الجزيرة.نت - 2/25/2026 4:50:09 PM - GMT (+3 )
بالنسبة له، الشعر -سواء قرأه أو كتبه- هو مصدر قيم وملهم. وكان قد نشر بنفسه ديوان شعر قبل بضع سنوات بعنوان "بانتظار أقواس قزح"، تعبيرا بليغا عن تطلعه إلى شروق الأمل والجمال والفرح. ويجد نفسه ما زال ينتظر!
تشيع في هذه القصائد الثلاث -القصيرة نسبيا- نبرة حزن وأسى وربما يأس أحيانا، وقد ترقى إلى أن تكون رثاء أو مرثية للعالم والإنسانية والعدالة والسلام، وتعبيرا عن خيبة أمل فادحة في التجربة الأمريكية ووعود الحلم الأمريكي بالازدهار والحريات والأنوار والانعتاق.
وتذكرنا هذه النبرة ربما بمراثي إرميا بن حلقيا في القرن السادس قبل الميلاد، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل المتأخرين كما يسجل سفر "مراثي إرميا" (Book of Lamentations) في العهد القديم.
وقف إرميا على أطلال أورشليم "التوراتية" بعد خرابها على يد نبوخذ نصر ملك الكلدانيين، ورثى حطام مملكة ومصيرا تنبأ به وحذر منه طويلا.
كان إرميا يحذر بني إسرائيل من الشر الحقيقي الذي عملوه في عين الرب من انحراف عن التوحيد وجنوح نحو الوثنية والفساد وانهيار شروط البقاء القيمية والأخلاقية، وقد تكررت عبارة "وصنعت إسرائيل الشر في عين الرب" في العهد القديم. في حين كان إرميا يصف لهم سبل التوبة والإصلاح، لكنها لم تقع على آذان صاغية.
كذلك، تتردد في هذه القصائد الثلاث بعض أصداء وأجواء قصيدة "الأرض اليباب" (The Waste Land)، (1922)، للشاعر الأمريكي توماس ستيرنز إليوت (T. S. Eliot) (1888-1965)، وتعتبر أشهر وأهم قصيدة في القرن العشرين، ومن أهم وأوائل أعمال "أدب النهايات" المعاصرة، وتمثل مرثاة حزينة للإنسان الغربي والحضارة الغربية ولعالم كامل فقد ألقه وسحره وجلاله.
كانت "الأرض اليباب" نقطة تحول في مسار الشعر العالمي، خاصة مسار الشعر الغربي من الرومانسية والفيكتورية إلى الحداثة وربما "العلمنة".
إعلان
لكن عنوان القصائد الثلاث، الكفاح "ضد موات النور"، يظهر تناصًا قويًا (Intertextuality) مع قصيدة شهيرة لشاعر ويلز الراحل، ديلان توماس (1914-1953).
وهي قصيدة "لا تمضي رفيقًا إلى تلك الليلة الطيبة" (Do not go gentle into that good night)، وقد كتبها لوالده المريض الذي توفي عام 1952.
كتب توماس قصيدته عام 1947 ونشرها عام 1951 بدون عنوان سوى البيت الأول منها، أما البيت الثالث فهو بيت التناص بين فولك وتوماس: Rage, rage against the dying of the light، أي "اغضب، اغضب بشدة ضد موات النور".
تنتمي قصيدة توماس لنمط قصائد الفيلانيل (Villanelle)، التي تتألف من خمسة مقاطع أو بالأحرى خمس ثلاثيات (Tercets)، كل مقطع منها ثلاثة أبيات، تليها رباعية واحدة أخيرة (Quatrain).
وفي القصيدة قافيتان (Stanzas) متكررتان ولازمتان (Refrains): تقول اللازمة الأولى، "لا تمضي رفيقًا إلى تلك الليلة الطيبة"، هي البيت الأول من الثلاثية الأولى وهو أيضًا البيت الأخير من الثلاثية الثانية والرابعة، وتقول اللازمة الثانية، "اغضب، اغضب بشدة ضد موات النور"، وهي البيت الثالث من الثلاثية الأولى والثلاثية الثالثة والرباعية الخاتمة.
بين فولك وإليوتيتبدى المشترك بين فولك وتوماس قلقًا وجوديًا في علاقة الإنسان بقدره ومستقبله، وروحًا متشبثة بالنور باعتباره مكافئًا موضوعيًا للحق والخير والجمال، ومتوثبة ضد "موات النور"، الذي يمثل إيذانًا بحلول الظلم والظلام والجشع والتغول المعادل للعدم، وفناء لكل ما هو خير، وجفافًا وتشيؤًا لكل ما هو إنساني، وزوالاً لقدرة الإنسان على الخلاص وتجاوز الواقع المظلم المتأزم.
لكن فولك لا يستسلم، وحتى عندما يصل إلى "نهاية الطريق"، لا يزال ينتظر نورا يضيء بلون أخضر من السماء أو من مكنون القلب ذاته، ما يوحي بأن الخلاص قادم لمن يؤمن به وينتظره.
في القصيدة الثانية، بعنوان "تطلعات ملكية"، يصف الشاعر نمطا أمريكيا من الطموح نحو الملكية بدون أسبابها الوراثية أو السلالية، وهو طموح خطر متغول متجاوز للواقع والتاريخ، نحو الاستحواذ على سلطة مطلقة شبيهة بالملكية، من خلال الثروة والتخفي والانسلال والاضطرابات السياسية، وليس عبر النسب الملكي.
ويرمز هذا المصطلح إلى رغبة في قلب التاريخ الديمقراطي والمنظومة الدستورية التي أقامته رأسا على عقب، وإعادة إحياء أسوأ عناصر الاستبداد، مع الحفاظ على مظاهر بذخ وأبهة تنسب إلى "مملكة تحتضر" و"ملك يحتضر".
ولا يتوانى الشاعر عن تسمية الأشياء بأسمائها والإشارة الصريحة لأحد المعالم المترافقة مع هذا التطلع الملكي الاستبدادي، أي "ماغا" (MAGA)، حركة "اجعل أمريكا عظيمة مجددا"، وتمثل العمود الفقري لقاعدة دعم وتأييد دونالد ترامب، وأوصلته إلى سدة الرئاسة مرتين.
كما يشبّه أمريكا الجديدة بشرق أوسط "جديد"، كان يراد له أمريكيا أن يكون مشوها وممسوخا وخاضعا وعلى قياس الهيمنة الإمبريالية والصهيونية.
في القصيدة الثالثة، وهي بعنوان "نصيحة لشاعر مبتدئ"، لا يتردد الشاعر في التعبير عن اغترابه عن عالم عبثي يفتقد المعنى والغاية والأمل إزاء الظلام والقبح وغياب الحقيقة والجمال وانهيار معايير العقل والرشد واختفاء النبل الإنساني، بينما تتجمع غيوم عواصف الدمار والفناء التي تهدد مصير البشرية بالانقراض، وتلجئ المرء إلى التسكع والعزلة والعجز التام بينما تلتهم الحرائق والخراب ما تبقى من مقومات الوجود.
إعلان
وفي الخلفية الفساد والفاسدون والأوليغارك يقامرون بمصير البشرية، يحتالون ويتغولون ويسممون الحياة الإنسانية بمخرجاتهم وإفرازاتهم وحفلاتهم الصاخبة كأنها طقوس شيطانية لتقديس الفناء والعدم تحت "قمر ملطخ بالدماء".
هل هذه هي النهايهْ؟
أتوق لمعرفة ذلك المستقبل الآتي
ومع ذلك
تبدو أحلامي أكثر رمادية وكآبة
من سماء ملبدة بالغيوم
كرات بلورية
تتدحرج نحو البحر
مغطاة بالغيوم
بلا فائدة منها
أسر في الزمن
لا لن تعبر هذه البوابة
الآن أبدًا
لا لن تدري
محكوم عليك بالموت
عند هذه البوابة
يحظر الدخول
يطاردك شبح فضول أبدي
ما سيأتي
سيتنبأ به
بعد نور
من السماء
أو من الداخل
يضيء باللون الأخضر
نهارًا وليلاً
خلال جميع الفصول
في نهاية الطريق
حيث سيكون
ينتظرني وحدي
القصيدة الثانية: تطلعات ملكيةكما لو كان وليَّ عهد متلهفًا
على تاج يسقط من السماء
معجزة مظلمة
تهبط على رأسه
ليس مصادفة
ولا بشكل وراثي
بل على الطريقة الأمريكية
انسلالاً وثروة
جريمة علنية
حسب الحاجة
فقلب التاريخ رأسًا على عقب
جزء من القصة
بعد كل شيء
إذا كانت الكونفدرالية
قد بعثت من جديد
فلماذا لا تبعث الثورة الأمريكية من جديد
تفاخرا باليا
لإعادة الأسوأ
للتخلي عن الأفضل
حفاظا على الأبهة والعظمة
إخفاء للوضع العام
انغماسا في مآدب العشاء الرسمية
بينما تشبع رغباتهم
من قبل سلالة ملكية وهمية
لمملكة تحتضر
وملك يحتضر
طقوس الاحتفال وحدها تبقى
هذه هي أمريكا
حيث يعتلي الملوك العرش
انسلالاً وثروة
لا حاجة لحفلات التتويج
أو استحقاقات وراثية ملكية
في أمريكا "ماغا"
يكفي للتألق
في ضوء خافت
يسكبه أوليغارك متحكمون
إعادة اختراع
البريق بالبنادق
تباهي وتفاخر
بالتحيات والشيوخ
وداعًا للكوابيس
كوابيس الحرية والمساواة
والتنوع والشمول
والتذكر والنسيان
في هذا الوقت
مواطنون كانوا فخورين ذات يوم
يثنون ركبهم انحناء
يمتثلون عن طريق النهب
هذه ليست أمريكا
هذه أمريكا الجديدة
مثل شرق أوسط "جديد"
لم تعد الشمس تشرق
فوق صحارى الروح:
يسود الظلام
ومضات نور
هنا وهناك
لافتات وعلامات أمل
وبانتظار تتويجات
الشر قبل
فجر اليوم التالي
القصيدة الثالثة: نصيحة لشاعر مبتدئلماذا نُهدر الكلمات
بحثًا عن الحقيقة أو الجمال
في هذه الليالي القاحلة
ليال بلا نجوم
عقلي العتيق
يملي عليّ
قلبي يتوقف
بينما تتجمع غيوم العاصفة
تتجمع فوق الأرض
بشكل مرعب
تهدد مصير البشرية بالفناء
تعرضها للخطر
أكثر من أي وقت مضى
بل أكثر كثيرًا
تهددها بالانقراض مثل
فهود الثلوج
بدون أجراس كنائس تقرع
يبدو السكون أفضل
تسكع في الحدائق
تشبث بالعزلة
ترقب حرائق الغابات
هنا وهناك
أحلام يقظة بالحقيقة والثقة
في خضم الأكاذيب والخداع
بينما يلعب رجال أقوياء لعبة بوكر خاسرة
بمستقبلنا
محتالون نادرًا ما يبتسمون
يترأسون يسودون
يعتبرون ضرطاتهم السامة
عطرًا نادرًا
دائمًا يقيمون
حفلات صاخبة عند المشانق
طقوس بهلوانية شيطانية تحت
قمر ملطخ بالدماء
* * *
تطرح هذه القصائد ببلاغة لا ريب فيها مأزق أمريكا والغرب بل والإنسانية الرازحة بأسرها تحت الهيمنة الغربية المستفحلة، ومأساتها الكارثية المتواصلة في القرون الخمسة الأخيرة منذ صعود الغرب ومشروعه الحداثي ورؤيته المعرفية الإمبريالية العلمانية، والتي أخرجت أبشع ما في التجربة البشرية.
منذ التكريم الإلهي للإنسان واستخلافه في الأرض واتصاله بالسماء عبر النبوات والشرائع والوحي الإلهي.
تربع المشروع الإمبريالي الغربي على أركان بالغة البشاعة: الاستعمار والرأسمالية والعنصرية والعسكرة والفاشية الصريحة والكامنة والمركزية الغربية.
تفسر الرؤية المعرفية الإمبريالية العلمانية خمسة قرون من تاريخ الغرب وسلوكياته، عنفًا وإبادة وعدوانية وهمجية وعنصرية.
أنتجت هذه الرؤية المعرفية نظامًا دوليًا ومنظومة استيطان وإمبريالية عالمية طحنت العالم وأذاقت الإنسانية ويلات لم تتوقف منذ سقوط غرناطة وانطلاق موجات الاستعمار والاستيطان والإبادة في القرن السادس عشر.
إعلان
ولن يعرف العالم سلامًا أو عدلاً أو استقرارًا ما لم تتفكك هذه المنظومة ومقوماتها وفرضياتها وآليات عملها، وما لم تتحرر الإنسانية منها، وقد ثبت استحالة التعايش معها أو تحقيق أي تحرر ونهوض إنساني في ظل هيمنتها وتغولها.
ورغم تشبث الشاعر بومضات الأمل وتوقه إلى الحقيقة والنور والخير التي يعبر عنها شعره تعبيرًا بليغًا، ورغم تطلعاته النبيلة نحو خلاص الإنسانية من الظلام المطبق عليها، إلا أنه قد فات أوان لحظة الخلاص.
فهذه التجربة المعادية للتاريخ وأسسها المعرفية في سبيلها إلى "التداعي" والتفكك، كما تداعت وتفككت منظومات الشرك والجاهلية وإمبراطوريات الاستعباد والقهر بعد نزول الوحي الكريم وقيام الرسالة الخاتمة قبل 14 قرنًا وصعود الرؤية الكونية التوحيدية وسردية النبوة والهدى ودين الحق.
إقرأ المزيد


