كيف تعالجنا جلسات "العزلة" من شعور الوحدة؟ فلاسفة وعلماء يجيبون
الجزيرة.نت -

في ضجيج العالم -الذي لا يتوقف عن الكلام- ننسى أحيانا أن ننصت بهدوء، نهرب من الوحدة وكأنها عقوبة، ونخشى الصمت وكأنه فراغ، ولكن هل فكرت يوما في أن العزلة قد لا تكون سجنا، بل “الوطن” الوحيد لراحة النفس.

بعيدا عن ضوضاء البشر وبحكمة الفلاسفة والحكماء، يغوص أسعد طه -في برنامج "قال الحكيم" (تشاهدون الحلقة عبر الضغط هنا)- في مفهوم "العزلة" ليس كقطيعة مع الحياة، بل كرحلة ضرورية لاكتشاف النفس وترميم ما أفسده الزحام.

لطالما اعتُبر الإنسان كائنا اجتماعيا، لكن الحكماء يرون أن فقدان القدرة على الانفراد بالنفس هو ضياع للهوية.

ويصف الروائي الروسي دوستويفسكي العزلة بأنها "زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله"، حيث لا مفر من مواجهة الحقيقة، وهي المواجهة التي اعتبرها الفيلسوف نيتشه ضرورية جدا لـ"اتساع الذات وامتلاء كيانها".

أما الشاعر فرناندو بيسوا فيذهب إلى أن الحرية الحقيقية هي "امتلاك العزلة"، فالحر هو من يستطيع الابتعاد عن الناس بإرادته، دون أن يكون مجبرا على ذلك أو خائفا منه.

ملاذ الأرواح المرهقة

في لحظات الإنهاك الروحي، تصبح العزلة "وطنا" كما وصفها الأديب إرنست همنغواي؛ فهي ليست انعزالا بدافع الكره، بل هي حاجة للملمة الشتات.

وفي السياق ذاته، يرى الأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله أن سكنى العزلة هي الطريق الأقصر لبلوغ النفس، تماما كما تقطع الفيافي لتصل إلى الواحة.

هذا المعنى هو ما دفع الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لتقديم نصيحته الخالدة "خذوا بحظكم من العزلة"، إدراكا منه لكون النفس تحتاج إلى مساحة خاصة تعيد فيها ترتيب أولوياتها بعيدا عن تأثير الآخرين.

من العزلة إلى الخلوة

ينتقل بنا برنامج "قال الحكيم" إلى بُعد أعمق، حيث تتحول العزلة الظاهرة إلى "خلوة" باطنة، إذ يرى الشيخ زروق أن الهدف من الخلوة هو "تطهير القلب من أدناس الملابسة"، بينما يصفها عبد الكريم الجيلي بأنها تمرين نفسي على قلة الكلام والمنام لفرز الخواطر المشتتة.

ويؤكد ابن عطاء الله السكندري أن العزلة هي الميدان الحقيقي للفكر؛ فما نفع القلب شيء مثل عزلة تسمح له بالتأمل العميق. فإذا كانت العزلة طريق "المجتهد" -كما يراها إبراهيم الدسوقي- فهي أيضا صمام أمان الروح.

الفضل في الجماعة

يطرح البرنامج معادلة توازن بين الحقوق الاجتماعية والاحتياج النفسي؛ فإذا كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة غالبا ما تكون في العزلة، كما يقول مكحول الهذلي.

ولعل خير من لخص هذه العلاقة هو وهب بن منبه بقوله: "المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويخلو ليغنم".

ورغم أهمية العزلة فإن حكمة الحكماء لا تدعو إلى قطيعة دائمة، بل إلى "عزلة مؤقتة" تهدف لبعث الروح من جديد، وكما لخصها عبد الله بن المبارك فإن العزلة الحقيقية هي أن تكون مع الناس ببدنك، فإذا خاضوا في ذكر الله كنت معهم، وإذا خاضوا في غير ذلك اعتزلتهم بقلبك وصمتك.

Published On 23/2/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد