سليم البدري أيقونة "ليالي الحلمية".. شرير يعتذر فيربك مشاعرنا
الجزيرة.نت -

Published On 25/2/2026

شارِكْ

عندما نستدعي من الذاكرة مسلسل "ليالي الحلمية"، أحد أهم أيقونات المسلسلات التلفزيونية المصرية، تتزاحم أمامنا شخصيات حفرت حضورها في وجدان المتفرجات والمتفرجين، نتذكر علي البدري (ممدوح عبد العليم) بتحولاته الدراماتيكية التي تجسد انكسار جيل 1952، وعلاقته العاطفية الملتبسة بزهرة سليمان غانم (آثار الحكيم – إلهام شاهين) بوصفها امتدادا لصراع المثاليات والطموح، كما تحضر أنيسة، نموذج المرأة المصرية الوفية والحكيمة، التي التصق أداؤها باسم محسنة توفيق حتى كاد حضور الممثلة يطغى على حدود الشخصية.

لكن وسط هذا الزحام من الرموز الواضحة والشخصيات المباشرة، كثيرا ما نغفل الشخصية الأكثر تعقيدا وسحرا في آن واحد: سليم البدري الذي جسده العظيم يحيى الفخراني، فهو ليس مجرد قطب درامي في صراع اجتماعي ممتد، بل بنية إنسانية متناقضة، تتحرك بين أفكار مثالية أحيانا، ومصلحة شخصية كثيرا، ويتراوح ما بين القوة والهشاشة، وتختزل قصته تحولات طبقة وتوترات مرحلة تاريخية كاملة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

سليم البدري لا يمكننا أن نحبه أو نكرهه

على امتداد أعمال أسامة أنور عكاشة، كثيرا ما تظهر شخصياته في صورة حادة المعالم، شديدة الوضوح، ربما أكثر حتى من المطلوب في الشخصيات الدرامية، طيبة خالصة أو شر واضح، شخصيات منحازة بوضوح إلى موقع أخلاقي محدد، لكن في "ليالي الحلمية" تنجو شخصية سليم البدري من هذا التنميط الصارم.
منذ ظهوره الأول يبدو سليم البدري كشخص يصعب أن تحبه، كما يستحيل أن تكرهه كرها صافيا، رغم فداحة أخطائه، وجزء من ذلك يرجع إلى أنه واع بعيوبه إلى حد الاعتراف، ومدرك لحجم الأذى الذي يوقعه على من حوله، يعتذر بصدق، ويطلب الصفح، ويعد نفسه قبل الآخرين ألا يكرر ما فعل، وهو صادق فعلا في لحظة الوعد، لكنه يعود فيرتكب أخطاء أخرى، أحيانا أشد قسوة، مدفوعا بأنانية متجذرة في تربيته الطبقية التي رسخت داخله شعورا بالتفوق والامتياز.

إعلان

هذه الازدواجية بين وعي أخلاقي حاد وسلوك عملي مناقض هي ما يمنحه تعقيده الإنساني، فعندما نقارنه بشخصية مثل نازك السلحدار، نلمس أنه أقل برودا وقسوة، لكنه يقدم على أفعال لا تقل فظاعة، بل ترقى أحيانا إلى مستوى الجرائم، مثل استغلاله لعلية (ماجدة حمادة) زوجته الثانية، أو إيداع أخته رقية (عبلة كامل) مصحة للأمراض العقلية حتى لا تطالبه بإرثها أو تفضح زواج والده من امرأة أخرى غير والدته، أو وضعه زهرة ابنة زوجته من زوجها الثاني في ملجأ، بالإضافة بالطبع إلى خياناته المتكررة لزوجاته.

غير أن جزءا كبيرا من سحر الشخصية لا يعود إلى الكتابة وحدها، بل إلى أداء يحيى الفخراني، وبراعته في أدق التفاصيل التي منحت سليم البدري بعده الإنساني، تلك الابتسامة التي تومض أحيانا كابتسامة طفل يلهو، خفيفة وبريئة على نحو يتناقض مع قسوة الشخصية، وارتباكه الواضح حين يقف أمام كارثة هو سببها، بعينين تحملان إحساسا قاهرا بالذنب يكاد يفضحه قبل أن ينطق.

حتى لحظات كرمه المفاجئ التي تأتي كأنها محاولة تعويض متأخرة أو اعتراف غير معلن بالخطأ، تزرع شقوقا في صورة الرجل الأرستقراطي المتعالي، الذي يقوم بأفعال تجبره عليها طبقته مثل سجنه لزينهم السماحي (سيد عبد الكريم). هذه التناقضات الأدائية تجعل من الصعب كراهية سليم كراهية مطلقة، فخلف السلطة والأنانية يطل إنسان يتعثر بين صورته التي يريدها وصورته الحقيقية التي لا يستطيع الإفلات منها.

يمتد هذا التناقض إلى دوره كأب، حيث يبدو سليم البدري حاضرا بالاسم وغائبا بالفعل في حياة أبنائه الثلاثة، علي وعادل وسليم الصغير. هو الأب الذي يوفر الامتيازات والمكانة الاجتماعية، لكنه يعجز عن منح الوقت أو الاحتواء أو حتى الوجود الفعلي، والمفارقة أن غيابه ليس ناتجا عن جهل بدوره، فهو واع به، ويدرك أنه مقصر، وأن أبناءه يدفعون ثمن أفعاله، ومع ذلك يختار الاستمرار في ذات النهج.

هذا الوعي يضاعف خطيئته، لأنه لا يتذرع بالظروف ولا يختبئ خلف الأعذار، بل يتخلى عن مسؤوليته وهو يعلم تماما أنها مسؤوليته. وهنا يتجلى أحد أكثر وجوهه قسوة: ليس في قراراته الكبرى فحسب، بل في انسحابه الصامت من أبسط أدواره الإنسانية، تاركا فراغا عاطفيا ينعكس لاحقا في أبنائه ومساراتهم المختلة في الحياة.

بين توفيق البدري وسليمان غانم: احترام للمثل وحنين لزمن فات

لا تتحرك شخصية سليم البدري في فراغ درامي، بل تتحدد ملامحها عبر شخصيات مقابلة تؤدي وظيفة المرآة، فتظهر ما يحاول هو إخفاءه أو تبريره، وأولى هذه المرايا علاقته بابن عمه توفيق البدري (حسن يوسف)، ابن الفرع الفقير من العائلة، والدليل الحي على أن عائلة البدري لم تكن أرستقراطية عريقة، بل نتاج قفزة طبقية أحدثها إسماعيل البدري، الأب الذي راكم ثروته بطريقة يحيطها الشك، وفي مقدمتها استيلاؤه على أرض عائلة السماحي عبر الاحتيال. وجود توفيق في حياة سليم يذكره دائما بأن امتيازه ليس قدرا طبيعيا، بل بناء هش قام على إزاحة الآخرين.

توفيق يمثل الضمير الحي الذي يحاول سليم إسكات صوته دون أن ينجح في إبعاده، هو النسخة الممكنة من سليم، ما كان ممكنًا أن يصبح عليه لو لم ينحز بالكامل لصوت أنانيته الطبقية، لذلك تتسم علاقتهما بتوتر خفي، سليم يضيق به أحيانا، ويسخر من مثاليته، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع التخلص منه، لأن التخلص من توفيق يعني رمزيا التخلي عن آخر خيط يربطه بإنسانيته، أو حلمه المثالي عن نفسه، أن يصبح في يوم من الأيام مثاليا يتخلى عن امتيازاته وسعيدا في الوقت ذاته.

إعلان

في حضرة توفيق ينكشف التناقض الداخلي لسليم، رجل يحترم المثل نظريا، يحن إلى صورة نبيلة عن نفسه، ولكنه يختار عمليا ما يرسخ امتيازه ويخدم مصالحه، حتى لو كان الثمن سحق تلك الصورة.

على الجانب الآخر، تبرز شخصية سليمان غانم (صلاح السعدني) بصفتها المرآة النقيضة لا الضمير الموازي، الفلاح القادم من البحيرة، الذي يحمل ثأرا قديما بسبب استيلاء إسماعيل البدري على أرض عائلته، يقف في مواجهة سليم الذي يضطر للرد، وهنا يتبدى جانب آخر من تناقضه، فهو لا يخوض المعركة بدافع أخلاقي أو بشعور من الذنب، بل للحفاظ على المكانة، فيرد الكراهية بالكراهية، ويواجه التحدي باعتباره تهديدا لامتيازاته.

في هذه المرحلة يبدو الثأر عائقا يعطل سليم عن مشروعه الأثير، البحث عن راحته الشخصية وسعادته الخاصة، وهو الرجل المنغمس في ذاته، ويرى الصراع إرثا مزعجا يقتحم حياته، لكن المفارقة أن الزمن يعيد ترتيب المواقع، فبعد عام 1952 وانكسار الأرستقراطية القديمة تتغير ديناميكية العلاقات، ويتحول سليمان، الذي كان خصما، إلى رمز لزمن مضى، زمن كانت القواعد فيه أكثر وضوحا والتراتبية أكثر استقرارا. هنا ينشأ حنين خفي لدى كليهما تجاه الآخر، ليس كشخصين، بل إلى عالم أقدم.

في النهاية، لا يبقى سليم البدري مجرد شخصية درامية في مسلسل من زمن مضى، بل يظل نموذجا لإنسان يعرف نفسه جيدا، يرى عيوبه بوضوح مؤلم، ويختار رغم ذلك أن يستمر فيها. قوته ليست في سلطته ولا في امتيازه الطبقي، بل في ذلك الصدع الداخلي الذي لا يلتئم بين صورته عن نفسه وصورته الحقيقية.

وربما لهذا السبب تحديدا لا نستطيع أن نكرهه كرها خالصا، لأننا نرى فيه شيئا منا: ذلك الجزء الذي يعرف الصواب، ويتأخر دائما عن فعله".



إقرأ المزيد