طوفان وثائق وإبطاء محسوب.. كيف تعاملت نيويورك تايمز مع ملفات إبستين؟
الجزيرة.نت -

Published On 18/2/2026

|

آخر تحديث: 14:24 (توقيت مكة)

شارِكْ

حين أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن ثلاثة ملايين صفحة و180 ألف صورة وألفي مقطع فيديو ضمن ملفات رجل الأعمال جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية والمتهم بالاتجار بالقاصرات، وجدت نيويورك تايمز نفسها أمام أحد أعقد المشاريع الصحفية في تاريخها الحديث.

لم يكن السؤال: ما الذي ستنشره؟ بل كيف يمكن أصلا قراءة هذا الكم من المواد؟ وكيف يمكن التحقق منها قبل أن تتحول إلى عناوين؟

القصة كما تكشفها الصحيفة ليست عن "سبق" جديد، بل عن إدارة طوفان وثائقي في عصر الخوارزميات.

  • من غرفة الأخبار إلى غرفة عمليات

نحو 24 صحفيا يعملون على الملفات، ولم يُفحصوا منها حتى الآن سوى 2 أو 3%. وهذه النسبة وحدها تكشف طبيعة التحدي.. المشروع طويل النفس، بطيء الإيقاع، محفوف بالمخاطر.

التحقيق لم يبدأ بالقراءة بل بالبنية التحتية حيث عمل فريق الأخبار التفاعلية ومبادرات الذكاء الاصطناعي داخل صالة التحرير لبناء أدوات قادرة على:

  • تنزيل ملايين الصفحات خلال ساعات
  • جعلها قابلة للبحث
  • تصنيفها بحسب النوع
  • استخراج النصوص من الصور
  • رصد التكرار والأخطاء

ونفذت الصحيفة "بروفات" مسبقة تحسبا لطريقة نشر الوثائق. لكن عند الإفراج الفعلي، ظهرت مفاجآت، أكثر من 25 ألف صفحة ويب يجب تصفحها يدويا، روابط معطلة، وملفات تظهر وتختفي.

هنا ظهر ما وصفه الفريق بـ"الارتجال التقني" حيث استُخدمت أدوات ذكاء اصطناعي لبناء تطبيق سريع يستفيد من محرك البحث الخاص بموقع وزارة العدل، ويحوّل النتائج إلى جداول بيانات يمكن للمحررين العمل عليها فورا، بينما كان الأرشيف الكامل يُبنى في الخلفية. وهكذا لم تعد الخوارزمية أداة لاحقة، بل أصبحت جزءا من خط التحرير نفسه.

نماذج من وثائق إبستين المنشورة مؤخرا (وزارة العدل الأمريكية)
  • من الكلمة المفتاحية إلى البحث الدلالي

في البداية، اعتمد الفريق على كلمات بحث تضم أسماء شخصيات بارزة، مثل دونالد ترمب وبيل كلينتون وغيرهما.

إعلان

لكن سرعان ما اتضح أن البحث بالكلمة المفتاحية وحده مضلل، لأن الملفات تضم قصاصات صحفية قديمة وإشارات متكررة.

لذلك لجأ الفريق إلى "البحث الدلالي"، الذي يتيح البحث عن مفهوم لا عن كلمة حرفية.

وذلك بحيث يمكن للصحفي أن يبحث عن فكرة مثل "ممارسة ضغط" أو "مقايضة"، فتظهر وثائق متعلقة بها ولو لم تتطابق الألفاظ.

كما استُخدمت أدوات تصنيف تلقائي لتجميع الوثائق بحسب طبيعتها، وأخرى لتصحيح أخطاء التعرف الضوئي على الحروف.

هذه الأدوات لم تنتج القصة، لكنها منعت خطأ مهنيا كان يمكن أن يكون كارثيا.

  • التظليل بين الحماية والتضليل

احتوت الملفات على أجزاء مظللة لحماية هوية ضحايا اعتداءات جنسية، كما ظهرت أخطاء في التظليل أدت إلى نشر مواد حساسة قبل سحبها.

بالتوازي مع ذلك، انتشرت على الإنترنت مقاطع تزعم استخدام الذكاء الاصطناعي لإزالة المربعات السوداء وكشف الأسماء.

بنى الفريق أداة لفحص جميع الصفحات بحثا عن طبقات مخفية قابلة للكشف وكانت النتيجة أنه لا وجود لتظليل يمكن "فكه" وأن ما ظهر في بعض الفيديوهات كان مجرد "هلوسة" توليدية.

مرة أخرى، لم يكن دور الصحيفة كشف محتوى جديد، بل حماية الوثيقة من إساءة تفسيرها.

مراسلات "إبستين" مع الصحفي "ميشيل وولف" ( موقع الديمقراطيين في لجنة الرقابة)
  • تحقيق بلا نهاية سريعة

رغم ضخامة المشروع، لم تعلن الصحيفة عن "قنبلة" جديدة كبرى. فالوثائق تقدم صورة أكثر تفصيلا لشبكة علاقات إبستين، لكنها لم تحسم كل الأسئلة، ولم تثبت وجود شبكة واسعة كما يتداول البعض.

والأهم أن الصحيفة اختارت الإبطاء بدل الاندفاع في عصر يتوقع فيه الجمهور نتائج فورية، وقد يكون هذا القرار هو الموقف الأكثر جذرية.

تكشف تجربة نيويورك تايمز أن التحقيق الاستقصائي في عصر البيانات لم يعد يقتصر على قراءة الوثائق وتحليلها، بل تحول إلى عملية إدارة متكاملة لنظام معلومات معقد.

فالصحفي لم يُستبدل لكنه لم يعد يعمل منفردا إذ أصبح المهندس جزءا أصيلا من غرفة الأخبار، ودخلت الخوارزميات إلى خط الإنتاج التحريري بوصفها أداة مساعدة على الفرز والتحليل.

ومع ذلك، تبقى الكلمة الأخيرة للحَكم البشري إذ قد تسهم التقنية في تسريع الوصول إلى المعطيات، لكن تحديد الاتجاه النهائي للنشر يظل قرارا تحريريا، وبين الخوارزمية والتحرير تتشكل ملامح مستقبل التحقيق الاستقصائي.



إقرأ المزيد