إيلاف - 2/25/2026 5:58:57 PM - GMT (+3 )
إيلاف من الكويت: عادت الخلافات الحدودية بين العراق والكويت إلى الواجهة هذا الأسبوع، بعد إعلان بغداد إيداع خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة، في خطوة أثارت اعتراضًا كويتيًا رسميًا وموجة تضامن خليجي وعربي مع الكويت، وأعادت ملفًا حساسًا ظلّ يتأرجح بين التهدئة والتصعيد منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وزارة الخارجية العراقية أوضحت أن إيداع الخرائط جرى في 19 يناير و9 فبراير من العام الجاري، استنادًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وشمل قوائم إحداثيات جغرافية مرفقة بخريطة توضيحية نُشرت على موقع المنظمة الدولية. وتقول بغداد إن الخطوة تندرج ضمن حقها السيادي في تثبيت حدودها البحرية ومناطقها الإقليمية وفق الأطر القانونية الدولية.
غير أن الكويت اعتبرت الإجراء “مساسًا غير مبرر بالسيادة الإقليمية”، واستدعت القائم بالأعمال العراقي لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة. وتركّز الاعتراض الكويتي على تضمّن الخرائط مناطق ومرتفعات مائية في مياه الخليج، من بينها “فشت القيد” و“فشت العيج”، تصفها الكويت بأنها مناطق ثابتة ومستقرة تاريخيًا وقانونيًا تحت سيادتها الكاملة، وليست محل نزاع حدودي سابق.
تعود جذور الخلاف الحدودي بين البلدين إلى مرحلة ما بعد غزو قوات الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للكويت عام 1990، وما أعقبه من تدخل تحالف دولي لتحريرها. وفي عام 1993 أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 833 الذي حدد الحدود البرية بين البلدين وأجزاء من الحدود البحرية، فيما تُركت مناطق بحرية أخرى للتفاهم الثنائي، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام تفسيرات مختلفة ونقاط خلاف متكررة.
مسؤول عراقي تحدث لوسائل إعلام محلية أكد أن القضية لا تقتصر على بعدها السيادي، بل ترتبط أيضًا بأبعاد اقتصادية، في ظل سعي بغداد إلى تعزيز دورها كممر للتجارة العالمية وتطوير موانئها، وعلى رأسها مشروع ميناء الفاو الكبير. ويرى أن تثبيت الإحداثيات البحرية يمثل خطوة قانونية لحماية المصالح العراقية وتأمين مسارات الملاحة والوصول إلى الموانئ، خصوصًا أن الساحل العراقي على الخليج محدود مقارنة بنظيره الكويتي، ما يضع ضغوطًا إضافية على خيارات العراق البحرية.
في المقابل، لم يقتصر الرفض على الكويت وحدها، إذ سارعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعلان تضامنها معها. وأعربت السعودية عن “قلق بالغ” من تداخل الإحداثيات العراقية مع مناطق تعتبرها كويتية وأخرى تابعة للمنطقة المقسومة بين الرياض والكويت، فيما أصدرت الإمارات وقطر وعُمان والبحرين بيانات مماثلة دعت العراق إلى سحب الخرائط والالتزام بقرار مجلس الأمن 833. كما دعا الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم البديوي، بغداد صراحة إلى التراجع عن الخطوة، محذرًا من أن مثل هذه الإجراءات قد تؤثر في مسار التعاون الإقليمي.
وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ردّ بالتأكيد أن بلاده تؤمن بحل المشكلات عبر الحوار والمفاوضات واحترام سيادة الدول، مشيرًا إلى أن الكويت كانت قد أودعت خرائطها البحرية وخطوط الأساس لدى الأمم المتحدة عام 2014 من دون التشاور مع العراق آنذاك، وأن بغداد لم تقدم على خطوة مماثلة إلا مؤخرًا.
يبقى ممر خور عبد الله في صلب هذا الجدل، بوصفه المنفذ البحري الحيوي للعراق إلى الخليج. ففي عام 2012 وقّع البلدان اتفاقية لتنظيم الملاحة في هذا الممر، في أول اتفاق ثنائي يعالج جوانب لم تغطها قرارات مجلس الأمن. غير أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق أبطلت الاتفاقية عام 2023 بعد طعن نيابي اعتبر أن المصادقة عليها لم تستوفِ الإجراءات الدستورية، ما أعاد الملف إلى نقطة حساسة وأثار مجددًا سجالًا داخليًا وخارجيًا.
يرى مراقبون أن الخلاف الراهن يحمل طابعًا قانونيًا وفنيًا في ظاهره، لكنه ينطوي على أبعاد سياسية واقتصادية أعمق، في ظل التحولات الإقليمية وسعي العراق إلى توسيع هامشه البحري، مقابل تمسك الكويت بما تعتبره حقوقًا سيادية راسخة. وبين الدعوات إلى احترام الاتفاقات الموقعة والالتزام بالقرارات الدولية، والمطالب العراقية بإعادة فتح باب التفاوض بروح “حسن الجوار”، تبدو الأزمة اختبارًا جديدًا لقدرة الدبلوماسية على احتواء ملف معقّد، يلامس التاريخ والسيادة والمصالح الاقتصادية في آن واحد.
إقرأ المزيد


