الجزيرة.نت - 2/25/2026 5:33:46 PM - GMT (+3 )
Published On 25/2/2026
شارِكْ
شهد فجر السادس من فبراير/شباط 2023، أحد أعنف الزلازل في تاريخ المنطقة الحديث حين تحركت الأرض على امتداد مئات الكيلومترات عند نقطة التقاء الصفيحتين العربية والأناضولية، وطالت آثاره المدمرة عشر ولايات تركية وعدة محافظات شمال وغرب سوريا، تلاه بعد ساعات زلزال ثانٍ بشدة مقاربة، تبعتهما مئات الهزات الارتدادية.
وخلال ثوان، انزلقت كتل صخرية أمتارا عدة، وتبدل شكل السطح بصورة جذرية، ما أدى إلى دمار شامل في المباني والبنى التحتية، وأسفر عن عشرات آلاف الضحايا والمصابين.
غير أن ما جرى في باطن الأرض لم يكن من السهل توثيقه، حتى بالنسبة للأقمار الصناعية التي راقبت المشهد من الفضاء، فقد أدت الإزاحات الأفقية الضخمة والتشوهات السطحية العنيفة من تصدعات عميقة إلى انهيارات وانزلاقات أرضية، إلى فقدان الترابط في صور الرادار الفضائي التقليدية.
وعندما تحركت صخور القشرة الأرضية بشكل عنيف جدا، لم تعد أدوات القياس قادرة على تتبع مثل هذه التغيرات بدقة، فبدت بعض الأجزاء في الخرائط وكأنها ناقصة أو غير واضحة، خاصة قرب الفالق الرئيسي.
نتيجة لذلك، كانت الأجزاء الأقرب إلى خط الكسر، الأقل دقة من حيث البيانات المتاحة للتحليل، بالرغم من كونها الأهم لفهم ما حدث تحت السطح.
غير أن دراسة علمية حديثة أجراها فريق بحثي أوروبي مشترك من إيطاليا واليونان، ونشرتها مجلة "فرونتيريس إن إيرث ساينس" (Frontiers in Earth Science)، قدمت مقاربة مختلفة قلبت هذه المعادلة، فبدلا من الاعتماد على مصدر واحد للبيانات، لجأ الباحثون إلى دمج قياسات من عدة أقمار صناعية رادارية، من بينها أقمار سنتينل-1 الأوروبية، وألوس-2 اليابانية، وساوكوم-1 الأرجنتينية، وجميعها ذات نطاق موجي طويل، أتاح قياس الإزاحات الأفقية الكبيرة التي عجزت التقنيات التقليدية عن توثيقها بدقة.
إعلان
تؤكد الباحثة في علوم الجيولوجيا والزلازل الدكتورة سجا محمد أبو طه، في حديث للجزيرة نت، أهمية هذه الدراسة كأحد الأبحاث المتطورة حول ديناميكيات الصدوع المعقدة عند حدود الصفائح التكتونية، وتحديدا في منطقة تصادم الصفيحتين العربية والأناضولية.
وتمكن الباحثون من رسم حقل إزاحة واسع النطاق، كاشفين عن أنماط تشوه لم تقتصر على مسار الصدع الرئيسي، بل امتدت إلى مناطق محيطة به، في ما يعرف بالتشوه خارج الفالق أو الصدع.
وبينما كان ينظر عادة لصدع شرق الأناضول على أنه حد تحولي بسيط، توضح الباحثة أن الدراسة الحالية قدمت إضافة جوهرية من خلال تأكيد تعقيد نظام الصدع هذا، إذ أدى الزلزال المزدوج (بقوة 7.8 درجة للأول و7.5 درجة للثاني) إلى كسر شبكة معقدة من 22 قطعة صدعية بدلا من صدع واحد بسيط، وهو ما يدعم الفهم الحديث بأن الصدوع الكبرى ليست خطوطا مسترسلة بسيطة، بل هي أنظمة من القطع الهندسية ذات الانحدارات وأنماط الحركة المتغيرة.
ووثقت الدراسة بشكل فريد وجود تشوه كبير موزع خارج نطاق الصدوع الرئيسية في المنطقة بين الصدعين الرئيسيين، ما يعني أن القشرة الأرضية لا تتشوه فقط على طول الصدوع المحددة مسبقا، بل إن هناك كتل صغيرة وسيطة تستوعب جزءا من الإجهاد التكتوني، وهو ما يغير النظرة من نموذج يعتمد على الصفائح الصلبة إلى نموذج أكثر مرونة.
كما تشير الدراسة إلى أن الاختلافات في تركيب وسمك الغلاف الصخري بين الصفيحة الأناضولية القوية والصفيحة العربية الأضعف قد تتحكم في كيفية تركز الإجهاد وانتقاله إلى السطح، مما يؤثر على أسلوب التصدع ويخلق بيئة ملائمة لتحرير الإجهاد على شكل زلازل مدمرة.
تكمن أهمية هذه النتائج في بعدها التطبيقي، فتوثيق التشوهات خارج الصدوع يعني أن نطاق التأثير الزلزالي قد يكون أوسع مما تفترضه النماذج التقليدية المعتمدة على خط الصدع وحده، وهذا بدوره يفرض إعادة نظر في خرائط المخاطر الزلزالية، وفي آليات التخطيط العمراني وتصميم البنية التحتية في مناطق التصادم الصفائحي.
وتؤكد سجا أبو طه أهمية الدراسة في تحسين نمذجة الاهتزازات الأرضية، إذ تقدم تحسينا كبيرا في حساب خريطة الاهتزازات القريبة من الصدع التي فشلت النماذج البسيطة في تمثيلها.
كما تبرز الدراسة، بحسب الباحثة، قوة التكامل المنهجي بين مختلف التقنيات الحديثة للوصول إلى هذه الصورة الكاملة من خلال الرصد عالي الدقة، والتغلب على قيود الأقمار الصناعية بالوصول إلى دقة غير مسبوقة تصل لحوالي 50 سنتيمترا، والتغلب على مشكلة فقدان الاتساق من خلال الدمج ما بين بيانات الرادارات ذات الموجات القصيرة والطويلة.
وتضيف أن تقنيات الرصد الحديثة المستخدمة لكشف خفايا هذا الحدث المدمِّر تعزز نمذجة أكثر تفصيلا للبنية الجيولوجية، وعند دمج هذه النماذج السطحية الدقيقة مع المعروفة من الجيولوجيا البنيوية والجيوفيزياء العميقة، يمكن أن نحصل على فهم شامل ومتكامل لآليات الزلازل الكبرى بدءا من تركز الإجهاد في الأعماق وصولا إلى التعبير السطحي المعقد للتشوه.
إعلان
إقرأ المزيد


