الجزيرة.نت - 2/23/2026 11:26:19 PM - GMT (+3 )
من أبرز المواجهات العسكرية بين العباسيين والبيزنطيين، أشعلتها صرخة امرأة مسلمة في عمورية نادت "وامعتصماه"، فساق الخليفة المعتصم بالله جيشا لنجدتها "في جحافل كالجبال"، فوصلها في السادس من رمضان، وحاصرها 11 يوما حتى انتهى بفتحها يوم 17 رمضان عام 223 للهجرة (838 م)، ودكّ واحدا من أقوى حصون الروم.
وعمورية -التي تقع الآن جنوب أنقرة وتسمى "سيفري حصار"- كانت من أهم المراكز العسكرية للبيزنطيين في آسيا الصغرى، وهي بمنزلة القسطنطينية عندهم وقيل أكثر، وكانت تضم جيشا قويا وحصونا منيعة لم يستطع أي غاز أو فاتح الاقتراب منها، حسبما قال المؤرخ ابن كثير.
دوافع المعركةاستغل الإمبراطور البيزنطي توفيل بن ميخائيل (ثيوفيلوس) انشغال الخليفة المعتصم بالله وجيشه بإخماد "فتنة بابك الخرمي" التي استمرت نحو 20 عاما في بلاد فارس، فهاجم مدنا إسلامية وارتكب فيها مجازر دامية وسبى نساءها، وعمد إلى خرابها كليا بإحراقها.
وتشير روايات تاريخية إلى أن بابك نفسه كان من راسل الإمبراطور البيزنطي محرضا إياه على مهاجمة الثغور الإسلامية، مغريا إياه بانشغال العباسيين في قتاله، وكان هدفه تخفيف الضغط العسكري عنه.
استجاب توفيل للرسالة، وخرج بجيش قوامه مائة ألف مقاتل، فهاجم مدينتي زبطرة وملطية المسلمتين (شرق الأناضول)، وارتكب مجزرة كبيرة، فقتل الرجال والأطفال، ومثّل بالأسرى بسمل الأعين وقطع الآذان والأنوف، وسبى أكثر من ألف امرأة بعدما ذبح أطفالهن، فلما بلغ الخليفة ما وقع في المسلمين هاله ما حدث وقال "النفير النفير".
وقيل في مصادر تاريخية أخرى أنه وفي خضم تلك الأحداث، وقعت امرأة مسلمة في الأسر، وتذكر الروايات أنها كانت هاشمية أو شريفة علوية تُدعى "شراة العلوية،" صاحت مستغيثة "وامعتصماه"، فاستعظم الخليفة الأمر وغضب غضبا شديدا وأجابها "لبيكِ لبيكِ".
إعلان
وتنقل بعض الروايات الأخرى أن بطريقا من أهل عمورية عذّب هذه المرأة ليُكرهها على التنصّر، فلما صاحت "وامعتصماه" سخر منها قائلا: "إيش يعمل بي، يقفز عليّ بالأبلق؟".
وفي رواية أخرى، نقل أعرابي إلى الخليفة خبر امرأة عربية تُسحل إلى السجن في سوق عمورية وهي تصرخ بالاستغاثة، فاشتد غضبه ونهض معلنا النفير العام والثأر للمسلمين.
قيل إن الخليفة المعتصم أقسم ألّا يعود حتى يحقق فتحا غير مسبوق، فجهّز جيشا جرارا قُدّر عدده ما بين مائتي ألف إلى خمسمائة ألف مقاتل، وأخذ معه من المجانيق والنفط وآلات الحرب والدواب ما "لم يُسمع بمثله في عهد من سبقه من الخلفاء" من حيث العدد والعدة وآلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والخيل والبغال والسلاح.
وقيل إن الخيالة في جيشه كانت تضم تشكيلات ضخمة ومميزة الألوان؛ وضمت ثمانين ألف حصان أبلق (أبيض وأسود) وثمانين ألف حصان أدهم (أسود).
وقبل خروجه، استدعى القضاة والشهود، وأشهدهم أنه جعل أملاكه أثلاثا: ثلثا صدقة لله، وثلثا لولده، وثلثا لمواليه.
وحذّر المنجمون الخليفة من الخروج، زاعمين أن الطالع نحس بسبب ظهور مذنب في السماء، وأن جيشه سيُهزم، وأنه إن عاد سيعود معلولا، لكنه لم يلتفت إلى قولهم ومضى في قراره.
وسأل المعتصم قادته "أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟" فقيل له: عمورية، فهي مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي، وعين النصرانية، وأشرف عندهم من القسطنطينية، ولم تُغزَ منذ ظهور الإسلام، فعزم على جعلها هدف حملته الأكبر وأمر بالسير إليها.
عند نهر اللامس حيث الحد الفاصل بين الخلافة العباسية والدولة البيزنطية قسّم الخليفة جيشه العرمرم إلى فرق عدة؛ وجعل على رأس كل منها أبرز قُواده فعيّن أشناس التركي على المقدمة، وحيدر بن كاوس الملقب بـ"الأفشين" على الميمنة ووجهه شمالا نحو أنقرة، وإيتاخ الخرزي وجعفر بن دينار على الميسرة والساقة، وقاد هو القلب.
حاول الإمبراطور توفيل مباغتة المسلمين، لكنه اصطدم بجيش الأفشين في 25 شعبان 223هـ عند موضع يُعرف بـ"دزمون"، فكانت هزيمة ساحقة للروم، تشتت فيها جيشهم وفرّ على إثرها الإمبراطور إلى القسطنطينية وترك جزءا من جيشه في "عمورية" بقيادة "ياطس".
ولما سمع أهل أنقرة بخسارة إمبراطورهم فرّوا من ديارهم خوفا، فدخلها المسلمون دون مقاومة إذ وجدوها خاوية، فتجمع جيش الخليفة فيها، وتقوّى وتزود من مؤنها، ثم واصل زحفه نحو عمورية.
وصل المسلمون إلى عمورية صبيحة السادس من رمضان 223 هجرية، وضربوا عليها حصارا شديدا، وكانت المدينة محاطة بأسوار عالية وخندق عميق، فأمر المعتصم جنده أن يأكل كل واحد منهم شاة، فقد كان قد غنم الكثير منها في طريقه، ثم يملأ جلدها ترابا ويلقيها في الخندق لردمه وتمهيد الطريق لمرور الدبابات والمجانيق.
وفي تلك الأثناء بعث الإمبراطور البيزنطي رسولا إلى المعتصم يطلب منه الصلح، ويعتذر له عما فعله بأهل زبطرة وملطية وتعهّد أن يعيدهما كما كانتا، وأن يفرج عن أسرى المسلمين الذين كانوا عنده، إلا أن المعتصم أبى الصلح.
إعلان
وتُشير المصادر التاريخية إلى أن الخليفة واجه تحصينات معقّدة تمثّلت في أسوار حصن عمورية الشاهقة مما استدعى إعداد خطة عسكرية تتلاءم مع طبيعة الموقع الدفاعية، فأمر بصناعة مجانيق ضخمة تناسب ارتفاع الأسوار وتوازيها، بحيث تكون قادرة على إحداث خرق مؤثر.
وصُمّمت هذه المجانيق بأحجام كبيرة حتى إن الواحد منها كان يتّسع لـ4 مقاتلين، كما أُنشئت بهيكل متين ومحكم، وثُبّتت على قواعد مزوّدة بعجلات لتسهيل تحريكها ودفعها باتجاه الأسوار أثناء الحصار.
وأرسل قائد عمورية "ياطس" (أو مناطس) غلامين برسالة إلى ملك الروم يُعلمه فيها بنيته الخروج ليلا ومباغتة المسلمين، لكن جيش المسلمين أدركهما وأسرهما، وعلم المعتصم بالخطة فشدد الحراسة.
وبينما جيش الخليفة يجهز الطريق، أرشد أسير مسلم -كان قد تنصّر ليعيش في عمورية ثم عاد إلى الإسلام- الخليفة المعتصم إلى موضع في السور كان السيل قد هدمه، وأعاد الروم بناءه بناء شكليا ضعيفا بلا أساس متين، فأمر الخليفة بتركيز ضربات المنجنيق عليه حتى انهار.
ومع تركيز ضربات المنجنيق، انهار السور، واستسلم قائد ذاك السور والمدعو "وندوا" بعد أن رفض بقية القادة نجدته، ودخل المسلمون عمورية مكبرين في 17 رمضان (وقيل في أواخره)، وتحصن ياطس في برج قبل أن يُجبر على الاستسلام.
النتائجغنم المسلمون من المعركة كثير، وقُتل من الروم نحو 30 ألفا وأُسر مثلهم، وأمر الخليفة المعتصم بإحراق آلات الحرب والدبابات، وتخريب أسوار المدينة حتى لا يستفيد منها الروم مرة أخرى.
ويروى أن الخليفة بعد الفتح استدعى المرأة التي استنجدته، وأحضر قائدها البيزنطي (البطريق) الذي عذبها، وطلب منها أن تعيد النداء الذي أطلقته، فقالت: "وامعتصماه"، فأجابها: "لبيكِ" واقتص لها منه.
وفي سياق إظهار رمزية النصر، أمر الخليفة المعتصم بالله بنقل أحد أبواب عمّورية -وقيل بابين من أبوابها الفاخرة- عبر نهر الفرات إلى بغداد، حيث نُصب أحدها في دار الخلافة وعُرف لاحقا باسم "باب العامة"، بوصفه شاهدا مادّيا على فتح المدينة.
وتمكن القائد العسكري الأفشين من محاصرة بابك الخرمي وأسره، ثم أرسله مقيدا إلى الخليفة المعتصم بالله في سامراء، حيث نُفذ فيه حكم الإعدام في العاشر من شوال سنة 223 هجرية.
وكان الخليفة قد عزم على إكمال الفتح نحو القسطنطينية لكنه أجبر على العودة بعدما اكتشف مؤامرة لاغتياله خطط لها ابن أخيه العباس بن المأمون مع بعض القادة، منهم عجيف بن عنبسة والحارث السمرقندي، فقبض عليهم وسُجنهم مما عزز قبضته على الحكم.
عزز هذا الفتح الرمضاني من هيبة الدولة العباسية وتفاخر به المؤرخون، وخلده الشاعر أبو تمام بقصيدته البائية الشهيرة، التي استهلها بقوله:
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ.. في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
بيض الصفائح لا سود الصحائف في.. متونهن جلاء الشك والريبِ
وأصبحت القصيدة علامة أدبية خالدة ارتبطت بفتح عمورية، وتمجيد قوة السيف والقرار، وبالرد على المنجمين الذين حاولوا إقناع الخليفة بالعدول عن المعركة.
إقرأ المزيد


