الجزيرة.نت - 2/17/2026 8:53:55 PM - GMT (+3 )
Published On 17/2/2026
|آخر تحديث: 20:49 (توقيت مكة)
شارِكْ
مع اقتراب شهر الصيام، تستعيد دمشق كل عام واحدة من أبرز عاداتها الشعبية المتوارثة عبر أجيال متعاقبة، والمعروفة باسم "تكريزة رمضان".
وتبدأ التكريزة عادة في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث تخرج العائلات والأقارب في نزهة إلى الطبيعة، يودعون فيها أيام الإفطار، استعدادا لاستقبال أيام الصيام في الشهر الفضيل.
تعددت التفسيرات حول معنى كلمة "التكريزة". فالبعض يربطها بفكرة التوديع، أي توديع شهر شعبان واستقبال رمضان، فيما يرى آخرون أنها قريبة من كلمة "كزدورة" التي تعني التنزه.
غير أن الاستخدام الشعبي منح هذه الكلمة معنى أوسع من مجرد مشوار قصير، إذ تحولت إلى مناسبة تمتد لساعات طويلة، وتتجاوز بعدها الترفيهي لتأخذ طابعا اجتماعيا ورمزيا.
وتشير بعض الدراسات التراثية إلى أن هذه العادة معروفة منذ عصور قديمة، ويرجح أن جذورها تعود إلى العصر المملوكي، حين اعتاد أهل الشام التعبير عن استعدادهم للشهر الكريم بأنشطة جماعية في الهواء الطلق.
ارتبطت التكريزة تاريخيا ببساتين الغوطة وضفاف نهر بردى، ولا سيما منطقة الربوة وما حولها. وكانت هذه الأماكن تُعدّ متنفسا لأهالي المدينة، حيث تجتمع العائلات بين الأشجار، وتفترش الأرض لتناول الطعام، فيما ينساب صوت الماء في الخلفية مع أحاديث الحاضرين.
في الماضي، لم يكن الموقع هو العنصر الأهم بقدر ما كانت المشاركة الجماعية هي الأساس. فالمدينة نفسها كانت أكثر التصاقا بالطبيعة، ما جعل الخروج إليها جزءا من نمط الحياة المعتاد.
تفاصيل اليومتحمل العائلات معها أطباقا منزلية تقليدية، مثل المجدرة، والفول، والحمص، وأنواع المقالي، إضافة إلى المشاوي.
وغالبا ما يتم اختيار أطعمة قد يصعب تناولها خلال أيام الصيام لما تسببه من عطش، فيكون حضورها في التكريزة أشبه بوداع رمزي قبل حلول رمضان.
إعلان
أما النشاطات التي يمارسها أفراد العائلة خلال هذه النزهة، فتتنوع بين الطهو، وتبادل الأحاديث، وممارسة الألعاب الشعبية مثل طاولة الزهر وأوراق اللعب، إلى جانب ترديد الأغاني التراثية والمواويل.
وفي بعض الأحيان، تستعاد مشاهد الحكواتي أو العراضات الشامية، لتتحول التكريزة إلى عرض حي لذاكرة دمشق الشعبية.
وقد رسخت الدراما السورية صورة "السيران" في الوعي العام، وهو نوع من النزهات المشابهة للتكريزة، لكنه لا يقتصر على فترة زمنية محددة من العام، بل يقام كلما كان الطقس لطيفا. ومن أبرز هذه الأعمال مسلسل "حمام الهنا"، الذي قدم فيه رفيق سبيعي شخصية "أبو صياح"، مجسدا شغف الدمشقيين بالرحلات الجماعية، لا سيما قبيل المناسبات.
لا تقتصر أهمية التكريزة على بعدها الاحتفالي فحسب، بل تتعداه إلى دورها في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية. فهي تتيح لقاء الأجيال المختلفة في مساحة واحدة، بعيدا عن إيقاع الحياة اليومية وضغوطها.
كما تشكل مناسبة لتعليم الأطفال بعض تقاليد شهر رمضان، وغرس قيم صلة الرحم والتسامح والمشاركة.
وتتميز هذه العادة بكونها مفتوحة أمام الجميع، بغض النظر عن المستوى المادي، إذ لا تتطلب المشاركة فيها سوى الرغبة في الاجتماع، ما جعلها رمزا للتكافل الاجتماعي والتقارب بين الناس.
بين الماضي والحاضرشهدت التكريزة تحولات واضحة مع تغير الظروف العمرانية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات السنوات العصيبة التي مرت بها البلاد.
وتراجعت النزهات في بعض مواقعها التقليدية، لتنتقل أحيانا إلى الحدائق العامة أو المطاعم، فيما اختصرتها بعض العائلات في لقاء منزلي بسيط.
ومع ذلك، بقيت الفكرة الأساسية حاضرة، وهي استقبال شهر رمضان بروح جماعية. فحتى مع تبدل المكان وتغير التفاصيل، ظل الهدف واحدا: الاجتماع قبل بدء شهر يحمل طابعا مختلفا عن بقية أشهر العام.
إقرأ المزيد


