشاشة التاريخ؛ روما هنا مدينة تخفي كنوزها تحت الأرض، وبمجرد أن يحاول لمسها أو تحديثها، يهرب الماضي منه.
ويجسد المشهد وما يعكسه من دلالات جوهر الفارق بين العاشق، فالإيطالي يرى روما شبحا يتلاشى كلما حاول القبض عليه، بينما يراها آلن خلفية مبهجة، حيث تبدو الأعمدة الرخامية المتكسرة في أفلامه وكأنها وُضعت هناك لتكتمل بها الصورة الرومانسية للأبطال وهم يتجادلون حول "المعنى".
تظل هناك لحظة التقاء صامتة بين الرؤيتين، وهي لحظة التماهي مع الفراغ الجميل، كما في مشهد "النافورة" الشهير في "الحياة الحلوة" 1960(La Dolce Vita). حين تمشي سيلفيا في نافورة "تريفي" في منتصف الليل وتدعو "مارسيلو" للحاق بها، تصبح روما هنا رحما مائيا يجمع بين السريالية والواقع. الحجارة الصمّاء تستيقظ ليلا لتحتضن هذا اللقاء العابر وسط مدينة ضجيجها لا يهدأ، وتتحول روما في تلك اللحظة إلى حالة رومانسية خالصة.
إعلان
بين "عرض أزياء" فيليني الكنسي و"استحمام" آلن الأوبرالي، تظل روما هي الكيان الذي لا يشبه نفسه أبدا، والقصيدة التي لا تنتهي كلماتها من رخام وقوافيها من ضوء.
فيليني يعلمنا كيف ننجرف بوقار في ممرات الذاكرة ونواجه حقائقنا العارية تحت ظلال الحجر، وآلن يعلمنا كيف نتخيل الجمال في أبسط المواقف ونستمتع بالبطاقة البريدية المشرقة التي تمنحنا إياها الساحات المفتوحة.
وفي تلك الفجوة بين "الضياع" في متاهة فيليني و"السحر" في مسرح آلن، نكتشف أن روما تملك روحا تتسع لكل أنواع التناقضات، لتظل دائما الحقيقة الفنية الخالدة التي لا تشيخ، محتفظة بوقارها الذي يوازن بين وقار الماضي وحيوية الحاضر.
لم يتوقف كل من فيديريكو فيليني ووودي آلن عند تصوير روما، بل قاما "بحمايتها" في أرشيف الذاكرة الإنسانية، محولين إياها من مجرد عاصمة سياسية إلى "وطن للخيال".
ومنح فيليني لروما مكانتها كـ "مقدس سينمائي" في الأرشيف الإيطالي؛ حيث اعتُبرت أفلامه الوثيقة الأهم التي حفظت روح إيطاليا ما بعد الحرب، بكل صراعاتها النفسية وتحولاتها الاجتماعية. أما وودي آلن، فقد منحها "الجواز العالمي"، مؤكدا أن هذه المدينة، رغم عراقتها التي تثير الرهبة، لا تزال تملك قلبا شابا يتسع لكل الحالمين والغرباء.
ويظل المقعد المتهالك في ذلك الزقاق الضيق، الذي جمعهما هو الرمز الأصدق لهذا التورط؛ فبينما كان فيليني يحفر تحت أرجل ذلك المقعد ليبحث عن كنوز الأجداد وتلاشي الصور، كان آلن يجلس عليه ليكتب رسالة حب إلى الغد.
وفي كلتا الحالتين، تبقى روما هي الفائز الأكبر، مدينة عصية على النسيان، وفريدة بلا شبيه، تبتسم لجنون عشاقها المبدعين، وتستمر في صياغة حكاياتها من رخام وضوء، لتظل دائما "القصيدة التي لم تُكتب كاملة بعد".
فيليني وآلن عاشقان أضناهما الهوى في محراب مدينة واحدة. هما اللذان التقيا في معارك فنية كثيرة، تصارعا على "امتلاك" المعنى، ضحكا بمرارة وسخرية، وربما تبادلا اللكمات الفكرية في أروقة المهرجانات حول كيف تُرى الحقيقة.
لكنهما، في لحظة صدق نادرة تحت ضوء روما الذهبي، اكتشفا السر الأعظم: أن كل واحد منهما يحب في خصمه ذلك الوله المجنون بذات المدينة. لقد أدركا أن صراعهما لم يكن إلا وجها آخر لعشقهما، وأن "الآخر" هو الوحيد الذي يفهم حقا لماذا قد يقضي المرء عمره يطارد ظلا على جدار عتيق، أو يبحث عن قصيدة في زحام خانق.
إقرأ المزيد


